ترجمة وتحرير: نون بوست
بالتزامن مع تجدد الاشتباكات بين الجيش الأمريكي وإيران هذا الأسبوع، كال دونالد ترامب المديح للزعيم العراقي الجديد واصفًا إياه بالوسيم؛ وهو الرجل ذاته الذي وقف قبل ستة أيام فقط ليصلي على جثمان المرشد الأعلى الإيراني المغتال آية الله علي خامنئي في العاصمة طهران.
وفي مستهل لقائهما داخل المكتب البيضاوي المُذهب، أشاد الرئيس الأمريكي برئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، معربًا عن إعجابه الشديد ومؤكدًا أننا أمام بطل رائع وبطل جديد.
وأضاف ترامب أن الزيدي مقاتل عظيم ومحب كبير لأمريكا. ومضى الرئيس الأمريكي في استخدام ذات المفردات التي لطالما كررها عند الحديث عن قادة الشرق الأوسط، مثل الرئيس السوري أحمد الشرع وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، واصفًا الزيدي بأنه قوي ومذهل ووسيم.
زيارة مفاجئة وتوازن دقيق
وجاءت هذه الزيارة الرسمية لرئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن بعد أسابيع قليلة فقط من ترشيحه للمنصب؛ وهو ترشيح فاجأ وأربك حتى أكثر المراقبين للشأن العراقي حنكة وخبرة. وقد لعب توم باراك، المبعوث الخاص لترامب والذي تجمعه علاقة وثيقة بالزيدي، دورًا محوريًا في التنسيق لهذا اللقاء وترتيبه.
وفي توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للعراق، يسعى رئيس الوزراء الشاب في مستهل عهده إلى تحسين علاقات بلاده مع واشنطن، التي تحاول جاهدة تحجيم النفوذ الإيراني في بغداد، محاولًا في الوقت ذاته وبحذر شديد تجنب استعداء حليفته القديمة طهران.
وقد أصبحت لعبة التوازن هذه أكثر خطورة وتعقيدًا منذ اندلاع الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران في شهر مارس/آذار الماضي؛ ففي ظل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، تكبدت بغداد عواقب اقتصادية وخيمة، مما أجبرها على تقليص صادراتها النفطية بشكل حاد، وهي الصادرات التي تشكل العصب الرئيسي والمورد الأساسي لدخل البلاد.
سحر شخصي ووعود طموحة
وعلى الرغم من كل هذه التعقيدات، أشاد المسؤولون الأمريكيون والعراقيون على حد سواء بالزيارة واعتبروها ناجحة بكل المقاييس. وتلقى الزيدي إشادات واسعة لقدرته ببراعة على كسب ودّ ترامب، وبناء علاقة جيدة مع رئيس أمريكي يولي أهمية قصوى للروابط الشخصية، حيث بادر بنقل تحياته القادمة من أقدم حضارة في العالم.
بل ووصل الأمر بالزيدي إلى إخبار بعض مرافقيه في حاشيته بأنه نجح في إنجاز مهمته الوحيدة المتمثلة في مصادقة ترامب. ومن جانبه، بادر ترامب بالقول فور لقائه بالزيدي البالغ من العمر واحدًا وأربعين عامًا إنهم يحبون العراق، قبل أن يقرر إضافة مأدبة غداء ارتجالية وغير مجدولة إلى جدول أعمالهما المزدحم.
وفي معرض تعليقه على اللقاء، أشار مايكل حنا، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، إلى أنه يعتقد أن ترامب قد أُعجب بمظهر الرجل وطريقة حديثه، فضلًا عن الانسجام الذي ساد بينهما، مؤكدًا أن مثل هذه التفاصيل تقطع شوطًا طويلًا في كسب ثقة الرئيس الأمريكي.
وبالنسبة لإدارة ترامب؛ فقد مثل هذا اللقاء تعهدًا علنيًا بالولاء من حليف لطهران، وذلك في وقت تتجدد فيه الأعمال العدائية مع إيران. غير أن منتقدي الزيدي يرون أن مبادراته ومساعيه للتقارب مع واشنطن غلب عليها الطابع الرمزي، وأن وعوده ستكون شبه مستحيلة التنفيذ على أرض الواقع.
مسرحية سياسية ورسائل للجمهور الأمريكي
لقد أخذ الزيدي على عاتقه تعهدًا بنزع سلاح الميليشيات الشيعية في العراق، وهي جماعات ترتبط بفصائل مدعومة من إيران وباتت تشكل قوة سياسية وعسكرية لا يستهان بها. وتحظى العديد من هذه الميليشيات بدعم مباشر من طهران، بل وانضمت إلى حملاتها الانتقامية خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. ومع ذلك، والمثير للاستغراب، أن أبرز قادة هذه الميليشيات قد ساندوا ودعموا ترشيح الزيدي لمنصبه الحالي.
ويشير المحللون إلى أن إطلاق وعود جريئة تتجاهل القضايا الداخلية المستعصية، لكنها في الوقت ذاته تروق لواشنطن وتدغدغ مشاعر قادتها، هو جزء من النهج الذي اعتمده القادة العرب لبناء علاقات ناجحة مع ترامب.
ومن جهته، يوضح ريناد منصور، خبير الشأن العراقي في معهد تشاتام هاوس، أن هناك قدرًا من المسرحية السياسية في هذا المشهد، تهدف بالأساس إلى توجيه إشارة لإدارة ترامب تفيد بأن الزيدي يتماشى تمامًا مع أولوياتها. ويستطرد منصور قائلًا إن هذا لا يعني بالضرورة أن أهدافه ليست حقيقية أو جادة، لكن الرسائل موجهة ومصممة بعناية فائقة لتناسب الجمهور الأمريكي بالدرجة الأولى.
استنساخ لتجارب قادة المنطقة
ويضيف منصور أن النخبة الحاكمة في العراق قد أدركت جيدًا ميل ترامب وإعجابه بالرجال الأقوياء ذوي الكاريزما، وأن الزيدي فهم تمامًا كيف يلعب على هذا الوتر ويستغله لصالحه في واشنطن.
وفيما يخص جني مكاسب ملموسة للعراق في مجالات التمويل الدفاعي والاستثمارات، فإن الأيام وحدها كفيلة بإثبات ذلك؛ فقد التقى الزيدي يوم الجمعة الماضي برؤساء عدد من الشركات الأمريكية الكبرى، بما في ذلك عمالقة قطاع النفط، لمناقشة فرص الاستثمار في العراق. وشملت هذه اللقاءات مباحثات مع شركة شيفرون حول إمكانية إنشاء شبكة أنابيب محتملة لتجاوز مضيق هرمز وتلافي تداعيات إغلاقه.
وفي إطار تفسيره لهذا النهج، يرى سياسي عراقي، فضل عدم الكشف عن هويته، أن أسلوب الزيدي يحاكي إلى حد ما أسلوب الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي نجح في إرساء علاقة منسجمة وغير متوقعة اتسمت بالسلاسة مع ترامب خلال العام الماضي. وقد أثمرت تلك العلاقة حين انتزع الشرع الأسبوع الماضي إعلانًا من ترامب برفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وذلك في أعقاب لقاء ودي آخر جمعهما في العاصمة التركية أنقرة على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ويُشخص إميل الحكيم، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، هذه الحالة قائلًا إن قادة الشرق الأوسط يدركون جيدًا أن ترامب قادر على إيذائهم أكثر بكثير مما يستطيع مساعدتهم، ولكن في بيئة مضطربة كهذه، فإن أقصى ما يطمحون إليه هو الحد من هذا الأذى عبر التودد لغروره ومسايرة أولوياته. ولذلك، فهم ينخرطون في التعامل مع ترامب وهم على يقين تام بعدم وجود عوائد إيجابية ضخمة، متسلحين فقط بأمل قدرتهم على تقييد أو تأجيل أي عقوبات أو تحركات مفاجئة ومباغتة قد تُتخذ ضدهم.
إرث ثقيل من النفوذ الإيراني والعقوبات
لقد ساهم الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في عام 2003 في دفع بغداد بقوة نحو دائرة النفوذ الإيراني، وعمق من دور الميليشيات المدعومة من طهران، وهي الميليشيات ذاتها التي أمضت واشنطن لاحقًا سنوات طوال في محاولة تحجيمها وإضعاف نفوذها.
وكانت العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن قد شهدت حالة من الركود والفتور في عهد سلف الزيدي، محمد شياع السوداني؛ فقد نظر إليه مسؤولو إدارة ترامب بمرور الوقت على أنه أصبح شخصية غير فعالة ومكبلة بالكامل بالمصالح الإيرانية، وتجلى ذلك بوضوح خاص بمجرد اندلاع الحرب في وقت سابق من هذا العام.
وعلى إثر ذلك؛ اتخذت واشنطن خطوة نادرة واستثنائية في وقت سابق من هذا العام تمثلت في قطع إمدادات النقد بالدولار عن العراق، في مسعى صريح لإجبار النخبة الحاكمة على النأي بنفسها عن إيران والميليشيات المتنفذة المدعومة من طهران. ولم تُستأنف هذه الإمدادات إلا مؤخرًا، وذلك عقب تسلم الزيدي لمقاليد السلطة.
وكما هو حال الرئيس الأمريكي، كان الزيدي رجل أعمال ثريًا يفتقر إلى أي خبرة سياسية أو دراية بالشؤون الدولية قبل توليه منصبه الرفيع، وقد أظهر ميلًا واضحًا لإطلاق التصريحات الجريئة والمثيرة للجدل. وتجدر الإشارة إلى أن الزيدي يمتلك مصرف الجنوب الإسلامي، الذي تعرض للحظر من إجراء المعاملات بالدولار الأمريكي في عام 2024 بقرار من البنك المركزي العراقي، وذلك استجابة لضغوط أمريكية ملحة على خلفية ادعاءات بتورط المصرف في غسيل أموال لصالح إيران والميليشيات المتحالفة معها في العراق.
جنازة خامنئي وتجاهل الانتقادات
وفي الأسبوع الماضي، استضاف العراق جزءًا من مراسم التشييع الجنائزي لخامنئي، والتي استقطبت حشودًا جماهيرية غفيرة؛ في مشهد جَسد استعراضًا صريحًا لعضلات النفوذ الإيراني قبل أيام قليلة فقط من انعقاد لقاء المكتب البيضاوي. ومن المتوقع أيضًا أن يجري الزيدي زيارة إلى طهران في القريب العاجل، وسط شائعات متداولة تفيد بأن مسؤولين إيرانيين حاولوا ممارسة ضغوط عليه لإثنائه عن التوجه إلى واشنطن.
ويعلق الباحث مايكل حنا على هذه المفارقة قائلًا إن مظاهر جنازة خامنئي قد أثارت غضب ترامب واستياءه بكل المقاييس. ولذلك، يبدو من المثير للسخرية حقًا أن تواجد الزيدي في تلك المراسم لم يتسبب، بطريقة أو بأخرى، في إخراج هذا اللقاء الثنائي عن مساره.
وقد تجنب الزيدي بذكاء إظهار أي تماهٍ أو اتفاق مع الانتقادات الموجهة لإيران خلال لقائهما المتلفز في المكتب البيضاوي، وهو اللقاء الذي تفاخر فيه ترامب بمواصلة الحصار البحري وضرباته الموجعة على إيران. ومن الجدير بالذكر أن إغلاق مضيق هرمز قد أجبر العراق على خفض صادراته النفطية بأكثر من النصف، مما أدى إلى تفجر أزمة مالية خانقة في الداخل العراقي.
وواصل الزيدي مناورته الدبلوماسية عبر تفادي أي ذكر مباشر لإيران، موجهًا دفة الحديث بدلًا من ذلك نحو سبل تحسين الروابط الاقتصادية، والخطة المقررة لسحب ما تبقى من القوات الأمريكية من البلاد بحلول شهر سبتمبر/أيلول المقبل.
انتقادات داخلية ونموذج يُحتذى به
غير أن المراقبين يؤكدون أنه على الرغم من الحماس الواضح الذي أبداه ترامب، فإن أهداف إدارته تجاه العراق لا تبدو قريبة من التحقق على أرض الواقع. فبالرغم من أن بعض الميليشيات قد أبدت مؤخرًا رغبة في دمج عناصرها ضمن صفوف القوات المسلحة العراقية، إلا أن تلك الميليشيات الأكثر ولاءً وارتباطًا بطهران قد رفضت هذه الفكرة رفضًا قاطعًا. ولا يخفى على أحد أن قدرة هذه الجماعات على زرع بذور عدم الاستقرار يمكن أن تنسف وتهدد أي استثمارات ضخمة ومحتملة.
وفي الداخل الأمريكي، يطالب بعض المشرعين الجمهوريين باتخاذ خطوات أكثر صرامة وملموسية تجاه الميليشيات الشيعية في العراق. وفي هذا الصدد، نشر عضو الكونغرس الجمهوري تيم بورشيت تدوينة على منصة إكس عبر فيها عن تذمره قائلًا إنه قد أضاع صباحه للتو في الاستماع إلى رئيس وزراء العراق وهو يتحدث عن لا شيء. وفي موقف موازٍ، أعلن المشرع جو ويلسون رفضه القاطع لحضور اللقاء، معقبًا بعبارة مقتضبة وحاسمة تؤكد أن الكلام رخيص لا قيمة له.
في المقابل؛ يرى بعض المحللين أن تفاصيل هذه الوعود قد لا تكون بتلك الأهمية. وتوضح فيكتوريا تايلور، الباحثة في مؤسسة المجلس الأطلسي والتي شغلت منصب مسؤولة رفيعة المستوى بوزارة الخارجية الأمريكية لشؤون العراق حتى عام 2025، أن هناك أوقاتًا يكون فيها ترامب وفريقه مستعدين لتجاهل الشكوك وتصديق ما يُقال لهم. وبناءً على ذلك، يمكن للزيدي أن يستمر في إطلاق هذه التعهدات العامة والفضفاضة للولايات المتحدة في المجالات التي تبدي إدارة ترامب استعدادًا لغض الطرف عنها.
وعلى الجانب الآخر من المشهد الإقليمي، يحدو البعض في لبنان أمل كبير في أن تشكل النجاحات التي حققها كل من الزيدي والشرع نموذجًا ملهمًا يُحتذى به لرئيسهم المحاصر بالأزمات، جوزيف عون، الذي يستعد لإجراء زيارة إلى واشنطن الأسبوع المقبل.
ويحاول عون حشد الدعم الأمريكي لتشكيل جبهة ضاغطة تجبر إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان، وذلك في أعقاب أشهر من الصراع الطاحن والمدمر. غير أن الكثيرين ينظرون بتشاؤم بالغ إلى فرص نجاحه في هذه المهمة، وهو ما دفع أحد المسؤولين اللبنانيين للتعليق بسخرية قائلًا إنه ربما يحتاج إلى الاتصال بالزيدي والشرع للحصول على بعض النصائح المفيدة.
المصدر: فاينانشال تايمز