تكشف قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026 حجم الموقع الذي تحتله تركيا داخل الحلف، كقوة أطلسية تقف عند مفاصل جغرافية وعسكرية حساسة.
فمنذ انضمامها عام 1952، منحت تركيا الناتو امتدادًا مباشرًا نحو البحر الأسود والمتوسط والشرق الأوسط، ثم ازدادت أهميتها مع حرب أوكرانيا وتحوّل البحر الأسود إلى ساحة أمن أوروبي مفتوحة.
عند هذه النقطة، تظهر أنقرة كحليف مركزي يصعب تجاوزه في حسابات الردع والتموضع كونها تمسك بمضيقي البوسفور والدردنيل وتطل على ساحة المواجهة البحرية مع روسيا وتقف على حدود سوريا والعراق وإيران، وتربط الجناح الجنوبي للحلف بأزمات لا تستطيع أوروبا إبقاءها خارج أمنها.
تتحول هذه الجغرافيا إلى نفوذ عملي عبر أدوات واضحة، فتركيا فعّلت اتفاقية مونترو بعد الحرب الروسية الأوكرانية بما قيّد عبور السفن الحربية المرتبطة بالحرب، واستضافت على أراضيها بنى أطلسية أساسية، في وقت تعد فيه ثاني أكبر قوة بشرية في الحلف بعد الولايات المتحدة.
بهذه المعادلة، تستمد تركيا وزنها من اجتماع الموقع والجيش والصناعة وحق الإجماع داخل حلف يحتاجها من البحر الأسود إلى الشرق الأوسط، حتى وهو يدير معها ملفات خلافية في بعض مناطق الإقليم.
جغرافيا حاكمة تخنق خصوم الناتو وتضبط المتوسط
تعود القيمة الأولى لتركيا داخل الناتو إلى موقعها، إذ إن انضمامها للحلف مع اليونان، وسّع حضور الناتو إلى المتوسط والبحر الأسود عبر الجناح الجنوبي الشرقي.
خلال الحرب الباردة، كانت تركيا دولة مواجهة في خاصرة الاتحاد السوفيتي الجنوبية، وبعدها انتقلت أهمية الموقع إلى ملفات البلقان والعراق وسوريا والإرهاب والطاقة والبحر الأسود.
من هذه الزاوية، لم يتراجع الدور الجغرافي التركي بعد نهاية الحرب الباردة بل تغيرت ساحاته وتعددت اتجاهاته، وصارت أنقرة تقف في نقطة تجمع البحر الأسود وشرق المتوسط والبلقان والقوقاز والمشرق.
وفي البحر الأسود، يرتبط وزن تركيا باتفاقية مونترو لعام 1936، التي تنظم مرور السفن عبر مضيقي البوسفور والدردنيل. وتتمتع السفن التجارية بحرية المرور، بينما يخضع مرور نظيرتها الحربية لقواعد خاصة تختلف بين الدول المطلة على البحر الأسود والدول القادمة من خارجه.
بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، فعّلت أنقرة أحكام الاتفاقية بما يقيّد عبور السفن الحربية المرتبطة بالحرب، فتحولت المضائق إلى أداة عملية في إدارة الوجود البحري الروسي والغربي في البحر الأسود ليصبح هذا الأخير جزءًا من خط الردع الأطلسي.
يصف الناتو تعزيز جناحه الشرقي بأنه يمتد من القطب الشمالي إلى البحر الأسود، وهو ما يضع الجناح الجنوبي الشرقي في قلب الحسابات الدفاعية للحلف بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014 ثم الغزو الواسع لأوكرانيا عام 2022.
وتعد تركيا واحدة من ثلاث دول أطلسية مطلة على البحر الأسود إلى جانب رومانيا وبلغاريا لكنها الدولة التي تتحكم بالمضائق، وهي معادلة تمنح أنقرة وزنًا بحريًا خاصًا داخل الحلف، لأنها تربط بين الردع في هذا البحر والقدرة على ضبط الطريق البحري نحو المتوسط.

في شرق المتوسط وبحر إيجة، تظهر تركيا كجزء من أمن الجناح الجنوبي للحلف، وكطرف في واحد من أكثر الخلافات حساسية بين عضوين أطلسيين.
وبحريًا أيضًا، ينفذ الناتو عملية سي غارديان في المتوسط التي تشمل الوعي البحري ومكافحة الإرهاب وبناء القدرات، وينفذ أيضًا نشاطًا في بحر إيجة مرتبطًا بالهجرة والتهريب بالتنسيق مع السواحل التركية واليونانية.
وفي عام 2020، أنشأ الحلف آلية عسكرية لفك الاشتباك بين تركيا واليونان، في اعتراف مؤسسي بأن التوتر بين أنقرة وأثينا يحتاج إدارة أطلسية دائمة. لذلك يدخل شرق المتوسط في وزن تركيا داخل الناتو من بابين متداخلين، باب الموقع البحري وباب إدارة الخلافات داخل الجناح الجنوبي.
جنوبًا وشرقًا، تعيش تركيا ملفات الجناح الجنوبي على حدودها اليومية، إذ يربط الناتو بين أمنه وبين الإرهاب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط وإفريقيا، ويذكّر بإجراءات دفاعية اتخذها سابقًا لصالح تركيا خلال أزمات العراق.
هذا يفسر جانبًا من اختلاف أولويات أنقرة عن عدد من العواصم الأوروبية، فتركيا تضع سوريا والعراق والإرهاب والهجرة والفراغات الأمنية ضمن أمنها المباشر، بينما تركز أوروبا أكثر على روسيا بعد حرب أوكرانيا.
وخلق هذا الاختلاف احتكاكات كثيرة في الحلف، لكنه جعل تركيا أيضًا الدولة الأطلسية التي تترجم أزمات الشرق الأوسط إلى نقاشات أمنية داخل الناتو.
وتسند هذه الخريطة بنية أطلسية قائمة على الأرض التركية، ففي إزمير تقع قيادة القوات البرية للحلف التي أنشئت عام 2012 وتتخذ من تركيا مقرًا لها.
وفي كورجيك بولاية ملاطية، يوجد رادار إنذار مبكر أمريكي ضمن منظومة الدفاع الصاروخي الباليستي للحلف، يرتبط ببنية الإنذار المبكر الأطلسية.
كما تعد قاعدة إنجرليك الجوية، موقعًا أماميًا مهمًا في المنطقة الجنوبية للناتو لحماية المصالح الأطلسية وإسناد القوات والشركاء. كما تحتضن أنقرة مركز التميز للدفاع ضد الإرهاب.
منذ عام 2016 تقريبًا، دخلت علاقة تركيا بالناتو مرحلة أكثر تعقيدًا بفعل شراء منظومة إس 400 الروسية، والخروج من برنامج إف 35، والخلاف مع واشنطن حول سوريا، ثم استخدام آلية الإجماع في ملف انضمام فنلندا والسويد.
لكن هذه التعقيدات لم تمس أساس العلاقة القائم منذ 1952، حيث تحتاج تركيا المظلة الأطلسية ومكانها داخل بنية الأمن الغربي، ويحتاج الحلف موقعها في البحر الأسود والشرق الأوسط والمتوسط.
ولذلك تحمل قمة أنقرة 2026 رمزية خاصة، فهي ثاني قمة أطلسية تستضيفها تركيا بعد إسطنبول عام 2004، وتأتي في وقت صار فيه موقعها الجغرافي أكثر حضورًا بسبب حرب أوكرانيا وتوترات الشرق الأوسط.
قوة خشنة تجعل تركيا ثاني أثقل وزن في الحلف
تملك تركيا داخل الناتو كتلة عسكرية يصعب تجاهلها، فوفق بيانات الناتو الرسمية لعام 2025، يبلغ عدد القوات العسكرية التركية 494.5 ألف عنصر، ما يجعلها ثاني أكبر قوة بشرية عسكرية بين أعضاء الحلف بعد الولايات المتحدة.
وتقدر البيانات نفسها إنفاق أنقرة الدفاعي لعام 2025 بنحو 22.181 مليار دولار، وبنسبة 2.33% من الناتج المحلي الإجمالي وفق منهجية الناتو، مع تخصيص 31.20% من الإنفاق لفئة المعدات.
وتمنح هذه الأرقام أنقرة حضورًا في معيارين يضغط الناتو على أعضائه لرفعهما منذ حرب أوكرانيا، وهما حجم الإنفاق وحصة المعدات من الميزانيات الدفاعية.
ويقدم معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI، المتخصص في الإنفاق العسكري ونقل السلاح، قراءة أخرى لصعود الإنفاق التركي.
في تقرير الإنفاق العسكري العالمي لعام 2025، قدّر المعهد النفقات العسكرية التركية بنحو 30 مليار دولار، بزيادة 7.2% عن عام 2024 وبزيادة 94% عن عام 2016.
وأشار التقرير إلى أن جزءًا مهمًا من هذا الارتفاع مرتبط بالاستثمار في الصناعة الدفاعية المحلية، وأن مخصصات الصندوق الخاص الداعم للصناعة الدفاعية شكلت 22% من إجمالي الإنفاق العسكري التركي عام 2025.
وتوزع أنقرة قوتها بين البر والبحر والجو، فبريًا، يمنحها حجم القوات وحدودها الطويلة خبرة متراكمة في عمليات عسكرية تقليدية وغير تقليدية. وبحريًا، تجعلها المضائق والبحر الأسود وشرق المتوسط طرفًا حاضرًا في الملاحة والردع البحري وإدارة مخاطر الألغام.
جويًا، تعتمد القوات الجوية التركية على مقاتلات إف 16 الأمريكية كعمود فقري مع مسار تحديث أمريكي وتطويرات محلية، في ظل بقاء فجوة المقاتلة المتقدمة واحدة من آثار خروج أنقرة من برنامج إف 35 بعد أزمة منظومة إس 400 الروسية.
وتضع هذه الصورة تركيا في موقع قوة عسكرية كبيرة داخل الحلف، لكنها تكشف أيضًا استمرار الاعتماد على قنوات تسليح وتكنولوجيا غربية في المجال الجوي.
وتشارك تركيا في البنى العملياتية للناتو خارج حدودها أيضًا، إذ يشير الحلف إلى أن قائد قوة كوسوفو KFOR منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 تركي، مع مساهمة تركية ملموسة في قوات وبعثات الناتو، خصوصًا في كوسوفو.
كما انتقلت عام 2025 قيادة أركان جوية أطلسية إلى العنصر التركي ضمن هيكل قوة الرد الفعل المتحالفة، وهو حضور يمنح أنقرة دورًا في عمليات الحلف في البلقان وفي هياكل الجاهزية الجوية، ويجعل مساهمتها العسكرية أوسع من الدفاع عن الأراضي التركية أو استضافة القواعد.
وأصبحت الصناعة الدفاعية التركية عنصرًا أساسيًا في وزن أنقرة، فقد بلغت صادرات الدفاع والطيران عام 2025 نحو 10.05 مليارات دولار، فيما وصل رقم أعمال القطاع إلى 20 مليار دولار، مع أكثر من 3500 شركة وأكثر من 100 ألف موظف، وفق رئاسة الصناعات الدفاعية التركية SSB.

وفي سياق أطلسي يضغط باتجاه زيادة الإنتاج والذخائر بعد حرب أوكرانيا، تعطي هذه الأرقام تركيا قدرة على تقديم نفسها كدولة منتجة، لا كمستهلك تقليدي للسلاح الغربي فقط.
ويؤكد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام هذا التحول، ففي تقرير أكبر 100 شركة أسلحة وخدمات عسكرية في العالم لعام 2024، دخلت خمس شركات تركية إلى القائمة بإيرادات أسلحة مجمعة بلغت 10.1 مليارات دولار.
وفي اتجاه صادرات السلاح، أصبحت تركيا خلال الفترة 2020 – 2024 في المرتبة الحادية عشرة عالميًا بين مصدري السلاح، بحصة 1.7% من الصادرات العالمية، مع ارتفاع صادراتها 103% مقارنة بالفترة 2015 – 2019.
وتضع هذه الأرقام تركيا في موقع مصدر صاعد للسلاح، وتفسر لماذا يتعامل الناتو مع صناعتها الدفاعية كجزء من قدرته الأوسع على الإمداد، خصوصًا في الذخائر والمسيرات والأنظمة البرية والبحرية والإلكترونية.
وتتسع المنتجات التركية عبر مجالات متعددة، ففي الطائرات غير المأهولة، تؤكد رئاسة الصناعات الدفاعية أن مشاريع الطائرات المسيرة التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية سلّمت وتستخدم ميدانيًا.
وفي المجال الجوي المتقدم، تقدم أنقرة مشروع المقاتلة الوطنية قآن KAAN لتلبية احتياجات قواتها الجوية مستقبلًا، إلى جانب طائرة التدريب والهجوم الخفيف هورجيت HÜRJET.
وفي المجال البحري، تعرض تركيا برنامج السفن الوطنية ميلغم MİLGEM، المخصص لبناء قطع بحرية محلية تشمل طرادات وفرقاطات، بينها فرقاطات فئة إسطنبول Istanbul-class، إلى جانب مشاريع الغواصات الجديدة وسفينة الهجوم البرمائي متعددة الأغراض.
أما في البر والدفاع الجوي والإلكترونيات، فتبرز دبابة ألتاي ALTAY والمدرعات المدولبة والمركبات البرمائية وغير المأهولة ومنظومة سيبر SİPER للدفاع الجوي بعيد المدى ومنظومة الحرب الإلكترونية كورال 2 KORAL-2 ورادارات الإنذار المبكر وأنظمة الاتصالات والاستشعار.
في 22 أبريل/نيسان 2026، قال الأمين العام للناتو مارك روته خلال خطاب في قاعدة تكنولوجيا شركة أسيلسان ASELSAN المتخصصة في الإلكترونيات الدفاعية، إن ما حدث في الصناعة الدفاعية التركية يمثل “ثورة”، ووصف تركيا بأنها حليف ذو قيمة عالية جدًا.
ومع هذا الصعود، تبقى في القوة التركية ثغرات مؤثرة، فالدفاع الجوي بعيد المدى المتكامل ما زال قيد البناء عبر سيبر ومنظومة “القبة الفولاذية”، مع بقاء منظومات باتريوت الأمريكية وسامب تي SAMP/T الفرنسية الإيطالية ضمن خيارات التعاون.
ولا يزال سلاح الجو التركي يعيش آثار أزمة إس 400 والخروج من إف 35، بينما عادت مسارات إف 16 ويوروفايتر إلى الواجهة. كما تبقى المحركات وبعض المكونات الحساسة نقطة اعتماد على الغرب.
لذلك يظهر الثقل العسكري التركي داخل الناتو كقوة كبيرة وصاعدة، لكنها مرتبطة بشبكة تعاون واعتماد متبادل في الجو والدفاع الجوي والتكنولوجيا الدقيقة.
أوراق القوة والنفوذ التركي داخل الناتو
يتحول الوزن التركي إلى نفوذ سياسي عبر آلية الإجماع في الناتو، إذ تصدر قرارات الحلف الكبرى بعد التشاور والتوافق بين الدول الأعضاء. وتمنح هذه القاعدة كل عضو قدرة مؤسسية على التأثير، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بدولة بحجم تركيا وموقعها.
فملفات التوسع والردع والتسليح لا تمر داخل الحلف بدون موافقة أنقرة أو أي عضو آخر، وقد ظهر ذلك بوضوح بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، حين تقدمت فنلندا والسويد بطلب الانضمام إلى الناتو، وربطت تركيا موافقتها بمعالجة مخاوفها الأمنية المرتبطة بالإرهاب والتعاون القضائي والسياسي.
في قمة مدريد عام 2022، وقع أمين عام الناتو مع تركيا وفنلندا والسويد مذكرة ثلاثية لمعالجة ما وصفه الحلف بـ”المخاوف الأمنية المشروعة لأنقرة”. انضمت هلسنكي في أبريل/نيسان 2023، بينما تأخر مسار ستوكهولم حتى عام 2024 بعد مفاوضات طويلة.
كان حزب العمال الكردستاني PKK، الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تنظيمًا إرهابيًا، في قلب المطالب التركية، فتحول ملف التوسعة إلى مثال مباشر على قدرة أنقرة على نقل ملف أمنها الداخلي والحدودي إلى طاولة القرار الأطلسي.
من هنا جاء ملف سوريا امتدادًا طبيعيًا لاختبار مكافحة الإرهاب داخل الحلف. فأنقرة تعتبر أن أمن حدودها الجنوبية مرتبط بنشاط حزب العمال الكردستاني وامتداداته السورية، بينما يضع الناتو الإرهاب ضمن التهديدات المباشرة لأمن دوله.
وازدادت حساسية الملف لأن الولايات المتحدة وحلفاء غربيين تعاونوا خلال الحرب على تنظيم الدولة مع مليشيات سوريا الديمقراطية، التي تنظر إليها أنقرة بوصفها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني.

لذلك ظهر الخلاف السوري داخل الناتو وقتها كاختبار لقدرة الحلفاء على التعامل مع تصور تركيا للتهديد في جناح الحلف الجنوبي، خصوصًا عندما استخدمت أنقرة موقعها داخل الإجماع لطلب تعهدات أوضح في مكافحة التنظيمات التي تصنفها إرهابية.
ويظهر اختبار آخر في أوكرانيا وروسيا والبحر الأسود، فقد دعمت أنقرة كييف عسكريًا وسياسيًا في جوانب، واستضافت جهود وساطة، وأبقت خطوطها مفتوحة مع موسكو، وامتنعت عن الانضمام إلى عقوبات الاتحاد الأوروبي على الكرملين.
وعلى الأرض، أدى إغلاق المضائق أمام السفن الحربية المرتبطة بالحرب، وتشكيل مجموعة إزالة الألغام في البحر الأسود مع رومانيا وبلغاريا، إلى تحويل الجغرافيا التركية إلى أداة نفوذ عملية.
وتمنح هذه السياسة الحلف موقعًا حاسمًا في البحر الأسود، بينما تعطي أنقرة مساحة حركة أوسع من معظم الحلفاء الأوروبيين في التعامل مع روسيا.
في شرق المتوسط واليونان، يبرز اختبار داخلي بين حليفين أطلسيين، إذ يدور التوتر بين أنقرة وأثينا حول الحدود البحرية والحقوق في بحر إيجة وشرق المتوسط، بما يحمله ذلك من تبعات على الموارد والطيران والنشاط العسكري.
ولأن الطرفين عضوان في الناتو، يتحول الخلاف إلى مسألة مؤسسية تمس أمن الجناح الجنوبي. وقد ظل الحلف منصة لإدارة التوتر عبر آلية فك الاشتباك عام 2020 ونشاطه في بحر إيجة.
بهذا المعنى، يقع شرق المتوسط داخل واحدة من أكثر ساحات الناتو حساسية بسبب اجتماع البحر والطاقة والخلافات العسكرية بين عضوين في الحلف.
أما ملف التسليح، فيكشف جانبًا حساسًا من علاقة تركيا بالغرب، إذ قالت وزارة الدفاع الأمريكية عام 2019 إن بقاء تركيا في برنامج إف 35 غير ممكن مع إدخال منظومة إس 400 الروسية، ثم خرجت أنقرة من البرنامج.
لاحقًا عاد التعاون العسكري عبر مسارات أخرى، أبرزها صفقة إف 16 التي أدرجتها وزارة الخارجية الأمريكية ضمن أمثلة مبيعات السنة المالية 2024 بقيمة 23 مليار دولار، وصفقات الذخائر الجوية عام 2025، ثم إخطار الكونغرس عام 2026 بشأن محركات برنامج قآن.
ويكشف هذا المسار أن التوتر في التسليح لم يوقف الاعتماد المتبادل، لأن حاجات تركيا الجوية والدفاعية، وحاجة الغرب إلى إبقاء أنقرة داخل الشبكة الأطلسية، تفتح قنوات تعاون جديدة كلما تعقدت قنوات أخرى.
قبل قمة أنقرة بأيام، ظهر الخطاب التركي بوضوح أكبر حول مكان البلاد في الأمن الأوروبي، ففي 29 يونيو/حزيران 2026، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى التركيز على وحدة الحلف ومرونته، وطلب رفع قيود التجارة الدفاعية مع تركيا وإشراكها بعمق أكبر في أمن أوروبا.
وفي اليوم التالي، قال وزير الدفاع التركي يشار غولر إن الناتو يتكيف مع المشهد الأمني الجديد، وشدد على بقاء الولايات المتحدة داخل الحلف وزيادة الإنفاق والتصنيع.
وتأتي هذه التصريحات في لحظة صارت فيها الصناعة الدفاعية جزءًا من مركز النقاش الأطلسي، إذ تريد أنقرة تحويل موقعها وجيشها ومصانعها إلى مكان أكبر داخل ترتيبات الأمن الأوروبي.
وتكشف هذه الملفات طبيعة الوزن التركي داخل الناتو، فالتوسع الأطلسي ومكافحة الإرهاب والبحر الأسود وشرق المتوسط والتسليح ومبادرات الأمن الأوروبي، كلها تمر عبر مصالح تركية مباشرة.
لذلك لا يظهر نفوذ أنقرة من حجمها العسكري وحده، بل من موقعها عند تقاطع قرارات تتطلب موافقتها وتحتاج في الوقت نفسه قدراتها الجغرافية والعسكرية والصناعية.