• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

فلسفة نتنياهو تجاه فلسطين تنكشف أخيرًا

أساف شارون١ أغسطس ٢٠٢٦

بنيامين نتنياهو يلقي خطاباً أمام الكنيست ويعارض دعم رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين لاتفاقيات أوسلو ومنظمة التحرير الفلسطينية في القدس في 21 سبتمبر/ أيلول 1993.

ترجمة وتحرير نون بوست

في عام 1978، شرح بن نيتاي – الاسم الأمريكي الذي استخدمه حينها بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل الحالي، وكان يبلغ من العمر 28 عامًا – أمام جمهور في بوسطن أن “العقبة أمام طريق السلام هي هذا المطلب بإقامة دولة لمنظمة التحرير الفلسطينية”؛ ومنذ ذلك الحين، أصبحت مهمته في الحياة منع ذلك.

فعل نتنياهو كل ما بوسعه لنزع الشرعية عن عملية أوسلو وإفشالها في تسعينيات القرن الماضي، أولاً كزعيم لمعارضة جهود رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين للسلام، ثم كخلف له بعد اغتياله، وعندما عاد إلى السلطة عام 2009، كانت مهمته الأولى هي عرقلة جهود إدارة أوباما التفاوضية، وبعد الفشل المتوقع لمحاولة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري التوسط للسلام عام 2013، عمل إزالة القضية الفلسطينية بأكملها من جدول الأعمال.

وفي العِقد التالي، تخلى نتنياهو حتى عن التظاهر بالتفاوض، معلنًا عام 2015: “لن تكون هناك دولة فلسطينية في عهدي”. واقتصر تعامله مع السلطة – التي كانت تعتبر الشريك المحتمل – على شلها ماليًا وتقويض شرعيتها، بينما كانت حكوماته تزرع المستوطنات في عمق الأراضي الفلسطينية، مما جعل التقسيم أكثر صعوبة والعنف أمرًا لا مفر منه. وتشمل حكوم نتنياهو الحالية، التي تشكلت عام 2022، أكثر العناصر تطرفًا في إسرائيل، والتي كانت حتى وقت قريب منبوذة في السياسة الإسرائيلية، والتي تدعو علنًا إلى إعادة توطين سكان غزة وسوريا وإلى التطهير العرقي للفلسطينيين.

ويسعى نتنياهو في حربه على غزة إلى هدف أساسي واضح يضر بالمصلحة الإستراتيجية لإسرائيل أكثر مما ينفعها، وهو عدم السماح للفلسطينيين المعتدلين، ولا سيما السلطة الفلسطينية، بأي موطئ قدم هناك، حتى لو كان ذلك يعني ترك حماس في السلطة، وقد رفضت إسرائيل العديد من المقترحات المتعلقة بإرسال قوة دولية لتحقيق الاستقرار، والتي كانت ستعمل على إعادة إعمار غزة ونزع سلاح حماس، لأنها تضمنت خطوات نحو السيادة الفلسطينية. وعندما اقترحت حماس نفسها التنازل عن السيطرة على غزة للسلطة الفلسطينية، سرعان ما رفض نتنياهو الفكرة.

ولم تكن سياسة التعطيل التي ينتهجها نتنياهو – والذي يلتقي هذا الأسبوع مجددًا بمسؤولي إدارة ترامب في واشنطن – لأجل تحقيق حل بديل؛ فقد كان نجاحها يعتمد دائمًا على إخفاء هذا العجز الجوهري. لكن إفلاس إستراتيجية نتنياهو الفلسطينية – لسوء حظه وسوء حظ إسرائيل – قد انكشف الآن؛ فقد فشلت إسرائيل في غزة، وتورطت في لبنان، وأشعلت المنطقة بأسرها وقلبت الاقتصاد العالمي رأسًا على عقب بعد أن جرّت الولايات المتحدة إلى مأزق في الخليج. والآن، يبدو أن إيران هي التي تملك اليد العليا بينما أصبحت إسرائيل أكثر عزلة من أي وقت مضى.

ويُعد كل هذا فشلًا استراتيجيًّا غير مسبوق. ومع ذلك، لا يزال من الممكن تحقيق نتيجة أفضل. لكن تحقيقها يستلزم الاعتراف بفشل نهج نتنياهو، الذي أدى إلى المأزق الحالي، واستبداله.

رفع مستوطنون إسرائيليون العلم الإسرائيلي خلال حفل افتتاح مستوطنة جديدة على جبل طاروسة، في الضفة الغربية المحتلة، في 16 يونيو/حزيران.

ويمكن تلخيص النهج الأساسي لنتنياهو تجاه الصراع على النحو التالي: الوضع القائم اليوم، هو الوضع القائم غدًا، وهو الوضع القائم إلى الأبد.

ورغم أنه يساير أوهام اليمين المتطرف بشأن الضم، إلا أن نتنياهو لم يتبنَّها قط؛ فهو أكثر واقعية وعلمانية من أن يأخذ الرؤى المسيانية التي تحرك متطرفي “إسرائيل الكبرى” على محمل الجد، وهم دعاة التفوق اليهودي الذين يؤمنون بأن على إسرائيل أن تسيطر على كامل فلسطين التاريخية، وأنه بمزيد من العنف وبعض التدخل الإلهي، يمكن إجبار الفلسطينيين على القبول بوضعهم كرعايا غير مواطنين في أرضهم.

ويعرف نتنياهو كيف يكسب دعمهم لكنه لا يشاركهم أوهامهم، ورغم أن الحديث عن الضم الفعلي للضفة الغربية أصبح شائعًا، فإن الحقيقة تبقى أن حكومات نتنياهو لم تقترح قط بشكل جدي ضم الضفة الغربية، ناهيك عن غزة، رغم الضغط المستمر من قاعدته الانتخابية.

ويقوم نهج نتنياهو على افتراضين: أن الوضع القائم أفضل من البديل، وأن الوضع القائم في الواقع ثابت. أما الوضع البديل، أي التقسيم، فهو من وجهة نظر نتنياهو- التي تبلوت عندما كانت الأردن والعراق لا تزالان تهديدين كبيرين – يعادل تدمير إسرائيل، وبسبب إدراكه أنه لا يوجد بديل قابل للتطبيق لحل الدولتين، يتمسك بالوضع القائم.

وتُعد سياسة نتنياهو في “إدارة الصراع” هي التعبير الإستراتيجي عن هذا التصور؛ فهي لا تقوم على فكرة أن حل الصراع غير ممكن حاليًا، كما يعتقد كثيرون، بل على قناعة بأنه غير ضروري على الإطلاق.

وكما قال مساعد نتنياهو السابق وخصمه الحالي نفتالي بينيت، فإن القضية الفلسطينية هي “شظية في المؤخرة”، أي أنها مزعجة لكنها غير قاتلة. وبمزيج من القوة وتكتيكات الإدارة الذكية، يمكن لإسرائيل أن تواصل السيطرة على ملايين الفلسطينيين المحرومين من حقوقهم إلى أجل غير مسمى. وتتمحور هذه التكتيكات حول تقسيم فلسطين إلى بلدات في الضفة الغربية تديرها سلطة فلسطينية ضعيفة ومقوضة باستمرار، إضافة إلى شريط يمثل سور سجن في غزة تسيطر عليه حماس، يتم احتواؤه بمزيج من الدولارات القطرية والضربات الإسرائيلية الدورية.

ورغم قلة المشاركين لهذه الافتراضات في المجتمع الدولي، إلا أن العديد من السفراء الغربيين والمفاوضين ووزراء الخارجية ورؤساء الدول كانوا مستعدين للانصياع لها. ففي ديسمبر/ كانون الأول 2016، أعلن كيري أن حل الدولتين في “خطر جسيم” وأن عملية السلام مجمدة فعليًا، وتحولت إدارة أوباما من التوسط للسلام إلى إدارة الصراع، أما إدارة ترامب اللاحقة فقد تخلت صراحة عن إطار حل الدولتين التقليدي في دبلوماسية الشرق الأوسط، واستبدلته بمبادرة “السلام من أجل الازدهار”، التي تخلت عمليًا عن الاستقلال الفلسطيني مقابل استثمارات اقتصادية ضخمة، ولم يدفع الرئيس الأمريكي جو بايدن بجدية نحو استئناف المفاوضات، معلناً أن “الظروف ليست مواتية”، وتبعت الدول الغربية ومعظم الدول العربية خطى الولايات المتحدة، معلنة التزامها بحل الدولتين لكن دون بذل أي جهد حقيقي لتحقيقه.

وبعد عقود من المحاولات الفاشلة والآمال المحطمة، شعر كثيرون بالارتياح تجاه تجاهل النزاع الدموي المستعصي، وتحولت عملية السلام من خطة عمل إلى عبارة شكلية، وابتعد المثقفون والمعلقون عن الواقع السياسي المعقد، وبدأوا يتلاعبون بأفكار “إبداعية” وأطر “مفاهيمية”. وتم التخلي عن حل الدولتين، الذي كان متينًا وإن كان مستهلكًا، لصالح سراب “الدولة الثنائية القومية”، وتم وضع القضية الفلسطينية على الرف لعقد كامل.

فلسطينيون يغادرون مركز لتوزيع حزم المساعدات الإنسانية في غزة في 30 سبتمبر/ أيلول 2025.

وتحطمت هذه الأوهام بشكل مدوٍ في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. فقد شكّل هجوم حماس المفاجئ دليلًا دامغًا على أن الصراع يمكن تأجيله لكنه لا يمكن دفنه، وأنه أبعد ما يكون عن الجمود. وقد فجّر الانهيار المؤلم لوهم الاستقرار موجة من العدوان في إسرائيل، وبمساندة إدارة أمريكية ضعيفة، اختارت إسرائيل أن تنزل انتقامها بالشعب في غزة بدلًا من إزالة التهديد الذي تمثله حماس، وهذا يمثل تحولًا ملحوظًا في نهج إسرائيل تجاه المنطقة وأمنها الداخلي.

وكانت إسرائيل قد اضطرت منذ تأسيسها إلى مواجهة أعداء يرفضون حقها في الوجود ذاته، وقبل إعلان الاستقلال، أعدّ مؤسس الدولة وأول رئيس وزرائها، ديفيد بن غوريون، الدولة الناشئة لمواجهة أعدائها، لأنه كان يعلم أنهم سيهاجمونها على جبهات متعددة. وجعل جميع من خلفوه الأمن أولوية قصوى لهم؛ فقد أدركوا أهمية الحفاظ على التفوق العسكري، لكنهم كانوا يعلمون أيضًا أن القوة العسكرية وحدها لن تجعل منها ملاذًا آمنًا. ففي منطقة الشرق الأوسط المعادية، تُعد القوة وسيلة لا غنى عنها، لكن الهدف النهائي كان الاندماج والتعايش السلمي.

وجاء أحد أبرز التعبيرات عن هذا الموقف من الصهيونية التصحيحية التي نشأ نتنياهو في كنفها؛ فقد كان والده من أتباع مؤسسها زئيف جابوتنسكي، الذي نشر عام 1923 مقالاً بعنوان “الجدار الحديدي”. وأعلن فيه أن أهداف الصهيونية لا يمكن تحقيقها إلا على أساس التكافؤ والسلام مع عرب فلسطين، ورأى أن التغلب على عدائهم الطبيعي يتطلب إقامة “جدار حديدي” من القوة اليهودية، يبدد أي أمل في القضاء على القومية اليهودية، وبمجرد أن تتلاشى مثل هذه الطموحات، ستظهر أصوات معتدلة وتصبح الاتفاقات ممكنة.

غير أن إسرائيل أخفقت مرارًا في الالتزام بهذه المبادئ، مفضلة التوسع الإقليمي والهيمنة العرقية على فرص السلام، وما يميز نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة هو رفض السعي وراء هذا الهدف أو حتى التطلع إليه.

كان جابوتنسكي وبن غوريون يتوقان إلى زمن “يتمكن فيه الشعبان من العيش معًا بسلام كجيران طيبين”، كما قال الأول. أما المبرر السياسي لوجود نتنياهو فهو القضاء على أي احتمال لمثل هذه النتيجة.

وعندما قادت إستراتيجيته القائمة على الجمود إلى أكثر الأيام دموية لليهود منذ المحرقة، لجأ نتنياهو اليائس، محاطًا برؤساء أجهزته الأمنية فاقدي المصداقية، إلى الوحشية. وبعد أيام من المجزرة، قال لي رئيس سابق لجهاز الشاباك إنه لا يوجد شيء أخطر من جنرالات جُرح كبرياؤهم. وسرعان ما تحولت ردّة الفعل الوحشية لهذا الكبرياء المجروح إلى عقيدة إستراتيجية: القضاء على كل تهديد، وتدمير كل عدو، واستخدام أكبر قدر من القوة لأطول فترة ممكنة حتى يُمحى الجميع من على وجه الأرض.

الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، ووزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، يقفون مع جوائز نوبل للسلام في أوسلو في 10 ديسمبر/ كانون الأول 1994.

في أيام عملية أوسلو، كان شمعون بيريز، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، يتحدث عن بزوغ “شرق أوسط جديد”، وكان نتنياهو وأصدقاؤه في اليمين الإسرائيلي يسخرون من بيريز باعتباره أحمق واهم، لكنهم بدأوا يستخدمون المصطلح ذاته منذ السابع من أكتوبر /تشرين الأول. غير أن “شرقهم الأوسط الجديد” لا يصور إسرائيل كحمل بريء يعيش بسلام بين الذئاب، بل باعتبارها الذئب الإقليمي ذاته. ومن دون قيود القانون الدولي أو مراعاة مصالح وحقوق الآخرين أو حتى الأخلاق العامة، تفرض إسرائيل نفسها كقوة مهيمنة إقليمية عبر عدوان عسكري غير مقيّد.

وليس من المستغرب أن يكون استبدال الإستراتيجية بالهجوم العشوائي كارثة كاملة، فرغم الحصيلة المروعة من القتلى والدمار في غزة، لا تزال حماس القوة المهيمنة في القطاع. ويواصل حزب الله استهداف شمال إسرائيل من لبنان وإيقاع خسائر يومية في صفوف القوات الإسرائيلية.

وقد أجج هذا الفشل حماسة نتنياهو لمهاجمة إيران، فالجمهورية الإسلامية توفر له تبريرًا لفشله، وإذا كان وعده بـ”النصر الكامل” يتعثر، فذلك لأن “رأس الأخطبوط”، كما وصف إيران، لا يزال سليمًا؛ فإيران هي التهديد الأكبر، والطريقة الوحيدة للتعامل مع التهديدات هي قصفها حتى الفناء.

إن القضاء على إيران هو مخرج نتنياهو من الطريق المسدود الذي قاد إسرائيل إليه، فبتر رأس الأخطبوط سيضعف أذرعه ويمهد الطريق للعودة إلى الوضع القائم الذي يطمح إليه، ومع إزالة داعميها الإيرانيين، ستُشل القوى التي تواجه إسرائيل، وستكون قادرة على مواصلة احتلالها.

بعد عام من هجمات 11 سبتمبر/ أيلول؛ كان نتنياهو قد أعلن أمام الكونغرس: “إذا قضيتم على صدام، وعلى نظام صدام، فأنا أضمن لكم أن ذلك سيكون له تداعيات إيجابية هائلة على المنطقة”. وقد كانت هناك تداعيات بالفعل، لكن القليل منها كان إيجابيًا. وهو الآن يروج للنهج ذاته تجاه إيران، والسبب الوحيد لعدم حدوث عواقب مدمرة مماثلة حتى الآن هو أن المحاولة لم تنجح بعد؛ فقد أثبت النظام الإيراني أنه أكثر صلابة مما يعتقد نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن المرجح أن يخرج من الصراع أقوى مما دخله.

نتنياهو، الذي يشغل حاليًا منصب رئيس الوزراء، يدلي بشهادته في واشنطن يوم 12 سبتمبر/ أيلول 2002 بشأن الصراع بين إسرائيل والعراق.

إن الفشل الذريع في الخليج يُجبرنا على إعادة النظر في المسار الذي لم يُسلك؛ أي البديل الذي صُممت إستراتيجية نتنياهو لإحباطه.

وفي عام 2002، انضم جميع أعضاء جامعة الدول العربية، البالغ عددهم 22 دولة، إلى “مبادرة السلام العربية”، والتي اقترحت التطبيع الكامل للعلاقات مع إسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. لقد شكل هذا المقترح، الذي أكدت عليه جامعة الدول العربية مراراً وتكراراً، اختراقاً تاريخياً كان من شأنه توفير إطار لتحالف يضم القوى الإقليمية المعتدلة نسبياً والتي تشمل السعودية ومصر والأردن وقطر والمغرب والإمارات. ولا يزال مثل هذا التحالف هو السبيل الأفضل لكبح جماح الطموحات النووية الإيرانية ومواجهة الأطراف المتطرفة الأخرى في المنطقة.

وقد رفضت إسرائيل المبادرة رفضاً شبه تام. وفي ظل وقوع بعض أشد الهجمات التي شهدتها الانتفاضة الثانية والتي هزت المدن الإسرائيلية بعد الإعلان عن المبادرة، فقد كان من الممكن أن يكون التوقيت أفضل. ورغم العديد من الاضطرابات الصعبة، لم يتم سحب المبادرة طوال ما يقارب ربع قرن. وعندما أعلن ترامب عن خطته “السلام من أجل الازدهار” في عام 2020 (وهي مغامرة خيالية أخرى حث عليها نتنياهو)، جددت جامعة الدول العربية التأكيد على مبادرة السلام العربية باعتبارها الإطار الوحيد القابل للتطبيق. وحتى بعد الدمار الهائل الذي لحق بغزة، اقترح القادة العرب إعادة تفعيل المبادرة. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي اكتفى بإبداء تأييد شكلي للمبادرة، واصفاً إياها بأنها تحتوي على “عناصر إيجابية”، لكنه رفض الانخراط فيها.

الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى (إلى اليسار) ووزير الخارجية اللبناني محمود حمود (إلى اليمين) خلال اجتماعهما في بيروت في 25 مارس/آذار 2002.

ولا يمكن أن يكون هناك تعبير أفضل عن عقيدة الجدار الحديدي من مبادرة السلام العربية. فلماذا إذن لا تلقى هذه المبادرة أي قبول في السياسة الإسرائيلية؟ كما يدرك أي مراقب للشأن الإسرائيلي، فإن الإجابة البديهية هي المطالبة بإنهاء السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية واستبدالها بحكم ذاتي فلسطيني.

ورغم أن الغالبية العظمى من الخبراء الأمنيين في إسرائيل يقرون بأن التقسيم هو الحل طويل الأجل الوحيد القابل للتطبيق، إلا أن سياسات نتنياهو القائمة على نزع الشرعية عن القضية الفلسطينية جعلت الجهر بذلك شكلاً من أشكال الانتحار الاجتماعي والمهني. فبعد سنوات من الوسطية المنهكة، التي بُنيت على التجنب المتعمد للقضية الفلسطينية، بالكاد يجرؤ أي شخص في المعارضة على ذكر الدولة الفلسطينية علناً -على الرغم من أن الكثيرين يؤيدونها سراً-. وهذا يشكل سبباً، وليس نتيجَة، لتحول الرأي العام بعيداً عن حل الدولتين.

إن هوس إسرائيل باحتلال الأراضي الفلسطينية والاستيطان فيها يملي عليها رفض أي فرصة للسلام والاندماج، وقد أدى ذلك إلى تحويل إسرائيل إلى دولة مارقة، تعيث فساداً في محيطها وتدمر نفسها في هذه العملية.

ومن المؤكد أن معارضة وجود إسرائيل لا تنبع فقط من محنة الفلسطينيين. ومن غير المرجح أن يتلاشى عداء الجمهورية الإسلامية تجاه الدولة اليهودية مع حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وكذلك الأمر بالنسبة لعداء الجهات المتطرفة الأخرى في المنطقة، مثل حزب الله والحوثيين والفصائل الفلسطينية المتشددة، سواء كانت قومية أو إسلامية، تمامًا كما أن وقف العنف الفلسطيني لن يخمد على الأرجح طموحات التفوق العرقي لدى بعض الإسرائيليين. ومع ذلك، يظل حل القضية الفلسطينية الشرط الأكثر حسمًا لتحقيق الاستقرار الإقليمي.

إن تداعيات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، التي استدعت تورط الولايات المتحدة وأحدثت اضطراباً في الاقتصاد العالمي، تُعد تذكيراً صارخاً بأن هذه ليست مسألة محلية. فالمنطقة، التي تشكلها الفصائل بما لا يقل عن الحدود الوطنية، تشبه صربيا في عام 1914 أكثر مما تشبه يوغوسلافيا في عام 1990؛ فكل شيء يبدأ محلياً، ولكن لا شيء يظل محلياً، لا سيما الحروب.

والآن، تقلب الحرب المنطقة رأساً على عقب وتتردد أصداؤها حول العالم، بدءاً من محطات الوقود في كاليفورنيا وإغلاق المدارس في الفلبين، وصولاً إلى مكانة حلف الناتو وجزر فوكلاند. إن تعنت إسرائيل يجر حلفاءها وجيرانها نحو الهاوية، مما يعطل التجارة العالمية ويزعزع استقرار نظام دولي هش أصلاً.

فلبينيون يتظاهرون ضد التدخل الأمريكي والإسرائيلي في إيران أمام السفارة الأمريكية في مانيلا بالفلبين في 3 مارس/آذار.

وما كان لأي من هذا أن يحدث لولا الدعم والتسهيل من قِبل واشنطن وأوروبا. وسواء كان ذلك بنشاط أو بسلبية، فإن التدليل على الهستيريا القومية الإسرائيلية في عهد نتنياهو قد ساهم في القضاء على معسكر السلام الإسرائيلي، ويسّر سيطرة نتنياهو على الرأي العام الإسرائيلي إلى الحد الذي يجعل حتى منافسيه لا يجرؤون على تحدي نهجه الفاشل في الأمن القومي. إن تنمر نتنياهو على كل طرف إقليمي، صديقاً كان أو عدواً، أدى إلى تقويض أمن إسرائيل، والنيل من مكانتها الدولية، وتحطيم صورتها الأخلاقية. وإن العقيدة التي ترسخت في العقل الإسرائيلي في أعقاب السابع من أكتوبر/تشرين الأول -وهي أن جميع التهديدات يمكن ويجب القضاء عليها بالقوة وحدها- تدفع إسرائيل إلى التمادي في ذلك، مما يولّد عداوة بوتيرة أسرع من قدرتها على سحقها. وهي حقيقة نأمل أن تدركها عقول الإسرائيليين مع توجه البلاد نحو الانتخابات في الخريف.

غير أنه يجب على الأطراف الدولية أيضًا أن تستخلص الدرس؛ فالصراع الإسرائيلي الفلسطيني يمثل مشكلة، وهو مشكلتهم أيضًا. إن استمرار إراقة الدماء بين النهر والبحر ليس مجرد ألم لنا نحن الذين قدر لنا أن نعيش معاً على هذه الأرض المنكوبة. إنه تهديد إقليمي وعالمي، ولا يمكن تجاهله إلا على حساب خطر أكبر في المستقبل. إن احتواء التهديد الإيراني والحد من خطر اندلاع صراع آخر يتوقفان على إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية، والعقبة الرئيسية أمام ذلك هي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

أما نحن الذين لم ننخدع أبدًا بالوهم القائل بأن الصراع يمكن إدارته، والذين حذرنا من أن الوضع الراهن ليس جامداً ولا مستقرًا، فنحن نعلم الآن أن المسار الحالي لا يبشر إلا بالكارثة؛ فلا تزال غزة كارثة مستمرة. وقد تحول القمع والتهجير في الضفة الغربية إلى تطهير عرقي سافر ترعاه الدولة. ولا يمكن أن ينتهي هذا إلا بكارثة، قد تجعل أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول تبدو وكأنها مجرد مقدمة.

طفل فلسطيني يتلقى طعاماً ساخناً من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين في غزة في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

ليس أي من هذا يعد أمراً حتمياً، لكن التوصل إلى نتيجة مختلفة يتطلب نهجاً مختلفاً جذرياً. أولاً، يجب استبدال الإطار الثنائي بآخر إقليمي. ولا ينبغي أن يعني ذلك توسيع اتفاقيات أبراهام، التي لم تكن سوى محاولة فاشلة لتجاوز القضية الفلسطينية. بل يجب أن يضع النهج الإقليمي فلسطين في المقام الأول، وأن يستقطب دول المنطقة لتوفير الضغط اللازم والضمانات الأمنية الموثوقة للطرفين. وينطبق هذا على كل من عملية التفاوض ومضمون أي اتفاق محتمل.

ويظل الإطار الإقليمي الوسيلة الوحيدة القابلة للتطبيق للتغلب على العقبة الرئيسية، ألا وهي تقديم الضمانات التي لا تعتمد على الثقة المتبادلة. فبعد صدمة السابع من أكتوبر/ تشرين الأول والوحشية التي تعرضت لها غزة، لم يعد لدى الإسرائيليين والفلسطينيين أي رغبة في سماع الحديث عن السلام. لكن المأزق المستمر وإدراك أن السياسة الحالية القائمة على أقصى درجات العدوان في كل الأوقات لم تحقق شيئاً، سيفرضان حتماً لحظة محاسبة في مرحلة ما. وتظل أيديولوجية “إسرائيل الكبرى” غريبة عن معظم الإسرائيليين، وإذا كانوا يعارضون التحرر الفلسطيني، فذلك لأنهم اقتنعوا بأن ذلك يشكل خطراً على أمنهم.

إن البديل ليس العودة إلى الاستقرار الوهمي للصراع المُدار أو إلى وهم الدولة ثنائية القومية، فقد انتهت صلاحية تلك الخيارات في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وينطوي الاستمرار على المسار الحالي على ترسيخ أعمق للانقسام، واتساع رقعة المواجهة، وإدراك لا بد منه -بتكلفة باهظة للغاية- مفاده أنه مهما بلغت القوة النارية، فلن تستطيع طمس ما يجب التفاوض بشأنه في النهاية.

ةمثل الخطيئة القديمة أو المرض المزمن، كلما تم قمع الصراع، كلما عاد إلى الظهور بشكل أكثر عنفاً. والسؤال ليس ما إذا كانت لحظة الحساب ستأتي أم لا، بل ما إذا كانت ستأتي عن قصد أم عن طريق كارثة.

المصدر: فورين بوليسي

علاماتالاحتلال الإسرائيلي ، الضفة الغربية ، حكومة نتنياهو
مواضيعترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

التدفق الكبير نحو سبتة.. هجرة جماعية أم عقاب سياسي لحكومة سانشيز؟

عماد عنان١ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

هل تستغل “إسرائيل” الزلزال لغرس مخالبها في فنزويلا تحت غطاء المساعدات؟

مجد جواد١ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

من ذاكرة سربرنيتسا إلى قوافل غزة.. كيف بنت تركيا شبكة تضامن عابرة للحدود؟

خالد أصلان٣١ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑