• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

نفوذ العائلة يهز قصر قرطاج.. اتهامات بالابتزاز والتهديد واستغلال مؤسسات الدولة

عماد عنان١٢ يوليو ٢٠٢٦

كشفت شبكة رجال الأعمال التونسيين بالخارج ( منظمة مستقلة)، عن تعرض عدد من المستثمرين التونسيين المقيمين في الخارج لضغوط وعمليات ابتزاز مالي، مشيرة إلى اسمين بارزين هما نوفل سعيّد، شقيق الرئيس التونسي قيس سعيّد، وعاتكة شبيل، شقيقة زوجة الرئيس، متهمة إياهما باستغلال النفوذ والصفة المهنية، وتوظيف بعض مؤسسات الدولة في استهداف رجال الأعمال التونسيين والضغط عليهم.

وحذرت الشبكة في بيان لها من خطورة هذا المسار، معلنة تكليف فريق قانوني بإعداد ورفع شكاوى أمام جهات قضائية أوروبية بشأن تلك الضغوط، إلى جانب مخاطبة المفوضية الأوروبية وعدد من المؤسسات الدولية المعنية بمكافحة الفساد وحماية الاستثمار، في خطوة قد تكون الأولى من نوعها ضمن هذا المسار في المشهد التونسي.

ويستمد هذا البيان خطورته من حساسية الشخصيات الواردة فيه، باعتبارهما من الدائرة العائلية الأقرب إلى الرئيس، وهو ما يعيد إلى الواجهة مجددًا ملف نفوذ العائلة الحاكمة في تونس، ذلك الملف الذي ارتبط في الذاكرة السياسية التونسية بعهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، حيث هيمنة شبكات القرابة والمصاهرة على مقدرات الدولة، وتوظيف النفوذ العام لتحقيق أكبر قدر من المصالح الشخصية على حساب المصلحة الوطنية.

من الفساد الفردي إلى المؤسسي

بحسب ما ورد في بيان الشبكة، لم يقتصر الابتزاز الذي تعرّض له المستثمرون التونسيون في الخارج على طلب الأموال بصورة مباشرة، بل تجاوز ذلك إلى استخدام خطاب تهديد ووعيد، مفاده أن رفض الاستجابة لتلك المطالب قد يعرّضهم لملاحقات قضائية وأمنية داخل تونس.

مسودة من بيان شبكة رجال الأعمال التونسيين بالخارج.

كما استعرضت الشبكة أبرز المسارات التي يُحتمل اللجوء إليها ضد رجال الأعمال الرافضين للخضوع لهذا الابتزاز المالي، وفي مقدمتها فتح ملفات قضائية بحقهم، وإدراج أسمائهم في قضايا فساد أو غسل أموال، والتضييق عليهم عند دخول الأراضي التونسية أو مغادرتها، فضلًا عن استهداف ممتلكاتهم ومصالحهم الاقتصادية، وتوظيف مؤسسات الرقابة ومكافحة الفساد أداةً للضغط عليهم وإجبارهم على الاستجابة.

وبهذا المعنى، لا يعود الاتهام محصورًا في نطاق الفساد الشخصي أو الفردي، القائم على استغلال شخص لنفوذه في الضغط على آخر، بل يتجاوز ذلك إلى مستوى أكثر خطورة يتمثل في الفساد المؤسسي، القائم على توظيف أجهزة الدولة التنفيذية والقضائية والأمنية لخدمة عمليات الابتزاز والضغط، وتحويل مؤسسات يفترض أن تحمي القانون والمصلحة العامة إلى أدوات لتحقيق مصالح خاصة.

شبح العائلة الحاكمة

أضفت الأسماء التي أوردها البيان، وتحديدًا شقيق الرئيس وشقيقة زوجته، قدرًا أكبر من الحساسية السياسية على مضمونه، لا سيما أن كليهما كان له حضور بارز في الحملة الانتخابية للرئيس قيس سعيّد، بما يجعلهما جزءًا من الدائرة العائلية والسياسية القريبة من مركز الحكم، ويعيد مجددًا طرح التساؤلات بشأن حدود حضور أفراد العائلة وتأثيرهم في المجال السياسي المحيط بقصر قرطاج.

نوفل سعيّد وقيس سعيّد في تونس، يوم الانتخابات الرئاسية التونسية، 15 سبتمبر/أيلول 2019. © هسنة / وكالة الصحافة الفرنسية (AFP)

ولم تكن اللغة التي استخدمها البيان عفوية أو منفصلة عن السياق السياسي التونسي؛ فاختيار تعبيرات من قبيل “الابتزاز العائلي” و”النفوذ المقرّب من قصر قرطاج” يبدو محاولة مقصودة لاستدعاء الذاكرة الجماعية المرتبطة بعهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وأصهاره، وبصفة خاصة نموذج عائلة الطرابلسي، التي ارتبط اسمها في الوعي التونسي باحتكار النفوذ والصفقات والامتيازات، وتوظيف القرب من السلطة لتحقيق مصالح خاصة.

ومن هذا المنطلق، يدفع البيان باتجاه دلالة سياسية أكثر خطورة، عبر التحذير من احتمال انتقال تونس، من دولة تقوم على المؤسسات والقانون والدستور، كما تؤكد السلطة بين الحين والأخر، إلى دولة تحكمها شبكات العائلة والنفوذ والسيطرة على مقدرات الدولة، وهو سيناريو يستحضر أحد أكثر الكوابيس حضورًا في الذاكرة السياسية التونسية، بالنظر إلى ما خلّفته تجربة الحكم العائلي السابقة من آثار عميقة على الدولة والاقتصاد والمجتمع.

القضاء التونسي.. أزمة ثقة

كشف البيان عن أزمة ثقة عميقة في القضاء التونسي؛ إذ إن إعلان اللجوء إلى القضاء الأوروبي والدولي لتقديم شكاوى بشأن ما وصفه بعمليات الابتزاز والضغوط الممنهجة التي يتعرض لها رجال أعمال تونسيون على أيدي شخصيات من عائلة الرئيس، لا يبدو خيارًا اعتباطيًا، بل يحمل في طياته جملة من الدلالات السياسية والقضائية شديدة الحساسية.

ومن المفترض أن تُعرض مثل هذه الاتهامات، في الأصل، أمام المحاكم التونسية للفصل فيها، باعتبار أن أطرافها تونسيون وأن الوقائع المزعومة ترتبط بمؤسسات داخل الدولة، خصوصًا أن الشبكة تؤكد امتلاكها أدلة ووثائق تدعم روايتها، غير أن اختيار نقل الملف إلى القضاء الأوروبي يعكس، وفقًا لما يوحي به البيان، شكوكًا عميقة في قدرة القضاء المحلي على التحقيق باستقلالية، ورد الحقوق إلى أصحابها، ومحاسبة المتورطين، لا سيما إذا كانوا ينتمون إلى الدوائر المقربة من مركز السلطة.

قيس سعيّد يدلي بصوته في حيّ النصر الشعبي، برفقة زوجته؛ وقد فاز في الانتخابات بنسبة 90.96% من الأصوات. © سيفيرين ساجوس

ويواجه القضاء التونسي في عهد الرئيس قيس سعيّد انتقادات واتهامات متزايدة بالتسييس وتراجع الاستقلالية والنزاهة، في ظل الأحكام القاسية الصادرة بحق عدد من المعارضين والرموز السياسية والفكرية، وما رافق ذلك من اتهامات بتوظيف الملاحقات القضائية في إدارة الصراع السياسي، وقد أسهم هذا المناخ في اتساع فجوة الثقة بين قطاعات من التونسيين والمنظومة القضائية، ورسّخ الاعتقاد لدى بعض الأطراف بأن اللجوء إلى الخارج قد يكون أكثر قدرة على ضمان التحقيق المحايد، خصوصًا حين تتعلق الاتهامات بشخصيات قريبة من دوائر الحكم.

ضرب الخطاب السياسي للسلطة

تبنّى قيس سعيّد، منذ توليه السلطة في أكتوبر/تشرين الأول 2019، خطابًا عامًا اعتبره كثيرون الركيزة الأساسية التي قامت عليها شرعيته السياسية، مستندًا إلى مسارات متوازية، بدأت بالدعوة إلى تطهير مؤسسات الدولة، وملاحقة الفاسدين سياسيًا واقتصاديًا، واستعادة أموال الشعب، وانتهت بالتعهد بالقضاء على شبكات العائلات النافذة التي هيمنت على مقدرات الدولة، في محاولة لتفكيك المنظومات القديمة التي كانت أحد أبرز أسباب اندلاع ثورة عام 2011، والتي مهّدت بدورها الطريق لصعوده شخصيًا إلى سدة الحكم.

ومن هنا، يأتي بيان شبكة رجال الأعمال التونسيين بالخارج ليصطدم بهذا الخطاب في جوهره، ويقلب صورته رأسًا على عقب؛ إذ ينقل السلطة من موقع من يفترض أنه يحمل سيف مكافحة الفساد في مواجهة رجال الأعمال وشبكات المصالح، إلى موقع المتهم الجالس في قفص الاتهام، ووفقًا لما يطرحه البيان، فإن بعض الدوائر القريبة من الحكم لم تعد جزءًا من منظومة الحماية من الابتزاز، بل تحولت إلى ترس داخل ماكينة الفساد، لتصبح السلطة ذاتها، بدلًا من حماية المستثمرين، أداةً لممارسة ضغط وابتزاز ممنهج ضدهم.

ويمثل هذا الطرح ضربة مباشرة إلى جوهر الخطاب الأخلاقي الذي بنت عليه السلطة مشروعها السياسي، ويضعها أمام مأزق بالغ الحساسية على المستويين الشعبي والسياسي، فإذا ثبتت هذه الاتهامات، فإنها لا تكتفي بتقويض صورة النظام بوصفه خصمًا للفساد، بل تثير تساؤلات أعمق بشأن شرعيته وقدرته على الاستمرار، وتحول شعار النزاهة الذي رفعه منذ البداية من عنوان لمواجهة الفساد إلى ستار محتمل لإعادة إنتاجه في صورة جديدة.

رسالة خوف وتحذير

في المحصلة يمثل هذا البيان رسالة تحذير شديدة الوضوح لكل من يفكر في الاستثمار داخل تونس؛ فالشبكة تتحدث باسم رجال أعمال ومستثمرين تونسيين مقيمين في الخارج، وهو ما قد يدفع رؤوس الأموال الأجنبية إلى إعادة تقييم مخاطر الدخول إلى السوق التونسية، فإذا صح ما ورد من ادعاءات بشأن تعرض المستثمرين للضغط والابتزاز، فإن ذلك يرسم صورة لبيئة استثمارية طاردة، تفتقر إلى الضمانات القانونية والأمن الاقتصادي، بما قد يفاقم أزمات الاقتصاد التونسي ويضعف قدرته على جذب التمويلات والاستثمارات التي يحتاج إليها.

مسودة من بيان شبكة رجال الأعمال التونسيين بالخارج.

وفي سياق متصل، يكشف البيان عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة بنية الحكم في تونس، في ظل اتهامات بتغول السلطة الفردية واتساع دوائر النفوذ العائلي المحيطة بمركز القرار، فكلما تركزت السلطات في يد الرئيس، أو في نطاق أسرته والمقربين منه، تراجعت قدرة المؤسسات على أداء وظائفها باستقلال، وتعرضت دولة القانون والعدالة للاهتزاز، بما يضرب بنية الدولة ذاتها ويقوض استقرار مسارها السياسي والاقتصادي، ويفتح الباب أمام تداعيات أكثر خطورة في المستقبل.

ورغم الشعارات التي يرفعها نظام سعيّد بشأن النزاهة والعدالة ومحاربة الفساد، فإن هذه الشعارات لا تكفي وحدها لبناء الثقة أو نفي الشبهات، فالدولة القوية لا تكتفي بإعلان نزاهتها، بل تثبتها من خلال الشفافية، وإقرارات المصالح والذمم المالية، والتحقيقات المستقلة، ونشر القرارات وأسبابها، وضمان خضوع جميع المسؤولين للمساءلة بلا استثناء.

ومن ثم، فإن مواجهة هذه الاتهامات، إذا ما كانت هناك رغبة حقيقية في ذلك-  لا تكون بالصمت أو الإنكار السياسي، بل بفتح تحقيقات نزيهة وعلنية، وتقديم الحقائق للرأي العام، وتطهير مؤسسات الدولة من أي شبهات فساد أو تضارب مصالح، بما في ذلك المؤسسة الرئاسية نفسها والدوائر القريبة منها.

مواضيعالأزمة التونسية ، الاقتصاد التونسي ، الشأن التونسي

قد يعجبك ايضا

سياسة

نتنياهو يضخم التهديد التركي لخدمة معركته الانتخابية

أزرئيل بيرمانت١٢ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

وفاة ليندسي جراهام.. السيناتور الذي أراد لغزة مصير هيروشيما

أحمد الطناني١٢ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

لماذا لا نتحدث عن الدولة التي تمول القتل الجماعي في السودان؟

نيكولاس كريستوف١٢ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑