تُمثّل الهجرة والاغتراب واحدة من أكثر الموضوعات تأثيرًا في الوجدان الإنساني وأعمقها حضورًا في الأدب المعاصر. تتجاوز النصوص في هذا السياق الرحلة الجغرافية من مكان إلى آخر لتصبح رحلة وجودية كبرى تُسائل الهوية، والانتماء، ومعاني الوطن والشتات. وفي ظل عالم تتلاطم فيه أزمات الحروب، والفقر، والاستبداد، تتحول “الرحلة نحو الشمال” أو نحو عوالم المهجر من حلم بالخلاص والعدالة إلى مرآة كاشفة لتناقضات الغرب والشرق على حد سواء. في هذه القائمة نستعرض ثماني روايات معاصرة بارزة عبّرت عن هذه التجربة الإنسانية المعقدة بطريقتها، ناقلةً بصوت الإبداع مأساتها وأحلامها المُجهضة.
1- أيام الشمس المشرقة – ميرال الطحاوي (2023)
نصٌ يدور بين مقاطعتين متجاورتين في أرض الأحلام يسكن أهل كل منهما في عالمه الخاص؛ منخفض “الشمس المشرقة” حيث يعيش الفقراء في القاع متطلعين لأثرياء السماء قاطني تلال “الجنة الأبدية”. الفقراء في النص هم من عمال المناجم وعمال تنظيف المراحيض والجناينية ورعاة العجائز وخادمات البيوت والمقاولين والجزارين والحانوتية.. مهاجرون يعيشون على الهامش في أقذر المناطق بعد أن وصلوا بطرق شرعية أو غير شرعية إلى الجنة الموعودة هاربين من ماضيهم فلم يجدوا سوى حياة القاع ليستقروا فيها.
نشهد انهيار أحلام وطموحات، وصورًا جمالية مزيفة اصطنعها أصحابها الذين “يدركون أن الغياب سًنة من سنن تلك الحياة التي يعيشونها”. يظل الجميع يراوده سؤال: “من الذي يستطيع أن يكسر دائرة البؤس؟ من يستطيع الصعود؟”. وصلت الرواية إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2023.
2- مهدي باريس المنتظر – محمد إسماعيل (2025)
تتعرض الرواية لتعقيدات ملفات الهجرة والهوية و”الإسلام السياسي” في فرنسا، راسمةً مشهدًا تتشابك فيه مصائر شخصيات متباينة بين باريس وجنوبها الفقير؛ من سياسي طموح يبحث عن استقطاب الأصوات، إلى مهاجر مُهمّش ترك بلاده لأن “أرخص ما عندنا هو الإنسان”، وصولًا إلى سليل يحمل إرث نوستراداموس الغيبيّ. في قالبٍ روائي واقعي، يطرح النص أسئلة جوهرية حول إشكالية الاندماج، وعبء التبرؤ من تهمٍ يرتكبها أخوة الدين، داعيًا إلى إعادة النظر في علاقة الضيف بالمضيف، عبر تفكيك مخاوف أزلية لا تزال تُغلف المخيال الجمعي الغربي تجاه “الآخر” القادم من الخارج.
تُسائل الرواية ثقافة الانتظار كفعلٍ مُقعِد مُمثلة في شخصية “المهدي”، وتكشف كيف تُستثمر الأساطير والنبوءات -سواء الشرقية أو الغربية- كأدوات سياسية لاستغلال الجهل وحشد الجماهير التي “لم تَسَعهم دولهم فهجروها نحو حُلمٍ خذلهم”. يسلط العمل الضوء على صناعة الزعامات وتوظيفها للمظلومية والمخاوف المتبادلة (الخوف من الأجانب “الزينوفوبيا” والخوف من الإسلام “الإسلاموفوبيا”)، في ظل واقع يعيش فيه قطاع من المهاجرين عزلةً اختيارية أو اضطرارية، متمسكين بأوهام الخلاص وفي انتظار المُخلّص.
3- ليالي سان دوني – لنا عبد الرحمن (2026)
في فضاء روائي يشبه الـ”بازيليكا” للشهادة الإنسانية، ترسم هذه الرواية لوحة بانورامية ومؤثرة لعالم المهمشين في “سان دوني” بفرنسا؛ حيث تلتقي مصائر المهاجرين واللاجئين العرب الفارين من أوطان أنهكتها الحروب والاستبداد، بالمشردين الفرنسيين الهاربين من وطأة النظام العام. يتخذ الجميع من قصر “لو شاتو” التاريخي –المغلف بالغبار والجرافيتي– مأوىً مشتركًا وبوتقةً تنبض بحياةٍ تجمع بين الحرية والفوضى.
يتأمل النص في مفاهيم الهوية، والانتماء، وعبء الغربة، مُسائلًا في الوقت ذاته عدالة النظام العالمي القائم على قيود الحدود وتصاريح الإقامة. تُقدم الرواية بطولةً جماعية لهؤلاء الذين خسروا رهانهم على “حياة أكثر نظامًا” في الغرب، ليجدوا أنفسهم في قاع “بلاد النور” تحت هاجس الملاحقة والتهديد بالترحيل لأنه “لا بيت يدوم”. هذه رواية تحتفي بالصمود الإنساني، وتطرح تساؤلات جوهرية حول حق الإنسان في الوجود والحرية بعيدًا عن أطر التصنيف والاضطهاد.
4- ربيع وشتاء – عاطف الحاج سعيد (2019)
نصٌ يتعرض بالتفصيل لوضع اللجوء في أوروبا -تحديدًا فرنسا- بدءًا من عمليات التهريب في قوارب الهجرة غير الشرعية وعالم التشرد الذي ينتظره حتى قبول طلبه في الاستقرار وبدء حياة جديدة بكل إجراءاتها الورقية وتعقيداتها. البطل هنا لاجئ سوداني يحكي معاناته لطبيب نفسي بنمط يكسر الجدار الرابع مع القارئ. يحكي مأساة إنسانية منذ نجا من الغرق على شواطئ إيطاليا، ووجد نفسه في مشفى معسكر للاجئين ثم يتعرف على امرأة فرنسية ويتزوجها، لكنها تفارقه.
يتناول العمل شبكات الدعارة التي تستهدف اللاجئين، وجيتوهات السودانيين في أوروبا، وأباطرة اللجوء. تتغير نظرته للأمور فيصبح أقرب لعين غربية على المجتمع من حوله. يحتقر أشباهه ويصفهم بالجرذان الذين ملأوا الشوارع. يأنف من طريقة تناولهم للطعام، من تبولهم في الشارع، ومن شراهتهم الجنسية في مجتمع يكبت الرغبات حتى يقول “كنتُ أتمنى ألا يحزن ابني أو يُضطهد في مستقبله بسبب أن له أصلًا وضيعًا”. يتحدث لطبيبه بعد فترة من وصوله شاكيًا عدم الاندماج فيُخبره “الهجرة اختبار قاسٍ. لن يطيق خسائرها النفسية بشر”.
5- يا له من فردوس غريب – عمر العقاد (2023)
مشهد البداية في هذه الرواية أخّاذ عبارة عن طفل مستلقٍ على شاطئ إحدى الجزر في أوروبا يفتح عينيه والأمواج تُمشِّط شعره برفق فيرى من حوله متاعا مُبعثرًا وجثثًا متناثرة. يتقدم نحوه رجلان يصرخ فيه أحدهما بلغة لا يفهمها فيقرر الهرب. يُذكرك بصورة الطفل السوري الكردي “ألان كردي” الغارق على شاطئ تركي عام 2015 أثناء محاولة التسلل إلى أوروبا. تحكي الرواية بثقل في أحداث شيّقة من رحم الواقع وإن حداها الأمل عن مأساة اللاجئين السوريين قبل وبعد الوصول إلى شاطئ حياة. ينقسم الحكي بين زمنين؛ فصول الما “قبل” وفصول الما “بعد”.
نقترب في النص من منشآت اللاجئين والمعاملة القاسية التي يتعرضون لها هناك والعنصرية والتمييز ضدهم. البعض في الغرب يرى اللجوء شكلًا من أشكال الاستعمار ويقول: “كل استعمار هو حفنة ناس على قوارب”. في المقابل، نقرأ: “يرونك خارجًا من القارب يتدلى حول عنقك واحد من هذه الصلبان، سينفعك ذلك أكثر من كل بطاقات الهوية في العالم”. كُتبت الرواية بالإنجليزية أولًا وفازت بعدة جوائز أدبية في الغرب أبرزها جائزة جيلر في كندا.
6- الحي العربي- أسامة علام (2019)
دولة عربية صغيرة في قلب الغرب. فكرة مبتكرة وشيقة من الصفحات الأولى التي تدور في عالم من المهاجرين العرب يستوطنون كندا ويعلنون حيًا عربيًا فيها دولة مستقلة عقب أعمال شغب وقعت إثر فوز العرب على أمريكا في مباراة كرة القدم بما لها من سطوة في الشارع العربي. رواية بدايتها خاطفة تجذبك لعالم متخيل مستند إلى الواقع. بطلها الرئيسي رحمن زعبوط صاحب المقهى الذى يتحول الى زعيم الأمة وملهمها ومن حوله أسرته وأصدقائه.
هل يمكن أن تنتقل الأوطان حقًا بتقاليدها وأعرافها وروحها إلى أراضٍ أخرى؟ يتكرر السؤال الذي تقوم عليه رواية الكاتب المصري الأمريكي أسامة علام لاحقًا في رواية “باب الزوار” للكاتب المصري الفرنسي محمد إسماعيل فنقرأ: “هل نحن حقًّا نهجر أوطاننا لننساها أم لنعيد بناءها حولنا كما نحب؟”، فهل سينجح زعبوط في استنساخ الوطن العربي خارجه؟
7- صيف سويسري – إنعام كجه جي (2024)
أربعة عراقيين جاءوا إلى المهجر مُحمّلين بأثقال وأوهام يخضعون لتجربة علاج في مصحة سويسرية من الإدمان العقائدي على يد طبيب من نفس بلدهم يُدعى بلاسم. العلاج يقوم على أدوية تتعامل مع نوع مختلف من الهوس أشبه بإدمان العقائد التي يعيش أصحابها في بناينها وإن تهاوت ويستمرون في العيش أسرى لأوهامها دون الاعتراف بسقوطها. النسيان نعمة لكن المرض هو عناد صُنع في العراق يحتاج إلى عملية تنظيف واقتلاع للقناعات من قومية عربية إلى يسار إلى تبشير إلى حب لآل البيت عبر العقاقير وجلسات الفضفضة.
رواية تجمع بين الواقع والفانتازيا وتُسائل قدرة “مخابيل” الأفكار المُعتقة على بدء حياة جديدة، فهل يتصالح الأربعة بعد أن كان يحمل كلٌ منهم خنجره في حزامه لذبح الآخر، أم أن “الذاكرة ورم في الدماغ لا شفاء منه”؟ دخلت الرواية القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للآداب لكبار الكتاب عام 2026.
8- وأطوف عاريًا – طارق الطيب (2018)
عملٌ محوره الجسد وما حلّ به إثر الثورات العربية وما آلت إليه عبر أخّين في مصر والنمسا. رغم التماسات وتوسلات واستغاثات الأخ الأصغر للانتقال إلى جنات النعيم في الشمال، إلا أن للنمسا وجه آخر خفي عنصري ممعن في القسوة. في هذا البلد الأوروبي حكايات مخيفة مخفية في عالم متحضر طائش تسكنه وجوه بشوشة في الظاهر وفي الباطن عابسة بشكل مزمن.
يتغير حال الأخ الأكبر من عميد جيش في بلده إلى العمل كموديل عارٍ في أوروبا بعد رفض لوحاته بينما يتابع خبر غرق أكثر من 300 شخص من المهاجرين الأفارقة في قارب هجرة غير شرعية إلى إيطاليا ربما يحمل جثمان أخيه وينضم إلى مقبرة القوارب بنعوشه المائية. صار الصيادون يرفعون في كل شبكة أو صنارة جثة غريق مات بين شهقة موت وحياة.
تُقدم هذه الروايات الثمانية باقة سردية غنية ومتنوعة تغوص في التفاصيل النفسية والإنسانية العميقة للمهمشين والباحثين عن موطئ قدم تحت الشمس في الأوطان البديلة المُتوهمة. تظل هذه الأعمال شهادة حية على قسوة الاغتراب وجماليات الصمود البشري ومأساوية الانهيارات، ومثالًا على أن الأدب يظل مساحة رحبة لفهم الآخر، وترميم ما كسره المنفى في الأرواح.


