ترجمة وتحرير: نون بوست
بالنسبة للعديد من شباب نيويورك، تجاوزت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي قضايا الإسكان والقدرة على تحمل التكاليف أو الأمن العام.
وفي جميع أنحاء المدينة، التف الناخبون من الجيل “زد” حول المرشحين الذين أدانوا حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على غزة، مما ساعد في دفع ثلاثة مرشحين ديمقراطيين تقدميين يحظون بدعم رئيس البلدية زهران ممداني لتحقيق انتصارات في الانتخابات التمهيدية.
وقد نجح كل من المراقب المالي لمدينة نيويورك براد لاندر، والناشطة المجتمعية دارياليزا أفيلا شوفالييه، في الإطاحة بكل من دان غولدمان، وأدريانو إسبايلات الذي شغل المنصب لخمس فترات على التوالي. في حين تغلبت عضوة الجمعية التشريعية للولاية كلير فالديز على منافس يحظى بدعم جزء كبير من المؤسسة الديمقراطية في مدينة نيويورك.
وينتمي المرشحون الثلاثة إلى منظمة “الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا”، وقد خاضوا حملاتهم الانتخابية استنادًا إلى برامج كانت ستُعتبر خارجة عن التيار السائد للحزب الديمقراطي قبل عقد واحد فقط.
وقال العديد من الناخبين الديمقراطيين الشباب لموقع “ميدل إيست آي” إن الفظائع التي تواصل إسرائيل ارتكابها في غزة تعني أن سكان نيويورك لم يعد بإمكانهم دعم المرشحين الذين يتخذون موقفًا متساهلًا تجاه إسرائيل.
وقد استهدفوا بشكل أساسي استبعاد المرشحين الذين لم يصفوا أفعال إسرائيل في غزة بأنها إبادة جماعية، أو أولئك الذين دعموا التمويل الأمريكي لإسرائيل وجيشها، أو تبنوا اللغة الأكثر حذراً التي اتسمت بها استجابة الحزب الديمقراطي إلى حد كبير.
وقالت إلينور باباييف، وهي منظِّمة فعاليات تبلغ من العمر 28 عاماً من حي “صني سايد” في كوينز، لموقع “ميدل إيست آي”: “إن الإبادة الجماعية في غزة هي القضية الأخلاقية الأكبر في حياتي”.
وأضافت إلينور باباييف، التي تنحدر والدتها من أصول يهودية أشكنازية من الاتحاد السوفييتي السابق: “لقد شاركت معها [كلير فالديز] في احتجاجات ضد الإبادة الجماعية في غزة، لذا كنت على يقين تام بأنه يمكنني الوثوق بها. كان هذا هو السبب الجوهري لمنحها صوتي”.
ومن جانبه، قال عدنان بخاري، وهو منظم سياسي وعضو في منظمة “الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا”، لموقع “ميدل إيست آي” إن ما وحد تلك الحملات الانتخابية لم يكن مجرد امتلاكها لأجندة تقدمية فحسب، بل الاستعداد للتحدث علانية ضد إسرائيل.
وقال بخاري: “إذا قمنا بتحليل الحملة الانتخابية بأكملها، فمنذ اليوم الأول، وقف جميع هؤلاء المرشحين بثبات ووصفوا ما يحدث بأنه “إبادة جماعية””.
وأضاف: “لم يغيروا تصريحاتهم إزاء ما يحدث هناك، وطوال فترة الحملة الانتخابية، سواء في التجمعات الجماهيرية أو عبر حملات الحشد الهاتفي، استمروا في وصفها بالإبادة الجماعية. وأستطيع القول إن غزة كانت العامل الرئيسي بنسبة 100 في المائة”.
وأشار بخاري، الذي أمضى أكثر من عقد في العمل التنظيمي لصالح مرشحين ديمقراطيين وشارك في حملتي شوفالييه (المعروفة اختصاراً بـ دي إيه سي) وفالديز، إلى أن هذا الاستنتاج نبع بشكل مباشر من المحادثات التي أُجريت مع الناخبين.
وأوضح قائلاً: “إذا كنا قد أجرينا 10 آلاف مكالمة هاتفية، فقد كانت هذه القضية هي محور النقاش الرئيسي في 7 آلاف مكالمة منها”.
“الاشتراكية ليست مصطلحاً معيباً”
ورأى المنظمون التقدميون أن غزة شكلت نقطة تحول سياسية للديمقراطيين الشباب، وذلك من خلال ربط معارضة التدخل العسكري الأمريكي في الخارج بالمخاوف المتعلقة بانعدام المساواة والإنفاق العام في الداخل.
وقال بلال طاهر، المدير الميداني لحملة شوفالييه وأحد كبار المنظمين في الحزب الديمقراطي، لموقع “ميدل إيست آي”: “أعتقد أن اليسار قد أبلى بلاءً حسناً في الربط بين القضايا التي تحدث في أحيائهم والسياسة الخارجية”.
وأضاف: “إذا كنا نهاجم إيران بتحريض من إسرائيل، فإن ذلك مرتبط بغزة أيضاً، لأننا نمنح هؤلاء الأسلحة والأموال والموارد وهم يدمرون المجتمعات، في حين أننا نفتقر هنا إلى الرعاية الصحية أو التعليم أو الإسكان”.
وأشار طاهر إلى أن العديد من الناخبين الشباب باتوا ينظرون إلى قضية غزة بشكل متزايد من خلال الإرث الأوسع للحروب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق. وأوضح: “إنها حركة شاملة مناهضة للحرب، وهذه هي المكانة التي وضع اليسار نفسه فيها”.
كانت القضايا التي حددت معالم السباق الانتخابي للكونغرس محورية أيضًا في حملة زهران مامداني الانتخابية لرئاسة البلدية، حيث تم دمج معارضة الحرب الإسرائيلية على غزة في نقد أوسع نطاقًا لهيمنة الشركات، وانعدام المساواة، ومؤسسة الحزب الديمقراطي نفسه.
وفي هذا السياق، قال غابرييل تينين، الأستاذ المساعد في التاريخ بكلية “باروخ”، لموقع “ميدل إيست آي”: “الأمر اللافت للنظر هو أنه حتى في منتصف عامه الأول في منصبه، لا يزال ممداني يحتفظ برصيد سياسي هائل، ولا يزال يعيش فترة شهر عسل مع أنصاره”.
وتابع تينين: “ويكشف هذا أيضاً أن مصطلح ‘الاشتراكية’ لم يعد يعتبر كلمة منبوذة أو معيبة في السياسة الأمريكية، خاصة بين الناخبين الديمقراطيين الشباب، وأن المقولة الشهيرة لرئيس مجلس النواب الأسبق تيب أونيل بأن كل السياسة محلية لم تعد صحيحة بالكامل”.
ورأى تينين أن النتائج تعكس إعادة تموضع سياسي وتغيراً بين الأجيال أكثر من كونها تستند إلى أسس عرقية أو دينية، مشيراً إلى أن لاندر فاز في واحدة من أكبر الدوائر الانتخابية ذات الأغلبية اليهودية في نيويورك، على الرغم من انتقاداته الصريحة لأفعال إسرائيل في غزة.
تغير المشهد السياسي
وأكدت نتائج انتخابات يوم الثلاثاء تحول المواقف بين بعض الناخبين اليهود في نيويورك، والذين طالما اعتُبروا قاعدة انتخابية رئيسية في أحد أكثر المراكز السياسية نفوذاً والمؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة.
وتضم نيويورك ما يقدر بنحو 1.3 مليون يهودي، وهو أكبر تجمع لليهود خارج إسرائيل. ومع ذلك، فقد انتصرت كل من فالديز ولاندر في دوائر انتخابية تضم أعداداً كبيرة من الناخبين اليهود، على الرغم من انتقاداتهما الصريحة للحرب الإسرائيلية على غزة.
وقال سام ليفيتون، وهو شاب يبلغ من العمر 23 عاماً من سكان حي “هارلم” وتخرج حديثاً في تخصص الصحة العامة بجامعة كولومبيا، وكان قد أدلى بصوته لصالح شوفالييه: “إن الإبادة الجماعية هي القضية الأهم في عصرنا”.
وأضاف: “لقد عشت طيلة حياتي كيهودي في نيويورك، والدروس التي تعلمتها كيهودي من سكان نيويورك هي أن الجميع، بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو عقيدتهم أو لونهم، يستحقون حياة كريمة”.
وتابع قائلاً: “إن فكرة أن أموال الضرائب التي أدفعها تذهب لتدمير المنازل وإزهاق الأرواح في الخارج تتعارض تماماً مع كل ما تعلمته ونشأت عليه”.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تحولات أوسع نطاقاً؛ حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته “مجموعة ميلمان” في مارس/ آذار 2026 أنه على الرغم من استمرار معظم الناخبين اليهود في تعريف أنفسهم بأنهم ديمقراطيون، فإن الأغلبية عارضت الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران، ورأت أنه كان ينبغي على الرئيس الحصول على موافقة الكونغرس قبل تفويض القيام بعمل عسكري.
ووجد الاستطلاع أيضًا أن 39 في المائة فقط من المستطلعين ينظرون بإيجابية إلى منظمة “أيباك”، مما يشير إلى أن جماعة الضغط المؤثرة والمؤيدة لإسرائيل لم تعد تحظى بتأييد كاسح بين الناخبين اليهود.
“أيباك” تصبح محور مثير للجدل
وتحولت منظمة “أيباك” إلى بؤرة توتر طوال الحملات الانتخابية، حيث اتهم زهران ممداني المنظمة مراراً وتكراراً بإنفاق “ملايين الدولارات من أموال التبرعات مجهولة المصدر” لحماية الديمقراطيين المنتمين للمؤسسة السياسية.
وقد لاقت هذه القضية صدى واسعاً لدى المؤيدين ليلة الانتخابات؛ حيث ردد أنصار فالديز في حفل ترقب النتائج هتافات مناهضة لـ “أيباك” أثناء بث خطاب إقرار جولدمان بالهزيمة على شاشات التلفزيون.
واعترف جولدمان لاحقاً بأن الحرب على غزة لعبت “دوراً كبيراً ومؤثراً للغاية” في هزيمته.
وصرح مايكل كرانز، وهو مهندس برمجيات ويهودي أشكنازي من حي “بارك سلوب”، لموقع “ميدل إيست آي” قائلاً: “من الواضح أن منظمة أيباك تقف إلى جانب من بيده السلطة، وهي تستخدم المال والواجهات الصورية لصياغة نتائج الانتخابات، مما يحرم الناس من فرصة عادلة لانتخاب من يمثلهم تمثيلاً حقيقياً”.
وأشار كرانز إلى تصويت جولدمان مع “الجمهوريين اليمينين المتطرفين لتوجيه اللوم إلى المحكمة الجنائية الدولية” كأحد الأمثلة على هذا النفوذ.
وأضاف: “إن مجموعة ضغط تعمل لصالح حكومة أجنبية ليس لها مكان في صياغة السياسة في الدائرة الانتخابية العاشرة لنيويورك في الكونغرس”.
وبالنسبة للعديد من التقدميين الشباب، كانت الانتخابات التمهيدية تمثل ما هو أكثر من مجرد سلسلة من الانتصارات المحلية؛ حيث قدمت دليلاً على أن الحركة المناهضة للحرب، التي حشدت مئات الآلاف من الأشخاص من أجل غزة، بدأت تجد تعبيراً سياسياً مستداماً لها عبر صناديق الاقتراع.
وقال جو ويتكومب، وهو طالب قانون يبلغ من العمر 24 عاماً وأدلى بصوته لصالح فالديز، في إشارة إلى الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على الإرهاب: “طوال حياتي، كانت أمريكا بحاجة إلى حركة مناهضة للحرب”.
وأردف قائلاً: “يمكنك حشد الملايين في الشوارع، ومع ذلك لا يتغير شيء، لذا بدأنا في البحث عن سبل للقيام بتدخلات سياسية تؤدي إلى نتائج ملموسة”.
المصدر: ميدل إيست آي