• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

هل تستغل “إسرائيل” الزلزال لغرس مخالبها في فنزويلا تحت غطاء المساعدات؟

مجد جواد١ أغسطس ٢٠٢٦

وفد المساعدات الإسرائيلي برفقة رئيسة فنزويلا

شهدت فنزويلا مؤخرًا كارثة طبيعية مدمرة تمثلت في زلزالين مزدوجين، مما أسفر عن خسائر بشرية ومادية فادحة، سارعت “إسرائيل” إلى تقديم يد العون، مما أثار تساؤلات حول طبيعة هذه المساعدة وتأثيرها المحتمل على العلاقات الدبلوماسية المجمدة بين البلدين منذ عام 2009.

وصل فريق بحث وإنقاذ إسرائيلي مكون من 16 شخصًا إلى فنزويلا، وقدمت هذه الفرق الدعم في البحث عن الناجين، وتركيب فلاتر المياه، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، كما قامت شركة “سمارت إيد” بنشر فريق مكون من 17 عضوًا وركزت على توفير الطاقة الشمسية وتنقية المياه وخدمات الاتصال عبر “ستارلينك” للمخيمات والعيادات.

مغازلات سياسية تحت ستار الإغاثة

أطلت الرئيسة المؤقتة لفنزويلا، ديلسي رودريغيز، في مؤتمر صحفي لتعلن بوضوح عن وصول الفريق الإسرائيلي، واصفة إياه بأنه فريق “محترف ومدرب للغاية”، وهو ما اعتبره مراقبون إشارة إيجابية قوية تجاه تل أبيب.

ولم تكتفِ رودريغيز بالشكر، بل كشفت عن كواليس التنسيق، مشيرة إلى أن وصول الفريق جاء بفضل قناة تواصل ضمت الحاخام الأكبر لفنزويلا إسحاق كوهين، وبالتنسيق المباشر مع الحكومة الإسرائيلية والجالية اليهودية المحلية.

هذا الإعلان العلني عن التنسيق مع حكومة الاحتلال يعد تحولًا جذريًا في الخطاب الرسمي الفنزويلي الذي دأب لسنوات على مهاجمة “إسرائيل”، كما أعربت رودريغيز شخصيًا عن تقديرها لإرسال وفد يضم مهندسين عسكريين للمساعدة في تقييم سلامة المباني ووضع خطط إعادة الإعمار، وهي خطوة تتجاوز مفهوم الإغاثة الطارئة إلى التعاون الفني الاستراتيجي.

في المقابل، تلقفت تل أبيب هذه الإشارات بترحيب مماثل، حيث اعتبر المسؤولون الإسرائيليون أن هذا العمل الإنساني قد يفتح “جسرًا” جديدًا بين البلدين، وفي تصريح لافت، أكد يوتام بوليزر، الرئيس التنفيذي لمنظمة “إسرائيل إيد” (IsraAid)، أن “المأساة رغم قسوتها خلقت فرصة لبناء “جسر جميل” للتواصل”، مشيرًا إلى أن فريقه تمكن من العمل بهويته الإسرائيلية الكاملة دون أي عوائق.

من جهته، شارك وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رسائل شكر موجهة لرودريغيز، مؤكدًا أن الوفد الإسرائيلي يعبر عن “الالتزام الأخلاقي لدولة إسرائيل” بتقديم العون للشعوب المنكوبة، كما شدد شاحار زهافي، المدير المؤسس لـ “سمارت إيد”، على أن شكر الرئيسة المؤقتة لـ”إسرائيل” علنًا هو “الدليل القاطع” على نجاح الدبلوماسية “الإنسانية” في إظهار “وجه آخر لإسرائيل”، وهو وجه يسعى لتجاوز ثلاثين عامًا من الجفاء والقطيعة الدبلوماسية، على حد قوله.

هل تمهد المساعدات الإنسانية لتطبيع محتمل؟

تثير المساعدات الإنسانية الإسرائيلية لفنزويلا تساؤلات حول ما إذا كانت تمثل غطاءً لمد جسور العلاقات الدبلوماسية، فمن جهة، قالت منظمات الإغاثة الإسرائيلية إن دوافعها “إنسانية بحتة”، وإنها تهدف إلى “مساعدة المتضررين بغض النظر عن العلاقات السياسية”، ومع ذلك، لا يمكن فصل هذه المبادرات عن السياق السياسي الأوسع.

ويشير محللون إلى أن الكوارث الطبيعية غالبًا ما توفر فرصًا للدول لتحسين صورتها الدبلوماسية أو إعادة بناء الجسور مع الدول التي توترت العلاقات بينها. في حالة فنزويلا، حيث كانت العلاقات مجمدة، يمكن أن تكون هذه المساعدة بمثابة خطوة أولى نحو تطبيع محتمل.

وأشار روبرتو ميشكين، رئيس الجالية الأشكنازية في فنزويلا، إلى أن الحكومة الفنزويلية رحبت بالوجود الإسرائيلي، فيما كانت بعض الاحتجاجات المناهضة لـ”إسرائيل” محدودة التأثير، كما أن هناك سابقة لشحنات نفط فنزويلية إلى “إسرائيل” في فبراير/شباط الماضي، بعد 17 عامًا من القطيعة، مما يشير إلى وجود اتصالات غير رسمية أو رغبة في التقارب حتى قبل الزلزال.

هذا التقارب، وإن كان مدفوعًا جزئيًا بالحاجة الفنزويلية للمساعدة الدولية بعد الكارثة، يمكن أن يمهد الطريق لإعادة تقييم العلاقات الدبلوماسية بشكل أوسع.

لماذا قطعت فنزويلا العلاقات مع “إسرائيل” عام 2009؟

قطعت فنزويلا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في 14 يناير/كانون الثاني 2009، في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، جاء هذا القرار احتجاجًا على الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، المعروف باسم عملية “الرصاص المصبوب“، والذي أسفر عن مقتل حوالي 1000 فلسطيني، كانت هذه الخطوة جزءًا من سياسة تشافيز المناهضة لـ”إسرائيل” والداعمة للقضية الفلسطينية، والتي تضمنت أيضًا تعميق التعاون مع إيران.

تاريخيًا، كانت فنزويلا من أوائل الدول التي اعترفت بـ”إسرائيل” عام 1949، وكانت العلاقات بينهما قوية حتى وصول تشافيز إلى السلطة في عام 1999، ومع ذلك، بدأت العلاقات تتدهور تدريجيًا مع تصاعد الخطاب المناهض لـ”إسرائيل” من قبل تشافيز، وبلغت ذروتها بقطع العلاقات الدبلوماسية وطرد السفير الإسرائيلي.

كان هذا الموقف الدبلوماسي جزءًا من استراتيجية تشافيز لإعادة تموضع فنزويلا، حيث عمق علاقاته مع إيران في عهد محمود أحمدي نجاد، معتبرًا أن “إسرائيل” تعمل كذراع اغتيالات للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

هذا التوجه انعكس على الأرض من خلال تزايد الضغوط على الجالية اليهودية في فنزويلا، التي تعرضت كنسها مثل كنيس تيفيريت إسرائيل لهجمات وتدنيس في عام 2009، مما دفع الآلاف من أعضائها للهجرة، ليتقلص عددهم من 25 ألفًا إلى حوالي 5 آلاف فقط حاليًا.

بعد وفاة تشافيز، سار خلفه نيكولاس مادورو على النهج ذاته، وعمل على مأسسة هذا العداء وتحويله إلى ركيزة في سياسته الخارجية، كما أطلق مادورو برنامج “ياسر عرفات” للمنح الدراسية، الذي استقبل بموجبه مئات الطلاب الفلسطينيين لدراسة الطب في فنزويلا، وأرسل شحنات ضخمة من المساعدات الإنسانية إلى غزة خلال جولات الحرب المتكررة.

اتسم خطاب مادورو بحدة أكبر، حيث وصف العمليات الإسرائيلية في غزة بأنها أبشع حرب إبادة منذ عهد هتلر، واتهم مرارًا جهاز الموساد الإسرائيلي بالتورط في محاولات اغتياله وزعزعة استقرار بلاده بالتنسيق مع الاستخبارات الأمريكية.

ورغم هذه القطيعة الرسمية، كشفت تقارير أنه في عام 2020 أرسلت فنزويلا شحنة سرية من النفط الخام إلى “إسرائيل” عبر وسطاء، في خطوة فُسرت حينها بأنها محاولة براغماتية من نظام مادورو المنهك بالعقوبات لتأمين سيولة مالية، دون أن تؤدي تلك الخطوة إلى أي تقارب دبلوماسي معلن.

وعقب اعتقال مادورو مباشرة، خرجت ديلسي رودريغيز ووزير داخليتها ديوسدادو كابيلو ليتهموا “إسرائيل” بأنها العقل المدبر وراء العملية العسكرية الأمريكية، واصفين إياها بـ الهجوم الصهيوني، لكن، وبعد مرور أشهر قليلة وتحت وطأة كارثة الزلزال، تحول هذا الخطاب بشكل جذري إلى الترحيب والثناء على “احترافية” الفرق الإسرائيلية.

هل تستعيد “إسرائيل” علاقاتها مع فنزويلا؟

إن عودة العلاقات الدبلوماسية بين فنزويلا و”إسرائيل” مسألة معقدة تتأثر بعدة عوامل داخلية وخارجية، فمنذ اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني 2026، شهدت فنزويلا تحولًا سياسيًا كبيرًا، حيث تولت ديلسي رودريغيز الرئاسة المؤقتة، وقد أدت هذه التغييرات إلى انفتاح فنزويلا على المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي رفعت بعض العقوبات عن رودريغيز.

يمكن أن تكون المساعدات الإنسانية الإسرائيلية جزءًا من استراتيجية أوسع لفنزويلا لكسر عزلتها الدولية وجذب الاستثمارات والمساعدات، كما أن الجالية اليهودية في فنزويلا، التي حافظت على روابطها مع “إسرائيل”، تلعب دورًا في تسهيل هذه الاتصالات.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات عميقة تجعل من مسار التطبيع طريقًا محفوفًا بالألغام؛ فأنصار “التيار التشافيزي” والحرس القديم في الحزب الاشتراكي الموحد (PSUV) يعارضون بشدة أي تقارب مع الاحتلال، ويرون فيه خيانة صريحة لمبادئ “الثورة البوليفارية” التي أرساها هوغو تشافيز.

وقد تجلى هذا الرفض في خروج عشرات المتظاهرين في شوارع كاراكاس في يوليو/تموز 2026، رافعين شعارات تندد بمشاركة فرق الإنقاذ الإسرائيلية والأمريكية، ومطالبين الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز بـ”طردهم فورًا”.

كما برزت أصوات قيادية قوية تعكس هذا الانقسام داخل السلطة، حيث اتهم وزير الداخلية القوي ديوسدادو كابيلو، “إسرائيل” علانية بأنها كانت “العقل المدبر” خلف العملية العسكرية الأمريكية التي أدت لاعتقال نيكولاس مادورو في يناير 2026، واصفًا ما حدث بأنه “هجوم صهيوني”، كما أشرنا.

وفي برنامجه الشهير “Con el Mazo Dando”، انتقد كابيلو “حرب الدعاية” التي تستغل الكارثة، محذرًا من محاولات القوى الخارجية “غرس مخالبها” في فنزويلا تحت ستار المساعدات.

هذا الاستقطاب الحاد يشير إلى أن أي تقارب تقوده رودريغيز قد يواجه تمردًا من القواعد الشعبية والعسكرية التي لا تزال تدين بالولاء لإرث تشافيز، مما يجعل الوضع السياسي الداخلي غير مستقر وقابلًا للانفجار في وجه أي تغييرات جذرية في السياسة الخارجية.

والمؤشرات الحالية، مثل شحنات النفط والمساعدات الإنسانية، تشير إلى وجود رغبة من الجانبين في استكشاف إمكانيات التقارب، قد لا تعود العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل وفوري، لكن من المرجح أن تستمر الاتصالات غير الرسمية والتعاون في مجالات معينة، مما قد يمهد الطريق لعودة تدريجية للعلاقات في المستقبل.

علاماتاقتصاد فنزويلا ، الاحتلال الإسرائيلي ، التطبيع مع إسرائيل ، العلاقات الأمريكية الفنزويلية ، العلاقات الإسرائيلية الفنزويلية
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الانقلاب في فنزويلا ، التطبيع ، الشأن الفنزويلي ، زلزال فنزويلا

قد يعجبك ايضا

سياسة

من ذاكرة سربرنيتسا إلى قوافل غزة.. كيف بنت تركيا شبكة تضامن عابرة للحدود؟

خالد أصلان٣١ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

دول الخليج تواجه مأزق الحرب: إجماع على النهاية واختلاف على السبيل

دانييلا تشيسلو٣١ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

الليلة التي تغيرت فيها تونس: كيف دُمرت الديمقراطية الوحيدة في الربيع العربي؟

فيصل إدروس٣٠ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑