Also available in English
وضعت سلسلة من التطورات العسكرية جزيرة زُقَر اليمنية في قلب المواجهة المتصاعدة مؤخرًا على البحر الأحمر بين الحوثيين من جهة والحكومة اليمنية والقوى العسكرية الأخرى المناهضة للجماعة ومن خلفها السعودية والإمارات من جهة أخرى.
ففي 19 يوليو/تموز 2026، أعلنت قوات بحرية تابعة للمقاومة الوطنية، وهي تشكيل عسكري مدعوم من الإمارات يقوده عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، اعتراض زوارق حوثية مسلحة اقتربت من الجزيرة، وأجبرتها على التراجع باتجاه الساحل الغربي.
جاءت الحادثة وسط تصدع التهدئة غير الرسمية التي حكمت العلاقة بين السعودية والحوثيين منذ عام 2022، ففي 13 يوليو/تموز، استهدفت قوات الحكومة اليمنية مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، ليرد الحوثيون بإطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه مطار أبها بعد أن اتهموا الرياض بالوقوف خلف العملية.
وفي 20 يوليو/تموز، أعلن المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع فرض حظر بحري على المملكة، قبل أن تحذر الجماعة شركات الشحن من التعامل مع موانئها، فيما أعلن المتحدث باسم التحالف بقيادة السعودية، اللواء تركي المالكي، اتخاذ إجراءات لحماية السفن العابرة من باب المندب.
رفع التصعيد أهمية الجزر القريبة من مسارات السفن والموانئ السعودية على البحر الأحمر، وفي قلب هذه الجغرافيا تبرز زُقَر بوصفها موقعًا متقدمًا في صراع مراقبة السفن والقوارب وخطوط الإمداد في القطاع الجنوبي من البحر الأحمر.
جزيرة بمحاذاة الممرات البحرية
تقع جزيرة زُقَر عند خط عرض 14 درجة ودقيقة واحدة شمالًا وخط طول 42 درجة و45 دقيقة شرقًا، ضمن أرخبيل حنيش في جنوب البحر الأحمر، وفي المساحة البحرية الواقعة بين الساحل الغربي لليمن والساحل الإريتري.
وتقع حنيش الكبرى، وهي أقرب الجزر الرئيسية إليها داخل الأرخبيل، على بعد نحو 30 كيلومترًا جنوبًا. أما على الجانب اليمني، فتبعد زُقَر نحو 93 كيلومترًا عن المخا و96 كيلومترًا عن الحديدة، فيما يفصلها عن ميناء عصب الإريتري نحو 111 كيلومترًا.
ويضعها هذا الموقع بين موانئ الساحل اليمني من جهة، والساحل الإريتري من جهة أخرى، وعلى الطريق البحري الصاعد من باب المندب نحو شمال البحر الأحمر.
وتبعد الجزيرة قرابة 166 كيلومترًا عن ميون وقلب مخطط المرور في باب المندب، وتحدد هذه المسافة اختلاف الوظيفة بين الجزيرتين.
إذ تقع ميون داخل عنق المضيق وتقسمه إلى قناتين، بينما تتمركز زُقَر شماله قرب حارة تستخدمها السفن الصاعدة من خليج عدن نحو قناة السويس، ما يمنح القوات الموجودة فيها موقعًا متقدمًا بين الساحل الغربي لليمن والساحل الإريتري وبقية جزر أرخبيل حنيش.
تتكون الجزيرة من كتلة بركانية بازلتية ذات تضاريس حادة ومخاريط طفحية، وترتفع قمتها إلى 624 مترًا. ويمنح هذا الارتفاع مجالًا واسعًا للمراقبة البصرية والإلكترونية عند نشر التجهيزات المناسبة فوقها، كما يجعل كتلتها واضحة لرادارات الملاحة من مسافات بعيدة.
وتصف الأدلة البحرية زُقَر بعبارة radar conspicuous، أي إنها تعطي صدى قويًا يسهل تمييزه على شاشات رادار السفن. ويتعلق هذا الوصف بوضوح الجزيرة ملاحيًا، فيما ترتبط قدرتها على الرصد العسكري بطبيعة الأجهزة والاتصالات التي تنشر فوق مرتفعاتها.
تمر شرق زُقَر حارة ملاحية منظمة تستخدمها السفن المتجهة شمالًا بعد عبور باب المندب. وتدخل الحارة ضمن مخططات فصل حركة المرور التي تعتمدها المنظمة البحرية الدولية لتنظيم اتجاهات السفن والحد من تقاطعها في الممرات المزدحمة، كما ترتبط بالمسار البحري الأمني الذي تستخدمه القوات البحرية لتوجيه السفن وتعزيز مراقبة المنطقة.
وتبلغ المسافة التقديرية بين ساحل زُقَر وأقرب حافة للحارة الشرقية نحو 7 كيلومترات، بينما يمر خطها الوسطي على مسافة تقارب 8 كيلومترات، ويضع ذلك السفن الصاعدة شمالًا داخل مجال قريب من الجزيرة.
أما السفن المتجهة جنوبًا نحو باب المندب، فتستخدم مخططًا آخر يقع غرب وجنوب حنيش الكبرى. وبذلك تتوزع حركة الملاحة على جانبي الأرخبيل، فتمر الحركة الشمالية شرق زُقَر، بينما تسلك الحركة الجنوبية الجانب الغربي من مجموعة حنيش.
تمر السفن القادمة من خليج عدن أولًا عبر إحدى قناتي باب المندب المحيطتين بميون، ثم تواصل اتجاهها شمالًا نحو الحارة الواقعة شرق زُقَر.
وتمنح هذه الجغرافيا ميون موقعًا مباشرًا داخل المضيق، فيما تضع زُقَر على مسار متابعة الحركة الخارجة منه، بما يدعم الإنذار المبكر والدوريات وعمليات الاعتراض في جنوب البحر الأحمر.
ويمكن ربط موقع زُقَر بالمخا وبقية جزر حنيش والمواقع المنتشرة على الساحل الغربي لتغطية قطاع أوسع من البحر، ومتابعة السفن والقوارب التي تتحرك بين الساحل اليمني والمياه الدولية والجزر المجاورة.
مدرج جديد يرفع القيمة العسكرية
ظلت البنية المعروفة في زُقَر محدودة لسنوات، واقتصرت على خلجان رسو ومراس صغيرة وأكواخ حجرية ومنشأة بسيطة لتخزين المياه.
لكن، تغير هذا الوضع خلال عام 2025 مع ظهور رصيف جديد ومدرج طيران معبد على السهل الساحلي الشرقي والجنوبي الشرقي للجزيرة، فيما ربطت حركة السفن وشحنات مواد البناء سلسلة توريد المشروع بشركات مقرها الإمارات.
في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025، نشرت وكالة أسوشيتد برس تحقيقًا استند إلى صور شركة بلانيت لابس الأمريكية المتخصصة في تصوير الأرض بالأقمار الصناعية، أظهرت أن العمل بدأ في أبريل/نيسان بإنشاء رصيف لاستقبال السفن، ثم انتقل إلى تسوية مسار المدرج وتجهيزه.
وفي أواخر أغسطس/آب ظهرت طبقة تشبه الأسفلت، فيما أظهرت صورة ملتقطة في 30 سبتمبر/أيلول مدرجًا معبدًا قيد الإنجاز لمطار في الجزيرة، ثم ظهرت علاماته المرسومة في صورة مؤرخة في 19 أكتوبر/تشرين الأول.
قدرت أسوشيتد برس طول المدرج بنحو كيلومترين، بينما وضعت تحليلات لاحقة طوله ضمن نطاق يتراوح بين 2.1 و2.2 كيلومتر، فيما يمتد المدرج بمحاذاة السهل الشرقي في اتجاه تقريبي من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي.
وتظل قدرة سطحه على تحمل الأوزان وحجم مرافق الوقود والصيانة والتجهيزات الملاحية عوامل حاسمة في تحديد أنواع الطائرات وحجم العمليات التي يمكن تشغيلها منه.
يوفر المدرج للجزيرة قدرة محتملة على نقل الأفراد والمعدات وتشغيل المسيّرات ومهمات الاستطلاع والدعم اللوجستي، بحسب مستوى تجهيزه.
كما يختصر زمن وصول الطائرات والمسيّرات إلى خطوط الملاحة والساحل الغربي اليمني، ويمنح القوة الموجودة في الجزيرة خيارًا جويًا يضاف إلى الدوريات البحرية ونقاط المراقبة فوق المرتفعات.
تتصل قيمة المدرج بالرصيف الجديد الذي يسمح باستقبال مواد البناء والمؤن والوقود والمعدات الثقيلة بصورة أكثر انتظامًا. وقد تتبعت أسوشيتد برس سفينة الشحن باتسا Batsa، التي وصلت إلى الجزيرة بعد إبحارها من ميناء بربرة في أرض الصومال وظلت قرب الرصيف نحو أسبوع.
كما أقرت شركة سيف للخدمات البحرية والشحن بتلقي طلب لتوريد الأسفلت إلى زُقَر لصالح شركات أخرى مقرها الإمارات.
ترسم هذه الحركة سلسلة إمداد مرتبطة بشركات إماراتية، وتنسجم مع الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه أبوظبي لقوات طارق صالح في الساحل الغربي. أما هوية الجهة التي تعاقدت رسميًا على بناء المدرج وتشغيله، فبقيت مجهولة.
وتدعم الصور المتاحة وجود منشأة رسو ومدرج وطرق خدمة وأعمال تجريف، بينما ظلت طبيعة التجهيزات العسكرية الدائمة فوق الجزيرة غير واضحة.
ترتبط القيمة العسكرية للجزيرة بثلاث وظائف متكاملة، إذ تمنح مرتفعاتها نقاطًا مناسبة للرصد البصري وتجهيزات مراقبة سطح البحر، يوفر الرصيف قاعدة لإمداد الزوارق والقوات البحرية المتمركزة في الجزيرة، ويمكن أن يدعم دوريات خفر السواحل بحسب الجهة المشغلة وطبيعة الانتشار. ويتيح جمع هذه الوظائف إنشاء عقدة أمامية تربط المراقبة البحرية بالحركة الجوية والاتصالات مع الساحل الغربي.
وتضيف الصواريخ الإيرانية بعدًا آخر إلى الحسابات النظرية للموقع، إذ يضع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية مدى صاروخ نور، المشتق من المنظومة الصينية C-802، عند نحو 120 كيلومترًا، فيما يصل مدى قادر إلى قرابة 200 كيلومتر، ويبلغ المدى المعلن لصاروخ غدير نحو 300 كيلومتر. ومن شأن نشر منظومات بهذه الفئات في زُقَر أن يضع قطاعات واسعة من جنوب البحر الأحمر ضمن مداها.
في المقابل، تواجه الجزيرة قيودًا تؤثر في قدرتها على استضافة قوة كبيرة لفترات طويلة، فطبيعتها البركانية الجافة ومواردها المائية المحدودة تفرضان استمرار خطوط الإمداد، فيما تجعل المساحات المكشوفة والمنشآت الظاهرة استهدافها أسهل من المواقع الموزعة داخل الساحل اليمني.
ويمنح الساحل الغربي عمقًا بريًا أوسع للتخزين والانتشار، وتمنح ميون موقعًا مباشرًا في المضيق، بينما تتميز زُقَر بالارتفاع والقرب من حارة الملاحة وموقعها المتقدم في عرض البحر.
السيادة والنفوذ في زمن الحرب
ترجع الحساسية السياسية لزُقَر إلى النزاع اليمني الإريتري على أرخبيل حنيش، ففي ديسمبر/كانون الأول 1995، اندلعت مواجهة عسكرية بين البلدين حول الجزر، قبل إحالة القضية إلى هيئة تحكيم عملت تحت مظلة المحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي.
في 9 أكتوبر/تشرين الأول 1998، أصدرت الهيئة حكم السيادة ومنحت اليمن مجموعة زُقَر وحنيش، فيما منحت إريتريا جزرًا وصخورًا أصغر تقع بالقرب من ساحلها.
وفي 17 ديسمبر/كانون الأول 1999، أصدرت حكم ترسيم الحدود البحرية، واعتمدت خطًا وسطيًا عمليًا بين الساحلين الرئيسيين. ومنذ ذلك الحين استقر الوضع القانوني للجزيرة ضمن السيادة اليمنية، بينما تغيرت القوة المسيطرة عليها مع تطورات الحرب داخل البلاد.
بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 واتساع تقدمهم نحو غرب اليمن وجنوبه، وصل نفوذهم إلى زُقَر وعدد من جزر البحر الأحمر.
وفي أواخر عام 2015، سيطرت قوات التحالف بقيادة السعودية والإمارات وقوات يمنية مناهضة للحوثيين على الجزيرة، ضمن عمليات هدفت إلى تأمين أرخبيل حنيش والمياه المحيطة به.
دخلت زُقَر لاحقًا ضمن شبكة قوات الساحل الغربي، وبرز فيها حضور المقاومة الوطنية، وهي تشكيل عسكري يقوده طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني.
وتعمل هذه القوات ضمن المعسكر المناهض للحوثيين وتحظى بدعم إماراتي، مع احتفاظها بقيادة وتنظيم مستقلين عن عدد من وحدات الجيش اليمني.
في دراسة نشرها المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أشارت الباحثة إليونورا أرديماني إلى تمركز قوات المقاومة الوطنية في زُقَر، وإلى اشتباك بحري وقع بينها وبين الحوثيين في يونيو/حزيران من العام نفسه. وفي تحقيق أكتوبر/تشرين الأول 2025، وصفت أسوشيتد برس الجزيرة بأنها نقطة تمركز للقوات البحرية الموالية لطارق صالح.
يظهر الدور الإماراتي في التدريب والإمداد وتطوير البنية أكثر من ظهوره عبر إدارة معلنة للجزيرة. وذكر معهد دول الخليج العربية في واشنطن، أن أفرادًا إماراتيين ظلوا في زُقَر حتى أكتوبر/تشرين الأول 2019 للمشاركة في تدريب خفر السواحل. ثم أضافت حركة السفن وشحنات الأسفلت المرتبطة بمشروع عام 2025 مؤشرات جديدة إلى استمرار الصلة الإماراتية بالبنية العسكرية واللوجستية في الجزيرة.
اكتسب هذا التموضع وزنًا أكبر منذ أواخر عام 2023، عندما وسع الحوثيون عملياتهم ضد السفن في البحر الأحمر وخليج عدن على خلفية الحرب على غزة.
ودفعت الهجمات شركات شحن إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، واستدعت انتشارًا عسكريًا أمريكيًا وأوروبيًا، ثم عمليات أمريكية وبريطانية وإسرائيلية ضد مواقع حوثية داخل اليمن. وفي هذا المشهد، ارتفعت أهمية المواقع القادرة على مراقبة الساحل الغربي وخطوط التهريب وحركة السفن القادمة من باب المندب.
تستخدم قوات الساحل الغربي زُقَر قاعدة أمامية للدوريات والاستطلاع وخاصة أنه يمكن ربطها بالمخا وبقية جزر حنيش لتغطية قطاع أوسع من البحر، فيما يرفع الرصيف والمدرج قدرتها على استقبال الأفراد والمعدات والحفاظ على حضور متواصل. كما يتيح موقعها متابعة القوارب التي تتحرك بين الساحل اليمني والمياه الدولية والجزر المتناثرة في الأرخبيل.
في 19 يوليو/تموز 2026، أعلنت المقاومة الوطنية عن اقتراب زوارق حوثية مسلحة من زُقَر، وأن وحداتها البحرية دفعتها إلى الانسحاب فيما قيل إنها كانت “محاولة للسيطرة على الجزيرة”.
وتضع التطورات الأخيرة زُقَر في خط تماس بحري مباشر، إذ يتيح الاقتراب منها اختبار دفاعاتها ورصد حركة القوات ونشاط الرصيف والمدرج، كما يهدد شبكة المراقبة التي تطورها قوات طارق صالح وحلفاؤها بدعم إماراتي في جنوب البحر الأحمر.
ويمنح تمركز المقاومة الوطنية في الجزيرة، مدعومًا بالبنية الجديدة والنفوذ الإماراتي في التدريب والإمداد، قدرة أكبر على متابعة القوارب والسفن وربط الدوريات البحرية بالمواقع المنتشرة على الساحل الغربي.
وتختصر زُقَر اليوم تداخل السيادة والنفوذ والجغرافيا العسكرية في البحر الأحمر، فالجزيرة يمنية بحكم التحكيم الدولي، وتتمركز فيها قوات موالية لطارق صالح قرب حارة تستخدمها السفن المتجهة شمالًا بعد عبور باب المندب، فيما يوسع الرصيف والمدرج قدرتها على استقبال الإمدادات ودعم الاستطلاع والعمليات الجوية.
وتنبع حساسيتها من موقعها داخل شبكة مراقبة واعتراض تمتد بين المضيق وأرخبيل حنيش والساحل الغربي، وتتابع الحركة الخارجة من باب المندب نحو قلب البحر الأحمر.