• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

إقصاء الأونروا من غزة.. مجلس ترامب يكشف عن وجهه الحقيقي

عماد عنان٢ يوليو ٢٠٢٦

في الوقت الذي حذّر فيه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من الأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة، مؤكدًا أنها باتت على مشارف نقطة الانهيار بفعل النقص الحاد في التمويل والقيود الشاملة التي تفرضها إسرائيل على وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، خرج مجلس السلام في القطاع بإعلان صريح يقول فيه: “لا مكان للأونروا في غزة الجديدة”.

المجلس، الذي يُعد أحد هياكل إدارة المرحلة الانتقالية في غزة، وفق التصور الذي اعتمده البيت الأبيض في 16 يناير/كانون الثاني الماضي، نشر عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”، الأربعاء 1 يوليو/تموز الجاري، بيانًا أكد فيه أن مستقبل القطاع لن يتضمن دورًا لوكالة الأونروا، زاعمًا أنه يسعى إلى إنهاء ما وصفه بـ”الاعتماد المستمر على المساعدات”، ومضيفًا أن “سكان غزة يستحقون أكثر من ذلك”.

غير أن اللافت في هذا الإعلان لم يكن فقط مضمونه، بل السياق الذي قُدّم من خلاله؛ إذ أرفق المجلس منشوره بمقطع مصور يتضمن جانبًا من كلمة الممثل الأمريكي لدى الأمم المتحدة، جيف بارتوس، انتقد فيها دعم الأونروا، ودعا الدول إلى الاختيار بين “تمويل التحريض والإرهاب والجمود” أو “تمويل مجلس السلام”، وهو الخطاب الذي يتماهى مع السردية الإسرائيلية تجاه الوكالة، ما أثار الكثير من الجدل.

من هنا، لا يمكن قراءة هذا الإعلان باعتباره مجرد موقف إداري من وكالة أممية، أو خطوة تنظيمية ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، بل بوصفه جزءًا من سياق سياسي أوسع، يحاول من خلاله هذا الكيان الجديد، الذي دشّنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إعادة رسم ملامح ما يُسمّى بـ«غزة الجديدة» وفق مقاس سياسي وأمني محدد، مختزلة في بعدها الإنساني والأمني، لا في بعدها السياسي والقانون.. فكيف يكشف هذا الإعلان عن الوجه الأخر لمجلس السلام؟

استهداف قضية اللاجئين وإسقاط الحق التاريخي

يحمل هذا الإعلان قائمة طويلة من الدلالات التي تمس القضية الفلسطينية بوجه عام، وقضية اللاجئين بوجه خاص، فالأونروا لم تكن يومًا مجرد مؤسسة أممية ذات طابع إنساني، تقتصر مهمتها على توزيع المساعدات أو تقديم الخدمات الأساسية للفلسطينيين، بل ظلت، على مدار عقود، شاهدًا قانونيًا وتاريخيًا على قضية اللاجئين واستمرارها منذ عام 1948، وأحد أبرز المرتكزات التي يستند إليها الفلسطينيون في الدفاع عن حقوقهم أمام المجتمع الدولي.

ومن ثم، فإن إخراج الأونروا من قطاع غزة لا يعني فقط تغيير الجهة المسؤولة عن الإغاثة، أو استبدال مصدر مساعدات بآخر، بل يمثل محاولة لسحب أحد أهم الرموز الدولية التي أبقت قضية اللاجئين حاضرة في الوعي السياسي والقانوني الدولي، وتجريد هذه القضية من جذورها التاريخية ومن شاهدها الأممي الأبرز على مدى عقود طويلة.

وفي السياق ذاته، يحاول هذا الإعلان قلب الحقائق التاريخية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وتحويل مسارها بالكامل، فبدلًا من الاعتراف بأن جوهر الأزمة يكمن في الاحتلال، وغياب الحل السياسي العادل، والانتهاكات المتواصلة التي تمارسها القوات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، يجري نقل مركز الاتهام إلى الأونروا نفسها، ومساءلة الوكالة عن أزمة لم تصنعها، بل نشأت أصلًا بسبب استمرار الاحتلال وتداعياته.

ومن هنا، يتبنى مجلس السلام منطقًا يقوم على ما يمكن تسميته بـ«السلام الأمني»، أي السلام القائم على إعادة هندسة القطاع أمنيًا وإداريًا، لا «السلام الحقوقي» المستند إلى الحق التاريخي والقانوني للشعب الفلسطيني، وهو ما يكشف أن المسألة لا تتعلق بإعادة تنظيم العمل الإنساني في غزة، بقدر ما تتعلق بمحاولة إعادة تعريف القضية الفلسطينية ذاتها، ونزع بعدها السياسي والحقوقي لصالح مقاربة أمنية تخدم الرؤية الإسرائيلية.

غزة الجديدة.. تفتيت المفتت

يحمل استخدام مصطلح «غزة الجديدة»، الذي ورد في الرسالة التي نشرها المجلس عبر حسابه على منصة «إكس»، دلالة سياسية بالغة الخطورة، فالخطاب هنا لا يتعامل مع القطاع بوصفه جزءًا أصيلًا من فلسطين، ولا باعتباره امتدادًا جغرافيًا وسياسيًا للقضية الفلسطينية، بل يقدمه وكأنه كيان منفصل بذاته، يُعاد تصميمه وإدارته من خارج السياق الوطني الفلسطيني.

وتذهب هذه الدلالة في اتجاه تعميق الانقسام الفلسطيني، بل وتكريس ما يمكن وصفه بتقسيم المقسّم؛ إذ يصبح الحديث ممكنًا عن «غزة جديدة» وأخرى قديمة، وعن مناطق فلسطينية منفصلة ديموغرافيًا وأمنيًا وإداريًا، بما يعزز منطق التفتيت، ويحوّل الدولة الفلسطينية المنشودة إلى كانتونات معزولة، فاقدة للاتصال الجغرافي والسياسي، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة أرضه وقضيته.

وفي السياق ذاته، فإن اقتران استخدام هذا المصطلح بالإعلان عن إخراج الأونروا من القطاع يقلب الطاولة على فلسفة عمل الوكالة ذاتها، التي قامت في الأساس على التعامل مع شريحة واسعة من سكان غزة بوصفهم لاجئين فلسطينيين، لهم وضع قانوني وتاريخي وسياسي خاص، أما الخطاب الذي يتبناه المجلس، فيوحي بأن سكان غزة ليسوا سوى «سكان قطاع» يحتاجون إلى خدمات ومساعدات، ومن ثم يمكن استبدال الأونروا بأي منظمة أو كيان آخر دون أن يخل ذلك بجوهر القضية، وهذا في حد ذاته تضليل سياسي بالغ الخطورة؛ لأنه ينقل الغزيين من موقع أصحاب الحق في الأرض والعودة والتعويض، إلى موقع المستفيدين من خدمات إنسانية قابلة للإدارة والاستبدال.

التماهي مع الرؤية الإسرائيلية

يتطابق موقف مجلس السلام من وكالة الأونروا مع الرؤية الإسرائيلية إلى حد بعيد، بدءًا من توصيف الوكالة باعتبارها جهة مرتبطة بـ«التحريض والإرهاب والجمود»، وفق ما جاء في المقطع المصور الذي أرفقه المجلس بمنشوره للممثل الأمريكي لدى الأمم المتحدة، جيف بارتوس، وهو توصيف لا ينفصل عن السردية ذاتها التي دأبت دولة الاحتلال على ترويجها ضد الأونروا، حين حاولت تصوير الوكالة بوصفها داعمة للمقاومة أو حاضنة لبعض عناصرها.

ولا يقف هذا التطابق عند حدود الخطاب والمفردات، بل يمتد إلى الهدف السياسي ذاته؛ فكلا الطرفين، مجلس السلام وإسرائيل، يلتقيان عند مطلب واحد، إخراج الأونروا من قطاع غزة وتجميد دورها داخل القطاع، وهو هدف سعت تل أبيب إلى تحقيقه على مدى عقود طويلة، لكنها لم تتمكن من فرضه بصورة كاملة، ليأتي مجلس السلام اليوم وكأنه يؤدي بالوكالة عنها الدور الذي عجزت عن إنجازه منفردة.

ويبدو، في ضوء هذا التقاطع، أن هناك توافقًا ضمنيًا بين مجلس السلام والحكومة الإسرائيلية على تجريد القضية الفلسطينية من رموزها ومرتكزاتها الأساسية، وفي مقدمتها حق العودة للاجئين، ذلك الحق الذي ظلت الأونروا شاهده التاريخي والمؤسسي الأبرز منذ النكبة.

ومن ثم، فإن استهداف الوكالة لا يبدو منفصلًا عن محاولة أوسع لاستئصال هذا الشاهد من جذوره، في رهان على تفريغ قضية اللاجئين من ثوابتها القانونية والسياسية، وإعادة تقديمها كملف إنساني قابل للإدارة لا كحق تاريخي غير قابل للتصرف.

ليس وسيطا محايدًا.. الوجه الأخر للمجلس

منذ اليوم الأول لمباشرة عمله داخل قطاع غزة، لم يظهر مجلس السلام بوصفه وسيطًا محايدًا أو إطارًا انتقاليًا مستقلًا، فقد كشفت مجمل القرارات والإجراءات التي اتخذها أن حضوره لم يكن بدافع إنساني خالص، ولا بهدف أن يكون محطة مؤقتة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، أو مدخلًا لإعادة الإعمار وفرض الاستقرار والسلام كما يزعم، بل بدا أقرب إلى كيان ذي وظيفة سياسية محددة، تتقاطع في جوهرها، كما أسلفنا، مع الأجندة الإسرائيلية تجاه القطاع والقضية الفلسطينية.

فالقاعدة المنطقية تقول إن مجلس السلام، إذا كان يريد بالفعل أداء دور إنساني داخل غزة، كان عليه أن يبدأ من تثبيت المؤسسات الأممية القائمة بالفعل، وفي مقدمتها الأونروا، وتعزيز قدرتها على العمل، وتطوير أدائها من خلال الدعم السياسي والاقتصادي واللوجستي،  أما أن يطرح نفسه، وبصورة فوقية، كبديل يحدد من يبقى في القطاع ومن يخرج منه، ومن يملك حق تقديم المساعدة ومن يُستبعد منها، فذلك يعني أنه يتجاوز الدور المفترض الذي أُعلن عنه على أساسه، وينتقل من موقع الإدارة الانتقالية إلى موقع الوصاية السياسية.

إن هذا السلوك ينسجم مع المخاوف والتحذيرات التي رافقت تدشين المجلس منذ البداية، من أن يُمنح دورًا واسعًا في إدارة غزة، لا بوصفه أداة لإعادة الإعمار، بل باعتباره مهندسًا لواقع جديد داخل القطاع؛ واقع يُعاد تشكيله سياسيًا وأمنيًا وإداريًا وديموغرافيًا، بما يخدم الكيان الإسرائيلي ويكرّس مصالحه، على حساب القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.

ومن هنا، فإن خطورة مجلس السلام لا تكمن فقط في القرارات التي يصدرها، بل في طبيعة الدور الذي يسعى إلى ترسيخه، دور يتجاوز الإغاثة إلى إعادة هندسة غزة، ويتجاوز الاستقرار إلى فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، ويحوّل القطاع من جزء أصيل من القضية الفلسطينية إلى مساحة خاضعة لإدارة خارجية، تُرسم حدودها ووظائفها وفق منطق يخدم الاحتلال أكثر مما يخدم أصحاب الأرض.

رسالة إنذار مبكر.. هل سيعيها العرب؟

بات واضحًا أن مجلس السلام ليس كما جرى تصويره في البداية، كيانًا محايدًا أو إطارًا مسالمًا يسعى إلى فرض الاستقرار وإدارة المرحلة الحالية في قطاع غزة، فقد كشف مبكرًا عن وجهه الحقيقي، بوصفه أقرب إلى وكيل سياسي للكيان الإسرائيلي، يعمل، برعاية أمريكية، على خدمة مصالح تل أبيب، في لحظة يحتاج فيها الرئيس دونالد ترامب إلى دعم اللوبي الصهيوني.

وبصرف النظر عما إذا كان هذا الإعلان يعبر عن موقف حقيقي سيتم ترجمته لاحقًا إلى واقع فعلي، أم أنه مجرد ورقة ضغط سياسي وابتزاز تستهدف دفع الأونروا إلى الانصياع للرؤية الإسرائيلية، فإن المجلس استطاع أن يقدم أوراق اعتماده مبكرًا وبشكل رسمي، كاشفًا عن طبيعته الحقيقية بلا مواربة أو حساسيات أو حتى محاولة لتقديم مقاربات متوازنة.

ومن ثم، فإن الإصرار على التعامل مع هذا الكيان باعتباره وسيطًا محايدًا لا يعني سوى إعادة إنتاج المسارات ذاتها، والسير في الدروب نفسها التي قادت القضية الفلسطينية مرارًا إلى مزيد من التهميش والاستنزاف، فالنتيجة المتوقعة لمثل هذا المسار لن تكون سوى كارثة سياسية جديدة، تُدفع فيها القضية الفلسطينية إلى الهامش أكثر، ويُجرّد الفلسطينيون يومًا بعد آخر من حقوقهم التاريخية والقانونية تحت غطاء السلام وإعادة الإعمار.

وعليه، فإن التصدي لهذا المشروع بكل السبل الممكنة لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية وقومية، كما أشار المحلل الفلسطيني ياسر الزعاترة، الذي لفت إلى أن المسؤولية هنا لا تقع على الفلسطينيين وحدهم، بل تمتد إلى الدول الضامنة لخطة السلام الموقعة في شرم الشيخ، وإلى المجتمع العربي بأكمله؛ ذلك المجتمع الذي لم يعد خارج دائرة الاستهداف، في ظل مشروع إسرائيلي قائم على الإخضاع والتمدد وفرض وقائع جديدة بالقوة.

وبعد أن كشف مجلس السلام المزعوم عن وجهه الحقيقي، يمكن النظر إلى ملف الأونروا بوصفه اختبارًا سياسيًا بالغ الحساسية للقرار العربي؛ محاولة لجس النبض وقياس حدود رد الفعل، تمهيدًا لتحديد المسار الذي سيمضي فيه المجلس خلال المرحلة المقبلة، فإذا مرّ استهداف الأونروا دون موقف عربي وإقليمي ودولي حاسم، فإن ما سيليه سيكون أخطر، ليس فقط على مستقبل غزة، بل على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.. فهل آن الأوان لتحرك فعلي يضع حدًا لهذا العبث السياسي؟ أم سيواصل العرب والمجتمعان الإقليمي والدولي هوايتهم المفضلة في الاكتفاء ببيانات الشجب والإدانة من داخل المكاتب المكيفة ومن فوق مقاعد المتفرجين، بينما تُعاد هندسة غزة والقضية الفلسطينية بأيادي صهيونية خالصة؟

علاماتالأونروا ، الحرب على غزة ، الحرب في غزة ، قطاع غزة ، واشنطن تحارب الأونروا
مواضيعإعمار غزة ، الأونروا ، الحرب على غزة ، القضية الفلسطينية ، حصار غزة

قد يعجبك ايضا

سياسة

غزة تتحول إلى قضية فاصلة لناخبي “جيل زد” في تمهيديات الديمقراطيين بنيويورك

ميدل إيست آي٢ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

الممرات والمعادن والإيكوسايد.. الرؤوس المتعددة للحرب في القرن الـ21

محمد عادل٢ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

بعد الثلث الرئاسي.. كيف تبدو تركيبة البرلمان السوري الجديد؟ 

حسن إبراهيم١ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑