تراكمت في تركيا خلال العقود الأخيرة شبكة واسعة تنقل الأزمات الواقعة خارج حدود البلاد إلى النقاش العام داخلها، ثم تحول التعاطف معها إلى حملات تبرع ووفود شعبية وقوافل وفرق طبية وسفن إغاثة ومشروعات تستمر لسنوات.
برزت هذه القدرة خلال حروب البوسنة وكوسوفو والشيشان، واتسعت مع زلزال باكستان وتسونامي إندونيسيا ومجاعة الصومال، ثم أخذت نطاقًا أكبر خلال الثورة السورية ونزوح الروهينغا والعدوان الإسرائيلي على غزة.
تشارك في تشغيل هذه الشبكة جمعيات ومساجد وبلديات ورجال أعمال ومتطوعون ووسائل إعلام، إلى جانب مؤسسات الدولة ووكالاتها التنموية والإغاثية. ومع اتساع نشاطها، أسهمت هذه التحركات في تعزيز علاقات تركيا الإنسانية والدولية وتوسيع حضورها في مناطق الأزمات.
وأعادت ذكرى إبادة سربرنيتسا في يوليو/تموز 2026 إبراز هذه الظاهرة، مع حضور تركي رسمي وإعلامي وشعبي في البوسنة والهرسك، وإحياء وزارة الخارجية الذكرى في أنقرة. وبعد نحو أسبوعين، انطلقت من تلك البلدة البوسنية قافلة مدنية نحو الضفة الغربية عبر البلقان وتركيا والعراق والأردن، وتولى ناشطون أتراك أدوارًا بارزة في تنظيمها.
وربط الحدثان بين ذاكرة تشكلت خلال حرب البوسنة وتحرك معاصر نحو فلسطين وطرحا سؤالًا عن العوامل التي تمكّن المجتمع التركي من تحويل القضايا البعيدة إلى نشاط منظم عابر للحدود.
كيف تشكلت شبكات التضامن التركية؟
تشكل النشاط الإنساني التركي خارج الحدود عبر مسارين نشآ في مراحل مختلفة، أولهما حكومي ارتبط بالتعاون الفني والمساعدات الخارجية، وثانيهما أهلي توسع مع الحروب والأزمات التي حركت المتطوعين والجمعيات وشبكات جمع التبرعات.
يمتد التاريخ المؤسسي للمساعدات التركية إلى تأسيس الجمعية التي أصبحت لاحقًا الهلال الأحمر التركي عام 1868، فيما تشير وزارة الخارجية التركية إلى مساعدات فنية قدمتها الجمهورية إلى أفغانستان خلال سنواتها الأولى.
وفي عام 1985 أطلقت منظمة التخطيط الحكومية أول برنامج رسمي حديث للمساعدات الخارجية، وشمل غامبيا وغينيا وغينيا بيساو وموريتانيا والسنغال والصومال والسودان. ومثل البرنامج بداية واضحة لمسار حكومي يركز على التعاون الفني وبناء القدرات، ثم توسع تدريجيًا ليشمل الإغاثة الطارئة والمشروعات الصحية والتعليمية والبنية التحتية.
اكتسب المسار الحكومي جهازه المتخصص مع تأسيس وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” عام 1992، إذ أنشئت في البداية لبناء العلاقات مع الجمهوريات التركية التي استقلت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ثم توسعت نحو البلقان والقوقاز والشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.

وفي عام 2009 تأسست رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ “آفاد”، وأصبحت جهة مركزية في تنسيق الاستجابة للكوارث داخل تركيا وخارجها، إلى جانب وزارة الخارجية ووزارات الصحة والتعليم والداخلية والهلال الأحمر.
وبالتوازي مع توسع المسار الرسمي، دفعت حرب البوسنة التي اندلعت عام 1992 جيلًا من المتطوعين والجمعيات التركية إلى العمل داخل مناطق النزاع، وأسهمت في بناء شبكات أهلية انتقلت خبراتها لاحقًا إلى فلسطين والقوقاز وإفريقيا وآسيا.
وتربط هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات “IHH” نشأتها بعمل متطوعين تحركوا لإغاثة البوسنيين خلال الحرب، قبل تسجيلها رسميًا في إسطنبول عام 1995.
وتتقاطع هذه الرواية المؤسسية مع دراسات أكاديمية تناولت نشوء المنظمات الإنسانية التركية ذات المرجعية الإسلامية، إذ ربطت الباحثة بينار أكبينار تشكلها بقضايا أفغانستان والبوسنة وفلسطين وحربي كوسوفو والشيشان.
وأتاحت حرب البوسنة لهذه الشبكات خبرة ميدانية مبكرة في العمل العابر للحدود، وأسهمت في انتقال الحملات المؤقتة إلى مؤسسات تمتلك موظفين ومكاتب ومستودعات وعلاقات دولية.
وساعدت صور الحصار والمجازر، والروابط الدينية والتاريخية، والشعور بعجز المجتمع الدولي، إلى جانب القرب الجغرافي، في ترسيخ البوسنة داخل الذاكرة التركية.
واستمرت هذه العلاقة بعد الحرب من خلال مشروعات ترميم المساجد والمباني التاريخية، وبرامج التعليم والمنح، والمساعدات الاجتماعية، ومشاركة الوفود التركية في مسيرة السلام وذكرى الإبادة في سربرنيتسا.
كما انتقلت ذكرى سربرنيتسا خلال السنوات الأخيرة إلى مستوى رسمي ثابت داخل تركيا، ففي 10 يوليو/تموز 2024 صدر التعميم الرئاسي رقم 2024/8، الذي وضع فعاليات إحياء 11 يوليو/تموز تحت تنسيق وزارة الخارجية ومشاركة المؤسسات العامة.
ومهّد التداخل التدريجي بين المسارين الحكومي والأهلي لقيام منظومة واسعة تجمع التبرعات والخبرة الميدانية بقدرات الدولة الدبلوماسية واللوجستية.
من حملات تبرع إلى مشروعات طويلة الأمد
تعمل منظومة التضامن التركية عبر شبكة تتوزع أدوارها بين الجمعيات والمتبرعين ورجال الأعمال والبلديات ووسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية.
إذ تتولى الجمعيات إطلاق الحملات وجمع الأموال واستقطاب المتطوعين، وتشارك الشركات في النقل وتوفير المواد والخدمات، فيما تؤمن الدولة القنوات الدبلوماسية والتنسيق مع الحكومات والمنظمات الدولية. ويجمع الهلال الأحمر التركي بين استقلاله القانوني ودوره المساعد للسلطات في إدارة الكوارث والإغاثة.
تبدأ عملية التعبئة عادة مع التغطية الإعلامية والنداءات العامة وخطب المساجد، ثم تنتقل إلى التبرعات والمستودعات وشركات النقل. وبعد وصول الموارد إلى الجهات المنفذة، تتحول إلى شحنات غذائية وفرق طبية ومساكن ومدارس ومستشفيات ومشروعات للمياه.
وساعدت البلديات والبرامج التلفزيونية وفروع الجمعيات وشبكات رجال الأعمال على توسيع قاعدة المتبرعين وإنشاء مؤسسات تحتفظ بفرق ميدانية وشركاء محليين في عشرات الدول.
ويعرض التصميم التالي مسار الاستجابة التركية في خمس أزمات، بدءًا من المساعدات العاجلة، وصولًا إلى ما تطور عنها من مساكن ومدارس ومراكز اجتماعية وصحية ومشروعات طويلة الأمد. كما يوضح أثر طبيعة كل أزمة وإمكان الوصول الميداني في شكل التدخل ونتائجه.

قدمت الصومال أوضح نموذج لتحول حملة شعبية طارئة إلى حضور مؤسسي طويل الأمد، ففي أغسطس/آب 2011 زار رئيس الوزراء التركي آنذاك والرئيس الترك حاليا رجب طيب أردوغان مقديشو خلال المجاعة التي ضربت منطقة القرن الإفريقي.
وأعقبت الزيارة حملة شاركت فيها وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” والهلال الأحمر والجمعيات ومنظمات رجال الأعمال، كما أعادت تركيا فتح سفارتها في مقديشو خلال نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.
وتصف وزارة الخارجية التركية العملية التي بدأت آنذاك بأنها أكبر حملة مساعدات خارجية نظمتها البلاد حتى ذلك الوقت، وتقول إن قيمة المساعدات الإنسانية والفنية اللاحقة تجاوزت مليار دولار. ويجمع هذا الرقم الرسمي مساهمات حكومية وأهلية ومشروعات نفذت خلال سنوات متعددة.
أرسلت هيئة الإغاثة الإنسانية في أغسطس/آب 2011 سفينة محملة بثلاثة آلاف طن من الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية التي جمعتها من تبرعات داخل تركيا، ثم أرسلت سفينة ثانية بحمولة ستة آلاف طن تضمنت مواد غذائية وأدوية ومعدات لحفر آبار المياه. وشاركت جمعية رجال الأعمال الصناعيين في الأناضول “أسكون” بتقديم خمسين شاحنة محملة بالمساعدات.
انتقلت الاستجابة بعد ذلك إلى الصحة والتعليم والطرق والزراعة. وأسهمت المؤسسات التركية في إنشاء وتشغيل مستشفى رجب طيب أردوغان للتدريب والبحث في مقديشو، فيما بنت “تيكا” طريق الصداقة بطول 23 كيلومترًا، ودعمت مدارس ودور أيتام وبرامج تدريب. كما نفذت الجمعيات التركية مشروعات للمياه والتعليم الزراعي والخدمات الطبية ورعاية الأطفال.
وتشير تقارير “تيكا” إلى أن المستشفى كان يستقبل نحو ستة آلاف مريض ويجري قرابة مئة عملية شهريًا في إحدى مراحله الأولى، ثم قدم خدمات لأكثر من 160 ألف مريض خلال عام 2017. وشارك أطباء أتراك في تشغيله وتدريب كوادر صومالية، فتحولت حملة المجاعة إلى بنية صحية وتعليمية ولوجستية ترتبط بعلاقات طويلة الأمد مع الحكومة والمجتمع الصومالي.
ورأى المعهد الجنوب إفريقي للشؤون الدولية، في دراسة نشرها عام 2017، أن النشاط التركي في الصومال جمع المساعدات الإنسانية بالبنية التحتية والتجارة والدبلوماسية، وأسهم في توسيع حضور أنقرة في منطقة القرن الإفريقي.
اتخذ التضامن مع غزة مسارًا مختلفًا ارتبط بالسفن والقوافل والحشد الجماهيري، فقد تحولت سفينة “مافي مرمرة” إلى محطة رئيسية في مايو/أيار 2010، عندما هاجمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال مشاركتها في أسطول متجه إلى القطاع، وقتلت تسعة ناشطين أتراك، قبل وفاة ناشط عاشر عام 2014 متأثرًا بجراحه. ورسخت الحادثة داخل المجتمع التركي صورة عمل مدني يجمع تقديم المساعدات ومحاولة كسر الحصار والاحتجاج السياسي.
اتسعت عمليات الإغاثة بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023 عبر شحنات جوية وبحرية نقلت إلى ميناء العريش المصري. وفي مارس/آذار 2024 أعلن الهلال الأحمر التركي وصول “سفينة الخير” محملة بنحو 2737 طنًا من الغذاء والمياه والدقيق والملابس والخيام والمستلزمات الطبية.
ووصلت في أبريل/نيسان من العام نفسه السفينة التاسعة بحمولة 3774 طنًا، شملت 227 ألف طرد غذائي و826 طنًا من الدقيق ومواد إيواء ونظافة ومستلزمات للأطفال، بقيمة قدرتها المؤسسة بنحو 6.1 ملايين دولار.
وقالت رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ “آفاد” في أكتوبر/تشرين الأول 2025 إن إجمالي المواد التي أوصلتها المنظومة التركية إلى غزة تجاوز مئة ألف طن عبر 14 طائرة و16 سفينة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وأوضحت أن الحصيلة شملت مساهمات الهلال الأحمر والجمعيات والمؤسسات العامة والمواطنين، إلى جانب العمليات التي تولت الهيئة تنسيقها.
واصلت هيئة الإغاثة الإنسانية العمل على مسار الأساطيل، وعرضت في مارس/آذار 2024 سفينتين للمشاركة في تحرك بحري دولي، إحداهما للشحن والأخرى لنقل المتطوعين والعاملين الإنسانيين. وتعطل انطلاق الأسطول بعد مشكلات قانونية وتقنية تتعلق بتسجيل السفن وأعلامها، فيما استمرت حملات المساعدات الموجهة إلى القطاع.
وامتد هذا النمط في يوليو/تموز 2026 إلى “قافلة فلسطين”، التي أظهرت استمرار قدرة الشبكات التركية على جمع مشاركين من دول مختلفة وتنظيم تحركات برية عابرة للحدود. واختار المنظمون سربرنيتسا محطة رمزية في مسار القافلة، رابطين ذاكرة الإبادة في البوسنة بالحرب على غزة والدعوة إلى التحرك من أجل الفلسطينيين.
كيف تعمل الدبلوماسية الإنسانية التركية؟
تتأثر خريطة التضامن التركي بحجم الاحتياجات الإنسانية، إلى جانب الروابط الدينية والتاريخية والاهتمام الإعلامي وإمكان الوصول إلى مناطق الأزمات.
وقد شكلت البوسنة وفلسطين والشيشان والصومال والروهينغا محطات رئيسية في نشاط الجمعيات ذات المرجعية الإسلامية، فيما استقطبت الكوارث الطبيعية في باكستان وإندونيسيا حملات واسعة ركزت على الإغاثة العاجلة وإعادة الإعمار.
درس الباحثان حمدي زينغين وأوزغور كوركماز محددات المساعدات التركية إلى مئة دولة بين عامي 2005 و2016، في بحث نشرته دورية “نيو برسبكتيفز أون تركيا” عام 2019، وأظهرت النتائج ارتباط توزيع المساعدات بمستوى الفقر والاحتياجات الإنسانية.
كما تؤثر في توزيعها عوامل أخرى، بينها نشاط الشركات التركية والعلاقات التجارية والروابط العثمانية السابقة والتقارب الديني والانتماء إلى المجال التركي.
وتشير هذه النتائج إلى أن الاستجابة التركية تراعي حجم الاحتياجات الإنسانية، وتستفيد من الروابط التاريخية والاجتماعية وشبكات التعاون القائمة مع الدول المتلقية.

أصبح مفهوم “الدبلوماسية الإنسانية” خلال حكم حزب العدالة والتنمية إطارًا رسميًا لتقديم هذا الدور، إذ كتبت أستاذة العلاقات الدولية مليحة بنلي ألطونيشيك، في دراسة أصدرها معهد كريستيان ميكلسن النرويجي في سبتمبر/أيلول 2019، أن المفهوم عبّر عن توجه تركي يجمع الاستجابة الإنسانية مع دور دولي أكثر حضورًا في مناطق الأزمات.
ويقوم تنفيذ هذا الدور على تعاون بين مؤسسات الدولة والجمعيات المدنية، بما يحول حملات الإغاثة إلى مستشفيات ومدارس وطرق وبرامج تعليمية يستمر أثرها بعد انتهاء مرحلة الطوارئ.
وتوفر الحكومة التصاريح والقنوات الدبلوماسية والتنسيق والموارد الفنية، بينما تمتلك الجمعيات قواعد المتبرعين والمتطوعين والقدرة على الحشد والعمل الميداني.
وتختلف نتائج هذا النموذج وفق طبيعة كل ساحة، فقد أتاحت الشراكة مع الحكومة الصومالية تحويل المساعدات إلى مستشفيات وطرق وبرامج تعليم وتدريب، ثم اتسعت العلاقات التركية لتشمل التجارة والدبلوماسية والتعاون الأمني.
وفي البوسنة، رافقت مشروعات الإعمار والتراث والتعليم علاقات وثيقة ودعمًا تركيًا مستمرًا للدولة البوسنية. أما القيود المفروضة على الوصول إلى غزة، فرفعت وزن الشحنات البحرية والقوافل والتحركات الاحتجاجية والرمزية مقارنة بالمشروعات المستقرة على الأرض.
في المحصلة، تقوم قدرة تركيا على الحشد الإنساني على تكامل خبرة الجمعيات الميدانية مع قاعدة اجتماعية واسعة وإمكانات الدولة في النقل والتمويل والدبلوماسية.
وقد منح هذا التكامل المساعدات أثرًا مباشرًا في مناطق الأزمات، وعزز حضور تركيا الإنساني وعلاقاتها بالمجتمعات والدول المستفيدة. ويتفاوت حجم التحرك وفق مكانة كل قضية داخل المجتمع التركي وطبيعة الأزمة وإمكانية الوصول الميداني وشبكات التعاون القائمة مع البلد المعني.