في منتصف يوليو/تموز 2026، عقد وزير المالية السوري محمد يسر برنية اجتماعًا مع لجنة الأوراق المالية والصكوك السيادية في الوزارة لمناقشة مسودة خطة استراتيجية لإصدار أدوات دين حكومية جديدة: أذون خزينة، وسندات خزينة، وصكوك سيادية. جاء هذا الاجتماع بعد أيام قليلة من زيارة وفد فني من وزارة المالية والبنك المركزي الأردنيين إلى دمشق، ضمن تعاون معلن يهدف إلى الاستفادة من تجربة عمّان في هذا المجال.
يختصر هذان الحدثان المسار الذي تسلكه دمشق حاليًا نحو أداة تمويل جديدة على مشهدها المالي، وإن لم تكن جديدة على مستوى المنطقة، فقد نصت الموازنة السورية لعام 2026 على اللجوء إلى إصدار سندات وصكوك سيادية بوصفها المصدر الرئيسي لتمويل عجز مقدر بنحو 1.8 مليار دولار، وتتركز أسئلة الاقتصاديين والمستثمرين اليوم حول الشروط الواجب اكتمالها لتتحول هذه الجدوى النظرية إلى أثر ملموس على الموازنة والمواطن معًا.
تعريف الصكوك السيادية وآلية عملها
الصكوك السيادية أدوات مالية تصدرها الدولة وفق هيكلة متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، يحصل بموجبها المستثمر على حصة جزئية في أصل حقيقي أو مشروع أو منفعة محددة، مقابل عائد يتحدد سلفًا وفق شروط الإصدار ومدة الاستحقاق. هذا هو الفارق الجوهري بينها وبين السندات الحكومية التقليدية. بينما تقوم السندات على مبدأ إقراض الدولة مقابل فائدة ثابتة، بينما يقوم الصك على المشاركة في أصول واستثمارات فعلية، ما يمنح حامله علاقة أقرب إلى الشراكة منها إلى الدائنية المباشرة.
عمليًا، تُنشئ الجهة المصدرة كيانًا خاصًا يملك الأصل أو المشروع موضوع الصك، ويكتتب المستثمرون في حصص من هذا الكيان مقابل عائد دوري يعكس أداء الأصل أو قيمة الإيجار المتفق عليها، على أن تسترد الدولة الأصل عند استحقاق الصك. هذه الآلية تفتح المجال أمام الأفراد والمؤسسات والمصارف للاستثمار في أدوات حكومية متوافقة مع الشريعة، وهو ما يوسّع قاعدة المستثمرين المحتملين مقارنة بالسندات التقليدية وحدها.
دوافع التوجه نحو الصكوك
تقدّر موازنة سوريا لعام 2026 النفقات العامة بنحو 10.5 مليار دولار مقابل إيرادات تقارب 8.7 مليار دولار، ما يترك عجزًا يقارب 1.8 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026. وتتوزع الإيرادات بين الضرائب والرسوم الجمركية بنسبة 50%، وعائدات النفط والغاز بنسبة 28%، ومصادر متنوعة أخرى بنسبة 22%، فيما تذهب 60% من النفقات إلى بنود تشغيلية جارية، و27% إلى استثمارات، و13% إلى الدعم والحماية الاجتماعية.
وبحسب وزير المالية، سيموَّل هذا العجز أساسًا عبر إصدار سندات وصكوك، مع مساهمة محدودة من عوائد الصندوق السيادي السوري. ويأتي هذا التوجه ضمن سعي وزارة المالية إلى إعادة بناء أدوات السياسة المالية بعد سنوات من الانقطاع، وخلق مؤشر مرجعي يساعد على تسعير الأصول المالية في السوق المحلية، بما يمكّن المصارف والمؤسسات المالية من تسعير خدماتها بشكل يعكس المخاطر الفعلية.
الحديث عن الصكوك السيادية في سوريا ليس وليد اللحظة، ففي أغسطس/آب 2024، أي قبل سقوط النظام البائد بأشهر قليلة، كانت وزارة المالية آنذاك تعمل على مشروع تشريع لتنظيم إصدار صكوك إسلامية سيادية. وفي عام 2023، أدرجت هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية مشروع قانون للصكوك الإسلامية، بشقيه السيادي والخاص بالشركات، ضمن أولوياتها.
ما تغيّر اليوم هو انتقال هذا الملف من مرحلة الدراسة إلى مرحلة التحضير الفعلي لإصدار أول تجربة، بالتوازي مع مساعي إعادة تنشيط بورصة دمشق بعد سنوات من الركود الذي رافق سنوات الصراع.
الفرص الاقتصادية المرتقبة
يرى خبراء أن أثر الصكوك السيادية يتجاوز حدود تمويل العجز إلى الانخراط في إدارة السياسة الاقتصادية الأوسع، فعندما تطرح الدولة صكوكًا في السوق، تتجه مدخرات الأفراد والمؤسسات والمصارف نحو الاستثمار فيها بدلًا من الاستهلاك أو المضاربة، ما يمتص جزءًا من السيولة المتداولة ويحدّ من الضغوط التضخمية، كما يمنح تطوير سوق الأوراق المالية الحكومية مصرف سورية المركزي أداة إضافية لإدارة السيولة عبر عمليات السوق المفتوحة، وهو ما قد يسهم في دعم استقرار سعر الصرف على المدى المتوسط.
وتتوقف الفائدة الاقتصادية الثالثة على وجهة الأموال المجموعة: حين تُوجَّه حصيلة الإصدارات إلى مشاريع إنتاجية أو بنى تحتية ذات جدوى، تتحول المدخرات إلى نشاط اقتصادي فعلي، ينعكس على تنشيط الأعمال وزيادة الطلب على السلع والخدمات ودعم فرص العمل.
أما على مستوى المواطن، فتتيح الصكوك للأفراد فرصة استثمار مدخراتهم في أداة حكومية والاستفادة من عائدها وفق شروط الاكتتاب، إضافة إلى انعكاس حصيلة الإصدارات إن وُجّهت فعلًا نحو مشاريع تنموية على تحسين الخدمات والبنية التحتية وتوفير فرص عمل جديدة، ويبقى حجم هذه الاستفادة مرهونًا بكفاءة إدارة الأموال ووضوح المشاريع الممولة وشفافية الإصدار.
التحديات ومتطلبات النجاح
لا تزال وزارة المالية، بحسب آخر ما هو متاح من معلومات، في مرحلة إعداد البيئة التشريعية والتنظيمية، ومناقشة مسودة الخطة الاستراتيجية للإصدار، وتشير التقديرات المتداولة إلى أن الإصدار الأول لن يخرج إلى النور قبل الربع الأخير من عام 2026، ويعكس هذا التأخر حجم البنية القانونية المطلوبة لإطلاق أداة مالية جديدة من الصفر تقريبًا؛ فمشروع قانون الصكوك الإسلامية، الذي تعمل عليه هيئة الأوراق والأسواق المالية منذ عام 2023 على الأقل، يحتاج إلى هيئة رقابة شرعية مركزية، وأنظمة تسجيل وتداول، وإطار واضح لضمانات الدولة، قبل أن يصبح جاهزًا للتطبيق.
وإلى جانب الإطار التشريعي، برز نقاش اقتصادي علني حول الغاية الفعلية من الإصدار المرتقب، فبعد إعلان وزير المالية نيته إطلاق أول صكوك سيادية أواخر مايو/أيار من العام الحالي، حذر اقتصاديون من أن الحديث عن استخدام هذه الأداة لامتصاص العجز الحكومي دون إحداث تضخم، قد يعني ضمنيًا، أن الإنفاق بالعجز مستمر رغم الحديث الرسمي عن تحقيق فائض. وربط بعضهم هذا الاحتمال بمؤشرات أخرى، منها استمرار التضخم وارتفاع سعر صرف الليرة أمام الدولار، إلى جانب تعديلات ضريبية وصفوها بغير المحسوبة، وزيادات في الرواتب قد توسّع فجوة الموارد الحكومية.
كما لفت اقتصاديون إلى أن سندات الدين تمثل في جوهرها، استدانة من المستقبل: إذا لم تُوجَّه حصيلتها إلى مشاريع إنتاجية قادرة على توليد عوائد تغطي أصل الدين وفوائده، فقد تضطر الخزينة لاحقًا إلى إصدار سندات جديدة لسداد المستحق منها، وهو ما يعرف بتدوير الدين وتراكمه. وأُثيرت أيضًا مخاوف تتعلق بجاذبية الإصدارات إذا كانت مقومة بالليرة السورية في ظل معدلات تضخم مرتفعة مقارنة بالعائد المتوقع، إضافة إلى القيود المفروضة على السحب المصرفي التي قد تجعل بعض المستثمرين أكثر تحفظًا، خشية أن تودَع قيمة الصك عند الاستحقاق في حساب مصرفي يصعب سحب رصيده دفعة واحدة.
وتحدد هذه التحفظات ملامح شروط النجاح بدقة اكتمال الإطار التشريعي، وشفافية الإفصاح عن وجهة الأموال المجموعة وكلفتها الحقيقية على الخزينة، وربط الإصدارات بمشاريع إنتاجية محددة عوضًا عن تغطية نفقات جارية كالرواتب، وشروط إصدار (عملة، عائد، آلية سحب) تراعي واقع السيولة والتضخم في السوق المحلية.
التجارب الدولية.. ماذا تقول؟
تقدّم تجربة الأردن، الأقرب جغرافيًا وزمنيًا إلى الحالة السورية، درسًا مباشرًا في تدرّج بناء سوق الصكوك. فبعد إقرار قانون صكوك التمويل الإسلامي عام 2012، بدأت المملكة بإصدار صكوك على مستوى الشركات لا الدولة، فقد كان أول إصدار عام 2016 لصالح شركة الكهرباء الوطنية بضمان حكومي، بقيمة 75 مليون دينار وعائد 3.5% لأجل خمس سنوات، ولاقى إقبالًا واسعًا من المستثمرين.
أعقب هذا النجاح إصدار سيادي مباشر لصالح شركة حكومية مخصصة لهذا الغرض، غير أن التجربة الأردنية شهدت بعدها سنوات من التردد رغم القناعة المعلنة بأهمية الأداة، ولم يُستأنف التفعيل الفعلي إلا مؤخرًا، بعد استكمال هيئة الرقابة الشرعية المركزية ضمن برنامج تحديث اقتصادي أوسع للفترة 2026-2029.
يجب التركيز على هذه النقطة؛ على الرغم من اكتمال الإطار القانوني إلا أنه لا يعني بالضرورة ضمان استمرارية الإصدار، والمطلوب التزام مؤسسي متواصل يتجاوز الدفعة الأولى.
عالميًا، تشير تقديرات وكالات التصنيف الائتماني إلى أن إصدارات الصكوك ستقترب من 200 مليار دولار خلال عام 2025، بقيادة ماليزيا التي تحتفظ بأكبر حصة من الصكوك القائمة عالميًا بنسبة تقارب 35%، تليها السعودية التي رسّخت مكانتها كثاني أكبر مصدر عالمي للصكوك بإصدارات بلغت 42.2 مليار دولار خلال العام، ثم إندونيسيا التي تعتمد بشكل رئيسي على الإصدارات السيادية.
يجمع بين هذه الأسواق عقود من التطور التشريعي والتنظيمي، وسيولة عالية في التداول الثانوي، وقاعدة مستثمرين متنوعة تضم المؤسسات والأفراد معًا، فضلًا عن دمج الصكوك ضمن استراتيجية متكاملة لإدارة الدين العام تتجاوز حدود سد عجز الموازنة بعينها.
شروط تحدد مصير التجربة
تكمن قيمة الصكوك السيادية في كونها أداة قابلة لتوظيف متعدد: تمويل عجز الموازنة، وامتصاص السيولة الفائضة، وتوجيه المدخرات نحو الاستثمار المنتج في آن واحد. هذا التعدد بالذات يجعل قياس نجاحها أكثر تعقيدًا من مجرد النظر إلى حجم الأموال المجموعة في الإصدار الأول.
فنجاح التجربة في سوريا، بحسب المعطيات المتاحة حتى الآن، سيتحدد بثلاثة عوامل مترابطة:
- قدرة وزارة المالية وهيئة الأوراق والأسواق المالية على إنجاز الإطار التشريعي والتنظيمي الذي لا يزال قيد الإعداد
- الشفافية في الإفصاح عن وجهة حصيلة الإصدارات وكلفتها الحقيقية على الخزينة
- قدرة الدولة على ربط هذه الحصيلة بمشاريع إنتاجية وبنى تحتية تولّد عائدًا حقيقيًا عوضًا عن الاكتفاء بتغطية النفقات الجارية.
في حال اجتمعت هذه العوامل، يمكن للصكوك أن تشكل رافعة حقيقية لإعادة بناء أدوات السياسة المالية والنقدية في مرحلة ما بعد الحرب، وأن تسهم في تحويل جزء من المدخرات المحلية إلى استثمار منتج يخدم التعافي الاقتصادي.
وفي حال اقتصر استخدامها على تغطية فجوة الإنفاق الجاري دون معالجة الاختلالات البنيوية في الإيرادات والنفقات، تبقى التحذيرات التي أطلقها اقتصاديون سوريون قائمة.. تحوّل الصكوك إلى شكل جديد من تدوير الدين، يؤجل المشكلة عوضًا عن حلها.
والمؤشر الأوضح على أي المسارين ستسلكه التجربة السورية سيظهر مع الإعلان الرسمي عن تفاصيل الإصدار الأول، المتوقع خلال الربع الأخير من عام 2026.