في 28 يوليو/تموز الماضي، نشرت وسائل إعلام مصرية وعربية خبرًا يشير إلى اتجاه الحكومة المصرية لإعادة تخطيط 11 قطعة أرض سياحية في محافظتي البحر الأحمر وجنوب سيناء، تمهيدًا لطرحها أمام المستثمرين خلال الربع الأول من عام 2027، في خطوة جاءت، بحسب ما أُعلن، في إطار توجه حكومي يستهدف تعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة، ولا سيما الأراضي السياحية ذات المواقع المتميزة، في ظل ارتفاع الطلب الاستثماري على مشروعات الضيافة والترفيه والسياحة الشاطئية في البحر الأحمر وجنوب سيناء.
وفي الأول من يناير/كانون الثاني 2026، نشرت البوابة الإلكترونية لمحافظة جنوب سيناء خريطتها الاستثمارية المستهدفة للعام الحالي، والتي تضمنت طرح 58 فرصة استثمارية متنوعة أمام المستثمرين المصريين والعرب والأجانب، تشمل قطاعات السياحة والتجارة والمشروعات الخدمية، بما يتوافق مع مبادئ التنمية المستدامة والخضراء.
وخلال السنوات الماضية، تمركزت الخريطة الاستثمارية المصرية، وعمليات طرح أصول الدولة ومواقعها الاستراتيجية أمام المستثمرين الأجانب، بصورة أساسية على سواحل البحر المتوسط، ولا سيما الساحل الشمالي والمناطق المحيطة به، في محاولة لسد العجز الدولاري الذي تعاني منه الدولة المصرية بسبب سياساتها النقدية والمالية التي أثبتت الأيام خطأها، والذي دفعها لطرح أصولها في مزاد علني أمام رؤوس المال الخليجي على وجه الخصوص.
لكن البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء دخلا مؤخرًا على نحو متزايد ضمن هذه الخريطة الاستثمارية، الأمر الذي فتح الباب أمام العديد من التساؤلات بشأن مخاطر هذا التوجه، في ضوء ما تتمتع به سيناء من وضع استثنائي وخصوصية أمنية وسياسية ترتبط مباشرةً بالأمن القومي والسيادة الوطنية، متزامنًا ذلك مع تصاعد المخاوف من تنامي نفوذ الاستثمارات الخليجية في هذه المنطقة الاستراتيجية شديدة الحساسية، على غرار التوسع الذي شهدته سواحل البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة.
رأس الحكمة.. من هنا كانت البداية
في فبراير/شباط 2024، أعلنت الحكومة المصرية توقيع صفقة تطوير منطقة «رأس الحكمة» بمحافظة مطروح، شمالي مصر، مع دولة الإمارات، بقيمة قُدِّرت بنحو 35 مليار دولار، لتصبح الصفقة الأكبر منذ أن بدأت الحكومة المصرية انتهاج سياسة «طرح أصول الدولة» أمام المستثمرين عام 2019، وهي الصفقة التي أثارت آنذاك جدلًا واسعًا بين مؤيد يرى فيها فرصة لجذب الاستثمارات الأجنبية، ومعارض يتخوف من تداعياتها الاقتصادية والاستراتيجية.
وتتمتع منطقة رأس الحكمة، التي يعود تأسيسها إلى عهد الملك فاروق عام 1948، بموقع لوجستي بالغ الأهمية؛ إذ تمتد شواطئها من منطقة الضبعة عند الكيلو 170 على طريق الساحل الشمالي الغربي، وصولًا إلى الكيلو 220، فيما تبعد عن مدينة مرسى مطروح بنحو 85 كيلومترًا، كما تُعد المنطقة من أقرب النقاط المصرية إلى السواحل الأوروبية على الضفة الأخرى من البحر المتوسط، وتزخر بمجموعة متنوعة من المقومات السياحية والثقافية والتاريخية.
وأحدثت الصفقة تحولًا ملحوظًا في نظرة الدولة والمستثمرين إلى الأراضي الساحلية، بعدما رسخت، للمرة الأولى بهذا الحجم، نموذج صفقات المدن المتكاملة بدلًا من المشروعات الجزئية المحدودة؛ إذ تحصل شركة أجنبية على حقوق تطوير مدينة كاملة وإدارتها على نطاق واسع، عبر ترتيبات استثمارية طويلة الأجل، وفي مساحة شاسعة تتمتع بموقع لوجستي واستراتيجي متميز.
وبذلك أسهمت صفقة رأس الحكمة في تأسيس معيار جديد للاستثمار في مصر، يقوم على تحويل الأراضي الساحلية إلى أداة رئيسية لجذب الاستثمارات الأجنبية وتوفير التدفقات الدولارية.، كما فتحت الباب أمام الصناديق السيادية الخليجية لتصبح، بصورة عملية، شريكًا أساسيًا في تطوير مدن ومناطق عمرانية متكاملة داخل مصر.
رأس جميلة.. القادم المقلق
وضع النموذج الذي أرسته صفقة «رأس الحكمة» على طاولة النقاش إمكانية نقل التجربة إلى سواحل البحر الأحمر، وفي هذا السياق، بدأت تتردد أنباء عن مشروع «رأس جميلة»، الواقع بمدينة شرم الشيخ، بمحاذاة مطارها الدولي وعلى ساحل خليج العقبة، ضمن نطاق يطل على مضيق تيران، ويتمتع بموقع استراتيجي ولوجستي وسياحي نادر، يجمع بين القيمة الاستثمارية المرتفعة والحساسية الأمنية والسياسية.
وفي فبراير/شباط 2024، كشفت وزارة قطاع الأعمال العام عن بدء التحرك الفعلي لطرح المنطقة للاستثمار، من خلال تشكيل لجنة تتولى وضع تصور استراتيجي لاستغلالها والمناطق المحيطة بها، علمًا بأن مساحتها تتجاوز 800 ألف متر مربع، ما يجعل المشروع أقرب إلى مدينة متكاملة منه إلى مشروع استثماري منفرد.
وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، أعلنت وزارة قطاع الأعمال العام أن المنطقة ستُطرح للمشاركة مع القطاع الخاص، بعد الانتهاء من تحديد آلية الطرح وبدء استقبال عروض المطورين، وهنا برز اسم السعودية باعتبارها أحد أبرز الأطراف المرشحة للفوز بالصفقة، بالنظر إلى وقوع المنطقة في نطاق بالغ الحساسية بالقرب من مضيق تيران، أحد أهم الممرات البحرية واللوجستية في المنطقة.
ورغم عدم توقيع الصفقة حتى الآن، فإن المؤشرات المتداولة تذهب في اتجاه اقتراب الإعلان الرسمي عنها، مع ترجيح كفة الجانب السعودي، في ضوء ما تمثله المنطقة من أهمية أمنية وسياسية تتجاوز قيمتها الاستثمارية، لا سيما في ظل المنافسة الخليجية المتصاعدة على المشروعات والمواقع الاستراتيجية داخل مصر.
وبحسب الخطة الاستثمارية لمحافظة جنوب سيناء، فإن التوسع الاستثماري لن يتوقف عند حدود مشروع رأس جميلة، بل يمتد إلى عشرات المواقع التي أعلنتها المحافظة عبر بوابتها الإلكترونية، والبالغ عددها 58 فرصة استثمارية، وقد أُعلن، في خطوة أولية، عن إعادة تخطيط وطرح 11 قطعة منها أمام المستثمرين، الأمر الذي أثار مخاوف لدى بعض الأوساط من تنامي نفوذ الاستثمارات الخليجية في تلك المنطقة الاستراتيجية شديدة الحساسية.
حق انتقاع لا ملكية.. مقاربة الحكومة
يستند مؤيدو هذا التوجه إلى ركيزة قانونية مفادها أن مثل هذه الصفقات لا تعني التخلي عن المناطق المطروحة للاستثمار، إذ تُبرم العقود وفق صيغة «حق الانتفاع» لا نقل الملكية، وبموجب هذه الصيغة، لا يحق للمستثمر الأجنبي تملك الأرض، وإنما تُمنح له صلاحيات إدارتها واستغلالها والتصرف فيها في الحدود التي يقررها العقد، ووفقًا للقوانين واللوائح المعمول بها.
ويسمح القانون المنظم للاستثمار في سيناء بمنح حق انتفاع قد تصل مدته إلى نحو 50 عامًا، مع إمكانية تجديده، على ألا تتجاوز المدة الإجمالية 75 عامًا، كما ينص صراحةً على عدم تحول حق الانتفاع إلى ملكية، ويشترط الحصول على موافقات أمنية وسيادية متعددة قبل إتمام التعاقد.
غير أن منتقدي هذا التوجه يرون أن الاستناد إلى بقاء الملكية القانونية للدولة لا يكفي وحده لتبديد المخاوف المرتبطة بمثل هذه الصفقات؛ إذ تظل الأرض مملوكة للدولة من الناحية القانونية، بينما تنتقل إدارتها الاقتصادية والتشغيلية الفعلية إلى شركات أجنبية لفترة زمنية قد تعادل عمر جيلين أو ثلاثة أجيال كاملة.
فمدة تمتد إلى 75 عامًا لا يمكن التعامل معها باعتبارها مدة استثمارية عادية، إذ تكفي لتغيير وجه المنطقة برمتها، وإعادة تشكيل أنشطتها الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية وفقًا لرؤية المستثمر الأجنبي وأولوياته، وهو ما قد ينطوي على مخاطر كبيرة، لا سيما في ظل الوضع الاستثنائي الذي تتمتع به سيناء ومحيطها، وما يرتبط بهما من حساسية أمنية وسياسية واستراتيجية تمس بصورة مباشرة قضايا الأمن القومي والسيادة الوطنية.
سيناء.. وضع استثنائي
ما يمكن قبوله في الساحل الشمالي ومنطقة رأس الحكمة لا يمكن التعامل معه بالمعايير نفسها عند الحديث عن سيناء والمناطق القريبة منها؛ فالاختلاف هنا لا يتعلق فقط بشروط الصفقة أو قيمتها، ولا بمعايير الشفافية والنزاهة فحسب، وإنما يرتبط أيضًا بخصوصية المكان وتاريخه وموقعه الجيوسياسي والأمني ووضعه القانوني الاستثنائي.
وتتمتع سيناء بقيمة خاصة وحساسية بالغة لدى المصريين؛ إذ خضعت للاحتلال الإسرائيلي عقب حرب يونيو/حزيران 1967، وظلت لسنوات مسرحًا للحروب والمواجهات والمناوشات مع قوات الاحتلال، قبل أن تستردها مصر بموجب معاهدة السلام، ورغم عودتها إلى السيادة المصرية، فإنها لا تزال تتمتع بخصوصية استثنائية؛ إذ نقلتها الترتيبات الأمنية الملحقة بمعاهدة السلام من كونها أرضًا تخضع للانتشار العسكري الطبيعي إلى منطقة ذات وضع عسكري خاص، بعد تقسيمها إلى ثلاث مناطق أمنية، وفرض قيود وشروط متفاوتة على حجم القوات والتسليح والانتشار العسكري داخل كل منطقة.
وتقع شرم الشيخ والمناطق المحيطة بها، التي يدور حولها جانب كبير من الحراك الاستثماري الخليجي، ضمن النطاق الشرقي من جنوب سيناء، حيث تسري ترتيبات أمنية خاصة، وتوجد مواقع تابعة للقوة متعددة الجنسيات والمراقبين، إلى جانب حدود وممرات بحرية ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الإقليمي، ويُضاف إلى ذلك الموقع اللوجستي والاستراتيجي الفريد لشبه جزيرة سيناء؛ فهي تقع بالقرب من الأراضي الفلسطينية المحتلة والحدود مع إسرائيل، وتشكل الجسر البري الأقرب بين قارتي آسيا وأفريقيا، كما تفصل بين خليج السويس وخليج العقبة، وتقع على مقربة من قناة السويس، أحد أهم الممرات الملاحية في العالم وأبرز مصادر النقد الأجنبي لمصر.
وتجعل هذه العوامل مجتمعة أي مشروع استثماري كبير في سيناء محملًا بأبعاد تتجاوز حسابات المال والعوائد الاقتصادية المباشرة، فالقضية هنا لا تتوقف عند سؤال من يملك الأرض أو ما الذي سيُبنى فوقها، وإنما تمتد إلى أسئلة أكثر حساسية: من يدير المشروع؟ ومن يتحكم في مرافقه؟ ومن يمتلك النفوذ الاقتصادي والتشغيلي في بوابة مصر الشرقية ومنطقتها المفتوحة على إسرائيل وخليج العقبة؟
ومن هنا تكتسب المخاوف المطروحة وجاهتها؛ إذ يختلف الأمر في سيناء عن غيرها من المناطق، خصوصًا مع ما يُثار بشأن احتمال أن تتيح بعض الصفقات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لأطراف ثالثة إيجاد موطئ قدم داخل تلك المنطقة الحيوية والاستراتيجية، وهو ما حدث مؤخرًا حين تخلت بعض الشركات المالكة لشركات طاقة مصرية عن جزء من حصصها لشركات إسرائيلية.
ارتهان الأصول.. الكابوس الذي يؤرق الجميع
منذ عام 2019، حين تبنت الحكومة المصرية سياسة بيع الأصول بهدف تحقيق عوائد دولارية تساعدها على سد العجز الذي تعاني منه، بدأت المخاوف تتصاعد من تجريد الدولة من مواردها وثرواتها، عبر صفقات أثيرت حول أسعارها وشروط عقودها ومدى نزاهتها وشفافيتها العديد من الشكوك وعلامات الاستفهام.
ورغم أن هذا المسار قُدِّم في بدايته باعتباره توجهًا اقتصاديًا بحتًا، فإن طبيعة الأصول والمناطق الاستراتيجية التي طرحتها الحكومة أو تخلت عنها أثارت صدمة واسعة في الشارع المصري؛ إذ شملت بعضًا من أفضل المواقع وأكثرها أهمية، وهي مناطق تتمتع بقيمة لوجستية واستراتيجية بالغة، يرى منتقدو تلك الصفقات أنها تتجاوز كثيرًا القيم والأسعار المعلنة عنها.
ويُضاف إلى ذلك ما أثير من مخاوف بشأن تركز ملكية المشروعات وإدارتها في يد جهات محددة، ولا سيما الصناديق السيادية التابعة لكل من الإمارات والسعودية، ومؤخرًا قطر، بما يفتح الباب أمام تساؤلات حول اتساع نفوذ رؤوس الأموال الخليجية داخل قطاعات ومواقع استراتيجية في مصر.
واليوم، يزداد المشهد تعقيدًا مع الإعلان عن طرح مناطق في سيناء للاستثمار، وتصاعد المخاوف من تمدد هذا النفوذ من الشمال إلى الشرق، فلم يعد الحضور الخليجي مقتصرًا على الشواطئ والسواحل والموانئ المطلة على البحر المتوسط، والتي حُرم غالبية المصريين منها، بل بدأ يمتد إلى البحر الأحمر، ومنه إلى شبه جزيرة سيناء، بكل ما تتمتع به من حساسية وخصوصية أمنية وسياسية، تفرضان على الدولة التعامل معها وفق معايير مختلفة وأكثر صرامة في جميع مراحل الطرح والتعاقد والإدارة.
وفي النهاية، ورغم غياب الشفافية وعدم توافر معلومات كافية ودقيقة بشأن حقيقة المشروعات المطروحة والجهات المتقدمة إليها، فإن هذا التحول في طريقة التعامل مع أصول الدولة الاستراتيجية، بما يشمل المناطق ذات الحساسية الأمنية والسياسية والمرتبطة بسيادة الدولة، مثل سيناء، يثير قلقًا متزايدًا لدى المصريين بشأن مستقبل أصول بلادهم وحدود السيطرة عليها.
ويرى منتقدو هذا المسار أن الدولة والشعب قد يدفعان معًا ثمن الفشل في إدارة الاقتصاد، والتوسع في الاقتراض، والوصول إلى مستويات مرتفعة من المديونية دفعت الحكومة إلى التعامل مع أصول البلاد الاستراتيجية باعتبارها أدوات لتوفير السيولة العاجلة، وتحويلها إلى سلع تُطرح أمام المستثمرين بحثًا عن العرض الأعلى، بصرف النظر عن أهميتها وخطورتها.