• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

مواليد أقل وأجنّة مشوهة.. الوجه الممتد لإبادة غزة

محمد النعامي٥ أغسطس ٢٠٢٦

فحص بالتصوير التلفزيوني الألتراساوند يظهر جنينًا مشوهًا- الجزيرة 2025

لم تُرضِ إبادةُ أكثر من 74 ألف فلسطيني، غالبيتهم من النساء والأطفال والمسنين، شهيةَ الاحتلال الدموية، فهندس دورة موت لا تنتهي، تواصل حصد أرواح الغزيين، إذ امتد الإجرام ليطال الأجنة في بطون أمهاتهم، حيث سُجّلت معدلات مرتفعة من الإجهاض، إلى جانب حالات ولادة لأطفال يعانون تشوهات خِلقية.

وتكشف الحالات التي باتت تكتظ بها مستشفيات القطاع، إلى جانب شهادات الأطباء والنساء، عن كارثة في الصحة الإنجابية، بحسب وصف الأطباء، في ظل مواصلة الاحتلال سياساته الإجرامية الرامية إلى استكمال جريمة الإبادة الجماعية، وفي سبيل ذلك، لا يزال يصب أطنانًا من المتفجرات التي تتسبب في مجازر مباشرة، وتبث سمومًا تواصل الفتك بأجساد الغزيين على المديين القريب والبعيد.

قفزة في الإجهاض وتراجع حاد في المواليد

تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى تسجيل 460 حالة إجهاض لكل ألف مولود خلال أبريل/نيسان 2026، مقارنة بنحو 140 حالة فقط قبل الحرب، في قفزة غير مسبوقة تعكس حجم الكارثة التي أصابت البيئة الصحية في القطاع.

وكشف تحقيق نشرته وزارة الصحة في غزة حول حالات الإجهاض، ويغطي الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني 2025 إلى أبريل/نيسان 2026، عن تدهور حاد في قدرة البيئة الرحمية على دعم استمرار الحمل، محذرًا من تداعيات صحية وديموغرافية قد تمتد لسنوات.

وأظهر التحقيق أن معدل الإصابة بفقر الدم بين النساء الحوامل بلغ 57%، أي ما يقارب ضعف المعدلات العالمية، في مؤشر إلى حجم الانهيار في الأمن الغذائي والنقص الحاد في العناصر الغذائية الأساسية. ويجعل ذلك أجساد النساء أكثر عرضة لفقدان الحمل، ويحد من قدرة الأجنة على النمو بصورة طبيعية، في نتيجة مباشرة لسياسة التجويع والحصار التي يفرضها الاحتلال.

وسجّل التحقيق أيضًا تراجعًا حادًا في أعداد المواليد داخل قطاع غزة، إذ انخفض عددهم من 6076 مولودًا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى 2004 مواليد فقط في أبريل/نيسان 2026، بنسبة تراجع بلغت 67%. وترى الوزارة أن هذه المؤشرات تدل على حالة من “الاستنزاف الجنيني”، إذ بات المجتمع عاجزًا عن تعويض خسائره البشرية في ظل الارتفاع الكبير في معدلات الإجهاض، وتراجع الخصوبة، واستمرار ظروف الحرب.

وحذّرت وزارة الصحة في غزة من أن عام 2026 قد يشهد زيادة متوقعة بنسبة 70.7% في حالات الإجهاض، مع احتمال تجاوز المعدل 500 حالة لكل ألف مولود. وتشير التقديرات إلى أن نحو نصف حالات الحمل في القطاع ستتعرض لمضاعفات بدرجات متفاوتة.

ويرى أطباء يعملون في مستشفيات غزة أن هذه الأرقام لا تعكس سوى الحالات التي تمكنت من الوصول إلى المؤسسات الصحية، فيما يبقى جزء كبير من الحالات الأخرى غير موثق، بسبب ظروف الحرب وصعوبة الوصول إلى المستشفيات، أو وقوعها داخل مراكز النزوح والخيام، حيث تفتقر النساء إلى الرعاية الطبية الأساسية.

سموم الحرب تصل إلى الأرحام

قال الدكتور رائد سعودي، استشاري أمراض النساء والتوليد في مستشفى العودة بغزة، إن القطاع يعيش اليوم “كارثة إنجابية” غير مسبوقة، في ظل الارتفاع الكبير في معدلات الإجهاض والتشوهات الخِلقية، مقارنة بما كان يُسجل قبل الحرب.

وأضاف في حديثه لـ”نون بوست”: “خلال الحرب تراوحت معدلات الإجهاض، بحسب ما عايشناه ميدانيًا، بين 60 و70% من حالات الحمل. وحتى اليوم، ورغم الحديث عن تراجع حدة العمليات العسكرية في بعض المناطق، ما تزال النسبة مرتفعة بصورة غير طبيعية، إذ تبلغ نحو 40% من إجمالي حالات الحمل، وهي نسبة مقلقة بكل المقاييس الطبية”.

وعزا سعودي هذه الزيادة إلى تداخل مجموعة واسعة من العوامل التي رافقت الحرب، موضحًا أن قطاع غزة فقد، منذ الأيام الأولى للعدوان، جميع الظروف اللازمة لاستمرار الحمل بصورة طبيعية.

وأشار إلى أن آثار مئات آلاف الأطنان من المتفجرات التي أُلقيت على القطاع لم تقتصر على الدمار المباشر، إذ خلّفت ملوثات انتشرت في الهواء والتربة والمياه، ووصلت إلى أجساد السكان، معتبرًا أن هذا العامل يشكل أحد أبرز الأسباب المحتملة لارتفاع معدلات الإجهاض والتشوهات الخِلقية.

وتابع: “لعبت المجاعة التي عاشها سكان القطاع دورًا مركزيًا في تدهور الصحة الإنجابية للنساء، إذ أدى نقص الغذاء إلى سوء تغذية حاد، وانخفاض مستويات حمض الفوليك والحديد وغيرها من الفيتامينات والمعادن الأساسية، إضافة إلى ارتفاع معدلات فقر الدم. وتؤثر هذه العوامل مباشرة في قدرة الرحم على تثبيت الحمل واستمرار نمو الجنين”.

وأضاف الطبيب: “فاقمت حياة النزوح احتمالات فقدان الحمل، بما رافقها من تنقل متكرر بين مناطق القصف، والعيش في الخيام، والخوف الدائم من الاستهداف، والضغوط النفسية الشديدة”.

وقد يترك التعرض المباشر للضغط الانفجاري الناتج عن القصف، أو استنشاق الغازات والأدخنة المتصاعدة من الذخائر، آثارًا صحية خطيرة على النساء الحوامل. ويؤدي التوتر النفسي الحاد، الناجم عن القصف المستمر وحالات الذعر المتكررة، إلى إفراز كميات كبيرة من هرمونات التوتر، ما قد يؤثر في تدفق الدم والأكسجين إلى الجنين، ويزيد احتمالات الإجهاض، خاصة لدى النساء اللواتي يعانين سوء التغذية أو الأمراض المزمنة.

وتشير تقارير حقوقية، من بينها تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، إلى أن النساء الحوامل في غزة تعرضن لظروف بيئية وصحية بالغة القسوة، شملت استنشاق غازات وملوثات ناجمة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في معدلات الإجهاض التلقائي، وتزايد ملاحظات الأطباء بشأن مضاعفات الحمل وتشوهات الأجنة.

أسباب عصية على التشخيص

تجسد قصة أمينة أبو ربيع، من مخيم جباليا، جانبًا من هذه المأساة، فالسيدة التي أنجبت طفلتها الأولى قبل الحرب من دون مشكلات صحية، وجدت نفسها بعد اندلاعها تفقد حملها أربع مرات متتالية، فتحولت تجربة انتظار طفل جديد إلى سلسلة من الخسارات المتكررة.

وقالت أمينة أبو ربيع في حديثها لـ”نون بوست”: “قبل الحرب حملت بصورة طبيعية وأنجبت طفلة سليمة، لكنني منذ اندلاع الحرب، وحتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، أفقد الجنين في كل مرة أحمل فيها، بين الأسبوعين الثالث والسادس من الحمل”.

وأوضحت أن الفحوصات الطبية لم تُظهر معاناتها من سوء التغذية أو فقر الدم، وبيّنت أن وضعها الغذائي مقبول، ما دفع الأطباء إلى البحث عن تفسيرات أخرى لما حدث.

وأضافت: “تعرضت منطقتنا للقصف مرات عديدة، وكنت أستنشق الأدخنة والغازات المتصاعدة من الانفجارات. كما تعرض محيط المكان الذي نزحنا إليه في إحدى المرات للقصف بقذائف الفوسفور الأبيض”.

ودفع ذلك بعض الأطباء إلى ترجيح وجود علاقة بين التعرض لهذه الملوثات وتكرار حالات الإجهاض، مشيرين إلى أن الإمكانات الطبية المتاحة داخل قطاع غزة لا تسمح بتشخيص هذه التأثيرات أو علاجها بدقة.

تشوهات لم تألفها مستشفيات غزة

وتمتد جرائم الاحتلال إلى التسبب في ولادة أطفال يعانون تشوهات خِلقية معقدة، إذ يرصد الأطباء في قطاع غزة تصاعدًا مقلقًا في معدلات هذه الحالات، وبعضها لم يكن مألوفًا لدى الطواقم الطبية قبل الحرب.

ويجمع الأطباء على أن البيئة التي فرضتها الحرب، بما تحمله من تلوث وسوء تغذية وانهيار في الرعاية الصحية، تركت آثارًا عميقة في صحة الأمهات والأجنة، وأسست لهذه الكارثة.

وحذّرت وزارة الصحة الفلسطينية من أن نحو 60 ألف جنين في قطاع غزة معرضون لخطر التشوهات الخِلقية. وأشارت إلى أن آثار هذه الظاهرة قد تمتد إلى سنوات مقبلة، في ظل تأثيرات الذخائر المستخدمة في القطاع وما خلّفته من ملوثات بيئية، إلى جانب استمرار التجويع والنزوح وتلوث مصادر المياه بفعل آلة الحرب الإسرائيلية.

ووفقًا لوزارة الصحة، رُصدت 385 حالة تشوه خِلقي لدى الأجنة خلال الأشهر الأخيرة. كما سجلت الوزارة في غزة ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد المواليد الذين احتاجوا إلى الرعاية المركزة بسبب تشوهات خِلقية أو مضاعفات صحية رافقت الولادة.

ولاحظت الطواقم الطبية تزايد حالات الأطفال الذين يولدون بتشوهات في الدماغ أو القلب أو جدار البطن أو العمود الفقري، ما يفرض أعباء إضافية على المستشفيات التي تعمل أصلًا بإمكانات محدودة للغاية.

وقال الدكتور رائد سعودي إن التشوهات الخِلقية كانت موجودة قبل الحرب بنسب ضئيلة، كما هي الحال في مختلف دول العالم، موضحًا أن الطواقم الطبية لاحظت خلال الأشهر الماضية زيادة واضحة في عدد الحالات، إلى جانب ظهور أنماط مختلفة من التشوهات تستدعي المتابعة والدراسة.

وأضاف: “رصدنا حالات متعددة من تشوهات الأجنة، من بينها عدم اكتمال نمو الجمجمة، وتشوهات في القلب، وأكياس في البطن، إضافة إلى تشوهات خِلقية أخرى متنوعة. وقد تابعنا هذه الحالات مباشرة داخل المستشفيات”.

وأشار إلى أن المستشفيات لا تزال قادرة، من الناحية الطبية، على التعامل مع حالات الإجهاض والتشوهات الخِلقية، من خلال التدخلات العلاجية أو العمليات الجراحية عند الحاجة. وتكمن المشكلة في الارتفاع الكبير في أعداد الحالات، وما يفرضه من ضغط هائل على أقسام النساء والولادة والعناية المركزة، في وقت تعاني فيه المستشفيات نقص الكوادر والأدوية والمستلزمات الطبية.

وأوضح أن الأشهر الأولى من الحمل هي الأكثر حساسية في تكوين أعضاء الجنين، وأن أي اضطراب صحي تتعرض له الأم، سواء نجم عن سوء التغذية أو العدوى أو التعرض لملوثات بيئية أو ضغوط نفسية شديدة، قد يؤثر في نمو الجنين. ويجعل ذلك استمرار الحرب، بكل ما تفرضه من ظروف، مصدر قلق بالغ على الصحة الإنجابية في القطاع.

أمهات ينتظرن الولادة تحت وطأة النزوح

وبعيدًا عن المستشفيات، تخوض آلاف النساء الحوامل في غزة معركة يومية من نوع آخر داخل خيام النزوح، وسط حرارة مرتفعة، وشح في المياه، وانعدام للخصوصية، وغياب للغذاء والرعاية الصحية المنتظمة.

أم محمد الخالدي – نون بوست

وقالت أم محمد الخالدي، في حديثها لـ”نون بوست”، إن الحمل في قطاع غزة بات مخاطرة تحفها المخاوف والمعاناة، في ظل ظروف تفوق قدرة الإنسان على التحمل.

وأضافت: “الحياة داخل الخيام قاسية إلى درجة يصعب وصفها؛ فهي تفتقر إلى أدنى مقومات الصحة والسلامة، وتتحول صيفًا إلى أماكن شديدة الحرارة، فيما نعاني شح المياه النظيفة وانتشار الحشرات وتلوث البيئة المحيطة. وكل ذلك يفاقم متاعب المرأة الحامل”.

وأوضحت أن الحصول على الغذاء أصبح التحدي الأكبر أمام النساء الحوامل، إذ تحتاج الأم إلى نظام غذائي متوازن وغني بالفيتامينات والمعادن حتى ينمو الجنين بصورة سليمة، فيما بات هذا النوع من الغذاء بعيدًا عن متناول غالبية الأسر، في ظل الفقر وارتفاع الأسعار واستمرار الحصار.

وتابعت: “يتجاوز الأمر الطعام إلى الفيتامينات والمكملات الغذائية والأدوية الخاصة بالحوامل، التي أصبحت نادرة أو مرتفعة الثمن. ولم تعد أعداد كبيرة من النساء قادرة على توفيرها، ما ينعكس مباشرة على صحة الأم والجنين”.

وأكدت الخالدي أن تدهور الأوضاع الاقتصادية أجبرها على التخلي عن المتابعة الدورية للحمل، رغم أهميتها في الكشف المبكر عن أي مضاعفات. وأوضحت أنها لم تتمكن، منذ بداية حملها وحتى بلوغها الشهر الثامن، من مراجعة طبيبة نسائية بانتظام، بسبب ارتفاع تكلفة الفحوصات والزيارات الطبية، إلى جانب غياب المؤسسات التي كانت تقدم هذه الخدمات مجانًا قبل الحرب.

وأشارت إلى أن القلق يرافقها كل يوم خوفًا على استمرار الحمل، ويمتد إلى ما ينتظرها بعد الولادة في ظل استمرار النزوح وانهيار الخدمات الصحية.

وعبّرت عن مخاوفها قائلة: “سيولد طفلي في منتصف الصيف، حين تبلغ درجات الحرارة ذروتها، والخيمة لا تصلح لاستقبال مولود جديد. الحرارة لا تُطاق، والحشرات في كل مكان، ومصادر التلوث تحيط بنا، فيما تكون مناعة الطفل في أيامه الأولى ضعيفة للغاية”.

علاماتأطفال غزة ، الانتهاكات الإسرائيلية ، الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ، النساء الفلسطينيات ، حرب الإبادة
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الحرب على غزة ، الحقوق والحريات

قد يعجبك ايضا

حقوق وحريات

بينما تتصاعد المجازر في السودان.. الجنائية الدولية تبطئ ملاحقة الدعم السريع

سندس عاصم٦ يوليو ٢٠٢٦
ثقافة

بِرَك سليمان في بيت لحم تتحول إلى ساحة تحد فلسطيني للاستيطان

مجد جواد٢٩ يونيو ٢٠٢٦
حقوق وحريات

ريان أبو العجين.. رصاصة في حضن أبيه تكشف زيف “المناطق الآمنة” في غزة

طارق حجاج٢٢ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑