• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

أمريكا تتجاهل استهداف المستوطنين لمواطنيها في الضفة

سفيان طه٦ أغسطس ٢٠٢٦

علم أمريكي يرفرف فوق منزل فلسطيني في بلدة ترمسعيا بالضفة الغربية المحتلة.

ترجمة وتحرير: نون بوست

عقب زيارات السفير الأمريكي مايك هاكابي إلى مستوطنة “شيلو” الإسرائيلية المجاورة، شهد الأمريكيون الفلسطينيون في بلدة ترمسعيا ارتفاعًا مرعبًا في حدة الهجمات.

تقع “المنطقة المحرمة” في ترمسعيا عند نقطة التماس التي تنتهي عندها الأعلام الأمريكية لتبدأ الأعلام الإسرائيلية؛ وهي بضع مئات من الأمتار من أراضٍ تفحمت بلهيب زجاجات الملوتوف، والتي وضع المستوطنون الإسرائيليون في منتصفها صخرة ضخمة ليوجهوا رسالة صريحة لأهالي القرية الفلسطينيين: “هذه أرضنا الآن”.

وعلى أحد جانبي تلك الصخرة، ترتفع المنازل الفارهة المبنية من الحجر الأبيض، حيث يقطن سكان ترمسعيا الفلسطينيون. ويحمل نحو 80 بالمئة منهم الجنسية الأمريكية، وهم أفراد من الجالية الفلسطينية في نيويورك وشيكاغو وباترسون بولاية نيو جيرسي، يعودون في العطلات الصيفية برفقة أبنائهم لربطهم بالثقافة الفلسطينية وتعليمهم اللغة العربية. ويُعرّف كثير منهم أنفسهم كوطنيين أمريكيين فخورين، يرفعون علم “النجوم والخطوط” الأمريكي فوق شرفات منازلهم.

دورية لسيارة جيب عسكرية إسرائيلية تجوب بؤرة استيطانية غير قانونية أقامها مستوطنون إسرائيليون بعد استيلائهم على أراضٍ زراعية خاصة يملكها أهالي ترمسعيا

وعلى الجانب الآخر، تقع بؤرة استيطانية إسرائيلية غير قانونية تتألف من كرفانات من الصفيح المضلع وأكواخ يقطنها شبان يزعمون أن الضفة الغربية بأكملها أرض يهودية.

وتتوسع هذه البؤر انطلاقًا من مستوطنة “شيلو” الجبلية المطلة على الوادي، والتي باتت مقصدًا لأمريكيين يبحثون عما يصفونه بالعاصمة الدينية والروحية الأولى لليهودية قبل بناء الهيكل الأول. وقد زار مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مستوطنة شيلو، التي تؤكد الأمم المتحدة أن وجودها يشكل انتهاكًا للقانون الدولي، مرتين خلال العامين الماضيين.

أشرف رابي في مزرعته لتربية الخيول العربية الأصيلة في ترمسعيا، ويعرب عن قلقه من أن يلحق المستوطنون الذين يهاجمون القرية الأذى بخيوله

ولا تغيب المفارقة الساخرة عن أهالي المنطقة؛ إذ تدعم الولايات المتحدة مستوطنين يطالبون بالضفة الغربية كملك لهم، في حين تسهم أموال أمريكية، عبر جمعيات خيرية يهودية والميزانية الأمريكية المخصصة لدعم الجيش الإسرائيلي، في تمويل الاستيلاء الإسرائيلي على الأراضي. وبناءً على الروابط الوثيقة بين “شيلو” والولايات المتحدة، يرجّح السكان أن بعض المعتدين على ترمسعيا قد يكونون مواطنين أمريكيين مثلهم.

ويقول ياسر القام، وهو محامٍ شبه متقاعد في قانون الأسرة من ترمسعيا عاش 35 عامًا في أناهيم بولاية كاليفورنيا ويتولى حاليًا رئاسة مجلس القرية: “في فلسطين وحدها ستجد مواطنين أمريكيين يغزون مواطنين أمريكيين آخرين للاستيلاء على أراضيهم”. ويضيف: “ليست هناك مواجهة متكافئة؛ طرف يهاجم، وطرف آخر يدافع بما يتوفر لديه من إمكانيات محدودة”.

ياسر القام، رئيس مجلس القرية الذي عاش في الولايات المتحدة لمدة 35 عامًا، يشير إلى “المناطق الساخنة” التي يهاجم فيها المستوطنون المتطرفون أصحاب الأراضي الفلسطينيين

العنف هنا لا يهدأ؛ فمع حلول الليل، يجوب المستوطنون أزقة القرية بمركبات الدفع الرباعي لإرهاب الأهالي؛ يطلقون الأعيرة النارية، ويتصادحون بالصراخ، ويسلطون أضواء كشافاتهم عبر النوافذ. وفي هجوم أخير استهدف عائلة تقطن على أطراف القرية، خطّ المستوطنون بطلاء الرش كلمة “الانتقام” على جدار المنزل.

ومن بين المتهمين بشن هذه الهجمات وممارسة الترهيب، يُبرز اسم “أميشاف ميليت”، الذي قُتل شقيقه في مواجهة عقب اقتحام مستوطنين لقرية فلسطينية أخرى الأسبوع الماضي. ورغم نفيه أي صلة له بعنف المستوطنين، أعلن ميليت علانيةً إيمانه بوجوب استعادة اليهود للضفة الغربية بأكملها. 

أميشاف ميليت، الذي أعلن علنًا اعتقاده بوجوب استعادة اليهود للضفة الغربية بأكملها، وتوجه إليه اتهامات بممارسة العنف والترهيب

وعن ميليت، يقول القام: “لديّ صوره، وأنا على يقين من أن لديه صوري واسمي؛ فهو يعرفني وأنا أعرفه… وأغلب الظن أنه ينتظر اللحظة المواتية للنيل مني”.

وفي الوقت الذي تصب فيه إدارة ترامب جام اهتمامها على الملف الإيراني، وجد الاستيلاء الإسرائيلي المتسارع على أراضي الضفة الغربية نصيرًا حماسيًا في شخص السفير هاكابي؛ إذ يُعد السفير الأمريكي، وهو مسيحي إنجيلي، من أشد الداعمين للمزاعم اليهودية في الأراضي المحتلة التي يطلق عليها المستوطنون “يهودا والسامرة”.

وكان هاكابي قد خاطب المستوطنين عام 2025 قائلًا: “الرئيس ترامب يعشق هذه الأرض. أنتم لستم وحدكم؛ نحن نقف إلى جانبكم، ومعنا الكثيرون حول العالم. ومن لا يقف معكم، فهو لا يقف مع الله”.

وعند اندلاع الهجمات، يلوذ القام بسفارة هاكابي طلبًا للحماية. ويرى أن المسؤولين الأمريكيين قدموا يد العون في بعض الأحيان، كان أحدثها أواخر يوليو/تموز الماضي، حين احتلت قوات الجيش الإسرائيلي منزل طبيب من مدينة سيراكيوز كائن في القرية، وهو المنزل ذاته الذي استضاف عضو الكونغرس الديمقراطي رو خانا خلال زيارته لترمسعيا في وقت سابق من الشهر نفسه. مؤكدًا أن السفارة الأمريكية “لعبت دورًا محوريًا” في إرغام الجيش على الخروج من المنزل.

إلا أن تسعة أمريكيين فلسطينيين لقوا حتفهم في الضفة الغربية منذ عام 2022 على يد مستوطنين أو برصاص الجيش الإسرائيلي، وغالبًا ما تقف الولايات المتحدة مكبّلة الأيدي عن تقديم المساعدة أو ردع المستوطنين والجيش أثناء الهجمات الدامية. وبعد مرور عام كامل على ضرب مستوطنين إسرائيليين لمواطن أمريكي فلسطيني من منطقة “تامبا باي” حتى الموت، عاد المستوطنون ليهاجموا أفراد عائلته وأصدقاءه—بل وحتى طاقم شبكة “سي إن إن” أثناء تجمعهم لإحياء ذكراه.

وفي معرض ردها على استفسارات صحيفة “الغارديان”، أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن كافة الرعايا الأمريكيين في الضفة الغربية متاح لهم الحصول على الخدمات القنصلية، مجددة إدانتها للعنف “من أي طرف كان في الضفة الغربية”، وموضحة أنها تجري “حوارًا مستمرًا مع الشركاء لتعزيز الاستقرار والأمن”.

وأضاف المتحدث باسم الوزارة: “كما أعلن الرئيس بوضوح، فإن الولايات المتحدة لا تدعم ضم إسرائيل للضفة الغربية؛ إذ إن استقرار الضفة الغربية يصون أمن إسرائيل، ويتسق مع هدف هذه الإدارة المتمثل في إحلال السلام في المنطقة”.

علم أمريكي يرفرف فوق منزل فلسطيني في بلدة ترمسعيا

لم تزد اللحظات التي تدخلت فيها الولايات المتحدة القام إلا قناعةً بأن واشنطن تملك مقومات بذل المزيد لكبح جماح المستوطنين والحكومة الإسرائيلية.

وقال القام: “لم نكن نتخيل مطلقًا أن نصل إلى هذه المأساة، وما كان يخطر ببالنا أن يتواصل الاستهداف للمواطنين الأمريكيين في ترمسعيا على مرأى ومسمع من الإدارة الحالية”. وأشار إلى أن قطاعًا عريضًا من أهالي القرية كانوا يمنحون أصواتهم لترامب، لكنهم فقدوا الأمل حين سارعت الإدارة إلى رفع أسماء مستوطنين متورطين في أعمال عنف من قائمة العقوبات التي أُقرت في عهد إدارة بايدن.

نشأ غيث عودة في حي “كوينز” بنيويورك، وما زال يقضي معظم وقته في مدينة “باترسون” بولاية نيو جيرسي، غير أن زوجته وأطفاله انتقلوا للإقامة في أرض العائلة بترمسعيا عام 2021. تقطن العائلة على أطراف القرية بمحاذاة المستوطنات، وعلى غرار بقية السكان القابعين في خطوط المواجهة الأمامية، ثبّتوا سواتر حماية على نوافذهم (يعرب عودة عن أسفه كونها بلاستيكية لا معدنية). ومن موقعه ذاك، يرقب البؤرة الاستيطانية الممتدة أسفل منزله.

ولد غيث عودة في نيويورك ويدير أعمالًا تجارية في نيو جيرسي، لكن عائلته انتقلت للعيش في أرضها ببلدة ترمسعيا عام 2021

اندلعت موجة العنف قبل هجمات حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وانطلاق الحرب الإسرائيلية على غزة، غير أنها استفحلت بشدة خلال العام الماضي. يقول عودة واصفًا تلك الأجواء: “مرت بنا لحظات عصيبة خشينا فيها على أرواحنا ولمسنا الخطر الخاطف”، مستحضرًا ليلة أضرم فيها المستوطنون النار في جزء من منزل والديه، واقتحام الجيش الإسرائيلي لمنزله ست مرات، فضلًا عن إطلاق النار المتكرر على مقربة من القرية، والحادثة التي صُوّبت فيها بندقية نحو أحدث أبنائه الستة، وأضاف أنه يشعر برعب أكبر كلما ابتعد عن المنزل.

وحين تواصل عودة مع السفارة الأمريكية بشأن هذه الاعتداءات، أفاد بأنه لم يتلقَّ سوى ردود المعلبات الروتينية التي توجهه لإبلاغ أجهزة إنفاذ القانون المحلية. وعن المغزى الذي استشفه من موقف الحكومة الأمريكية، قال: “الرسالة الضمنية هي أن لليهودي الأمريكي الحق في العيش هنا، بينما يُحظر ذلك على الفلسطيني الأمريكي”.

لقد أعاد هذا العنف تشكيل وجه الحياة اليومية في القرية؛ إذ بات الكثيرون يحجمون عن جلب أطفالهم إلى هنا، وغدا الأهالي يراهنون على إمكانياتهم الذاتية لحماية أنفسهم. وباتت الحوارات اليومية تدور حول تدابير السلامة: ما بين التفكير في تركيب أسلاك شائكة، أو رفع المزيد من الأعلام الأمريكية لإبراز صلة القرية بالولايات المتحدة.

ومشيرًا إلى جار له من شيكاغو كان يعكف على تركيب سياج من الأسلاك الشائكة، قال عودة: “لا أرغب في العيش داخل سجن”، مؤكّدًا حرصه على أن يضرب لأطفاله مثلًا في العيش بكرامة وبلا خوف.

وأضاف: “وُلدت ونشأت في أمريكا، وعشنا هناك في حرية، ولن أرتضي لنفسي عيشة تحرمني من ذلك”.

ميسون علي تشير إلى الأسلاك الشائكة الحادة التي تحيط ببيتها بغرض الحماية، والتي أحالت المنزل إلى ما يشبه “السجن”.

لكن الهلع على الحياة أضحى كابوسًا يطارد الجميع؛ ففي الشهر الماضي، كانت ميسون علي (متقاعدة، 60 عامًا) تأوي إلى منزلها في بلدة “دير دبوان” المجاورة، حين لمحت ثلاثة شبان يهرعون صوب ممر المنزل وهم يحملون زجاجات مملوءة بسائل سريع الاشتعال. وتؤكد أن الأقدار وحدها نجّتها حين هرولت إلى الداخل وأسدلت الستائر المعدنية لتضع عازلًا بينها وبينهم. وبعدما فشلوا في صب السائل عليها، أضرم المستوطنون النار في الأثاث والواجهات الخارجية للمبنى بينما كانت تتكدس في الداخل.

وتقول ميسون، التي قضت عقودًا في مدينة فيينا بولاية فرجينيا ولا يزال أبناؤها يستقرون في الولايات المتحدة: “أحمد الله أنني تصرفت بلمح البصر”، وأضافت: “لو لم أفعل ذلك، لأحرقوني حية”.

مقاعد خشبية خارج منزل ميسون علي في دير دبوان تعرضت للحرق خلال هجوم بسوائل حارقة

وكان علي، والد ميسون، قد استشرف هذه المتاعب منذ سبعينيات القرن الماضي عندما بنى المنزل وزوده بزجاج مضاد للرصاص.

وقبل وفاته، أخذ والدها عليها عهدًا بألا تتخلى عن البيت مطلقًا. واليوم، اضطرت إلى تحويل المنزل إلى ما يشبه “السجن”، محاطًا بأسوار تلتف حول البناء وكرم الزيتون الممتد حوله، كما تخلت عن روتينها اليومي بالسفر إلى رام الله للقاء أصدقائها أو السباحة في جمعية الشبان المسيحيين المحلية.

وقالت وهي تشير بأسى إلى تلك التحصينات: “كان هذا المشهد سيقتله لو رآه… يتملكني التأثر لأن هذه أرضنا، وأنا في الستين من عمري وقد قررت التقاعد في بيت عائلتي، ولا أريد أن أعيش خائفة ومحرومة من ممارسة حياتي الطبيعية”.

في هذه الأثناء، يظل المستوطنون الإسرائيليون المقيمون في البؤرة المجاورة مصدر تهديد دائم؛ إذ حاصر العشرات منهم المنزل مجددًا في 18 يونيو/حزيران، بعد أيام قليلة من الهجوم الأول. بل إن أحدهم هددها عبر الإنترنت بنشر مقطع فيديو يظهر فيه واقفًا عند سياج ملاصق لملعب كرة السلة خلف منزل علي، قائلًا: “الواقع على الأرض يصرخ بما يفهمونه جيدًا: لقد عاد صاحب الأرض الأصلي”.

ووقع هجوم الزجاجات الحارقة على منزل علي في 14 يونيو/حزيران، بعد يومين فقط من زيارة مفاجئة قام بها هاكابي إلى مستوطنة “شيلو” لإبداء الدعم للمستوطنين.

ولفت القام إلى أن هاكابي يتجاهل الجالية الأمريكية الفلسطينية في الضفة الغربية، قائلًا: “تواصلت معه أربع مرات على الأقل لطلب زيارة ترمسعيا، لكنه لا يعترف حتى بوجودنا”.

من جانبهم، يذكر مدعون عامون إسرائيليون أنهم وجهوا لوائح اتهام لستة مستوطنين ارتكبوا “أعمالًا إرهابية وإحراقًا عمديًا وتخريبًا وأعمال شغب عنيفة” في دير دبوان، رغم التقارير التي تفيد بوجود أمر حظر نشر على القضايا، ولم يتضح ما إذا كانت مرتبطة بالهجوم على منزل علي. وبعد تقديمها بلاغًا أوليًا للسفارة الأمريكية، أفادت ميسون بأنه طُلب منها رفع القضية لدى السلطات المحلية.

وقالت: “لو كنا عائلة أمريكية إسرائيلية يهودية حاولوا حرقها حية، لكان السفير الأمريكي هنا في غضون ساعتين، لكن لم يتصل بي أحد”.

المصدر: الغارديان

علاماتاسرائيل دولة الاحتلال ، الاستيطان الإسرائيلي ، السياسة الأمريكية ، المستوطنات ، المستوطنين
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الاستيطان ، السياسة الأمريكية ، القضية الفلسطينية ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

تحقيق: الأمم المتحدة تواصل التعاقد مع شركات مرتبطة بنظام الأسد

ديفيد كينر٦ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

من مقاومة الاستعمار إلى خدمة الإمبراطورية.. كيف حُرّفت عقيدة مونرو؟

أرتورو تشانغ٥ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

التمدد الإمبريالي للإمارات في أفريقيا

وليام واليس٥ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑