• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“حزام بغداد” وصراع الديموغرافيا والجغرافيا على أطراف العاصمة

فريق التحرير٢٤ أغسطس ٢٠٢٦

تشهد مناطق حزام بغداد عملية تغير ديموغرافي تتمثل بالضغط على سكانها من أجل ترك الأراضي (اندبندنت عربية)

تعدّ منطقة “حزام بغداد” واحدة من أكثر النطاقات الجغرافية حساسية في المشهد العراقي بعد عام 2003، فهذا الطوق، الذي يحيط بالعاصمة بغداد من جهاتها الأربع، يمثّل عمقًا استراتيجيًا وأمنيًا واقتصاديًا للمدينة، وتحوّل على امتداد العقدين الماضيين، إلى ساحة صراع صامت وتنافس ديموغرافي محموم.

وتحت غطاء الخطط الأمنية تارة، والمشاريع الاستثمارية والسكنية تارة أخرى، تشهد هذه المناطق تحولات هيكلية جذرية تعيد رسم خريطتها السكانية والاجتماعية، ولا سيما في ظل الهوية السنية الغالبة التي ميّزت هذا الحزام قرونًا طويلة، وجعلت منه طوقًا عشائريًا يحيط بالعاصمة ويحميها.

تاريخيًا، سكنت قبائل عربية المنطقة المحيطة ببغداد منذ العصر العباسي الأول، في مناطق عُرفت آنذاك بأسماء نهر عيسى وصرصر ونهر الملك وكلواذى وغيرها، وكانت أراضيها شديدة الخصوبة ومكتظة بالقرى والضياع، فيما شكّلت هذه القبائل العماد السكاني والزراعي للسواد المحيط بالعاصمة العباسية، معتمدة على شبكة متطورة من الأنهار والقنوات التاريخية.

وبعد سقوط بغداد على يد المغول عام 656 للهجرة، وتدمير نُظم الري القديمة، شهدت أطراف المدينة انهيارًا زراعيًا وسكانيًا كبيرًا، وتحولت معظم الأراضي المروية إلى أراضٍ بور أو مساحات للرعي الموسمي، ثم ازدهرت هذه المناطق مجددًا بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، إذ أحيتها القبائل المقيمة فيها، وأعادت زراعة أراضيها، وأنشأت عددًا من التجمعات السكانية التي عُرفت لاحقًا باسم “حزام بغداد”.

تداخل الجغرافيا والديموغرافيا

لا يمكن فهم الأهمية الاستراتيجية لحزام بغداد من دون تفكيك جغرافيته المعقدة؛ إذ يمتد على مساحة شاسعة تربط العاصمة بمحافظات الأنبار وصلاح الدين وديالى وبابل، ما يجعله حلقة وصل بين قلب الدولة وأطرافها.

تنقسم هذه المنطقة الحيوية إلى قطاعات رئيسية تضم بلدات وقرى ذات طابع عشائري وزراعي كثيف، حيث يبدأ الحزام الجنوبي بمناطق المحمودية واليوسفية وعرب جبور والبوعيثة وهور رجب، ويمتد إلى جرف الصخر شمالي محافظة بابل، وتمثّل هذه المناطق الرابط المباشر مع محافظات الفرات الأوسط والجنوب.

أما الحزام الغربي، فيضم قضاء أبو غريب ببلداته وقراه الممتدة، إلى جانب مناطق البكرية والرضوانية وصدر اليوسفية وغيرها، وصولًا إلى أطراف الفلوجة، ويمثّل البوابة المؤدية إلى الأنبار والبادية الغربية.

ويتكوّن الحزام الشمالي من أقضية الطارمية والتاجي والراشدية، ويمتد إلى ناحية النباعي، مشكّلًا خط التماس مع محافظتي صلاح الدين وديالى، وفي الشرق والجنوب الشرقي، يقع قضاء المدائن والمناطق التابعة له، التي تمتد إلى الصويرة والشجيرية شمالي محافظة واسط.

التركيبة السكانية والهوية العشائرية

يقدّر خبراء ومراكز أبحاث محلية عدد سكان حزام بغداد بما يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين نسمة، وتتوزع هذه الكتلة البشرية الكبيرة على مجتمعات حضرية وقروية وعشائرية مترابطة.

وتميّز حزام بغداد عبر التاريخ بهويته السنية الغالبة؛ إذ تسكنه قبائل عربية سنية كبرى، مثل الجبور، والدليم، والجنابيين، والمشاهدة، وزوبع، والحياليين، والعبيد، والكرطان، والمسارة، والنداوات، والبوعيسى، والعكيدات، والسوامرة، والعزة، والبوحشمة، والغرير، والمجمع، والبوحمدان، والعويسات وغيرها.

وشكّل هذا الثقل العشائري السني تاريخيًا امتدادًا طبيعيًا للمحافظات الشمالية والغربية، وجعل من الحزام حائط صد جيوسياسي أمام محاولات الهيمنة الديموغرافية المدعومة من إيران.

وبعد سقوط النظام السابق عام 2003، تحوّل الحزام إلى مصدر قلق للحكومات المتعاقبة والقوى السياسية الشيعية، التي رأت فيه “حصارًا ديموغرافيًا” ذا لون واحد يطوّق العاصمة، حيث يتمركز القرار السياسي الشيعي منذ أكثر من عقدين.

اجتماع عشائري في حزام بغداد يؤكد دعم جهود مكافحة المخدرات وحصر السلاح بيد الدولة- وكالة الأنباء العراقية

20 عاما من التغيير الديموغرافي

شهد حزام بغداد منذ عام 2003 سلسلة من الهزات العنيفة والممنهجة التي أسهمت في خلخلة تركيبته السكانية. وجاءت هذه التحولات نتيجة تداخل ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد.

يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل رئيسية، أولها مرحلة العنف الطائفي والتهجير القسري بين عامي 2006 و2008، عقب تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء، وخلال تلك المرحلة، تحولت مناطق الحزام إلى مسرح لعمليات عنف طائفي، واستهدفت الميليشيات قرى وأحياء بأكملها في المدائن واليوسفية والمحمودية.

وأدى ذلك إلى موجات جماعية من التهجير القسري للعائلات السنية نحو مركز بغداد والمحافظات الغربية وإقليم كردستان، فضلًا عن خارج العراق، وحلّت أسر مهجّرة من مناطق أخرى محل بعض هذه العائلات، في مسعى إلى إنشاء جيوب سكانية جديدة منسجمة مع القوى الحاكمة.

وباتت مناطق المحمودية واللطيفية والمدائن وعرب جبور خطوط تماس ملتهبة، نظرًا إلى موقعها الجغرافي الذي يربط بغداد بالمحافظات الجنوبية والغربية، وشهدت هذه المناطق عمليات قتل واسعة نفذتها الميليشيات المسلحة والجماعات المتطرفة، من خلال إقامة نقاط تفتيش وهمية للمركبات والقتل على الهوية، إلى جانب استهداف قرى بأكملها بقذائف الهاون والاقتحامات الليلية.

ووثّقت تقارير المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين ارتفاع عدد النازحين داخليًا في العراق إلى أكثر من 2.8 مليون شخص بحلول عام 2008، وشكّل النازحون من مناطق حزام بغداد نسبة مرتفعة منهم، كما سجّلت منظمة العفو الدولية أنماطًا واضحة من التهجير القسري وتدمير الممتلكات الزراعية والاستيلاء على العقارات والأراضي، بهدف منع السكان من العودة.

“مكافحة الإرهاب” وذرائع التهجير

أما المرحلة الثانية، فتمثّلت في حرب تنظيم “داعش” والنزوح الممنهج بين عامي 2014 و2017، إذ استغل التنظيم جغرافية الحزام، بما تتميز به من بساتين كثيفة وشبكة من الجداول المائية، للتسلل وإنشاء ملاذات آمنة هددت العاصمة مباشرة.

وتحت شعار “محاربة الإرهاب”، نفذت فصائل الحشد الشعبي عمليات عسكرية واسعة أسفرت عن إخلاء بلدات بأكملها قسرًا، مثل جرف الصخر، إلى جانب أجزاء من المحمودية واللطيفية وأبي غريب.

وامتدت آثار المعارك إلى مرحلة ما بعد تحرير هذه المناطق، إذ مُنعت عشرات الآلاف من العائلات النازحة من العودة إلى ديارها، وعزت السلطات الأمنية والفصائل المسيطرة على الأرض ذلك إلى إجراءات “التدقيق الأمني”، ووجود ألغام، والحاجة إلى استصدار “تصاريح أمنية” عبر معاملات معقدة.

ونتيجة لذلك، تحولت مناطق شاسعة إلى معسكرات ومناطق عسكرية مغلقة، في مقدمتها ناحية جرف الصخر، التي تغيّر اسمها إلى جرف النصر، وأجزاء واسعة من اللطيفية والمحمودية وحزام أبي غريب، ويُمنع سكان هذه المناطق الأصليون من مجرد الاقتراب منها.

وهُجّر أكثر من 140 ألف شخص من أهالي منطقة جرف الصخر السنية، الواقعة شمالي محافظة بابل، ولا يزال أهالي الناحية يقيمون في مخيمات للنزوح، مثل مخيم بزيبز في الأنبار، رغم استعادة المنطقة بالكامل في تشرين الأول 2014. وتشير تقارير بعثة الأمم المتحدة إلى استمرار وجود عشرات القرى المفرغة تمامًا من سكانها في جنوب بغداد وغربها.

عناصر من تنظيم داعش متوجهون نحو بغداد- 2014

المجمعات السكنية و”التغيير الناعم”

حملت المرحلة الثالثة عنوان “التغيير الناعم”، من خلال القوانين والمصادرة والضغط الاقتصادي، وبدأت ملامحها تتضح بعد عام 2018، فعقب انتهاء حرب تنظيم “داعش” وحلول استقرار أمني نسبي في تلك المناطق، انتقلت استراتيجية تغيير التركيبة السكانية والسيطرة على حزام بغداد من “العنف الصلب” إلى ما يمكن وصفه بـ”التغيير الناعم”.

واعتمدت هذه المرحلة على توظيف مؤسسات الدولة والأدوات التشريعية والقانونية والاستثمارية لتكريس الأمر الواقع، واستهداف البيئة الاقتصادية للمزارعين والسكان المحليين.

وشملت هذه الوسائل تطبيق قوانين مشددة، مثل القانون رقم 10 لسنة 2012، المتعلق بمصادرة أموال أركان النظام السابق وأقربائهم حتى الدرجة الثانية وتجميدها، وأتاح ذلك للدولة الاستحواذ على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية المملوكة لعائلات تقطن الحزام منذ عقود طويلة.

يُضاف إلى ذلك فرض قيود أمنية واقتصادية صارمة على المزارعين، منها منع حفر الآبار الارتوازية، وتقييد نقل المحاصيل الزراعية، وحظر استيراد الأسمدة والمعدات بذريعة المخاوف الأمنية، كما هُدمت مئات المنازل بحجة وقوعها ضمن محرمات السكك الحديدية أو المصافي النفطية وغيرها، وفُرضت قيود على إدخال مواد البناء، ما اضطر السكان إلى اللجوء إلى الوساطات ودفع إتاوات لجهات حكومية أو فصائل مسلحة.

وأدت هذه الضغوط المتواصلة إلى إفقار المزارعين وتبوير أراضيهم، ما اضطر كثيرين منهم إلى بيعها بأسعار زهيدة لجهات استثمارية أو مستثمرين يعملون واجهات لمجموعات نافذة، لتنتقل السيطرة عليها ويُغيّر جنسها العقاري قانونيًا.

وتحوّلت آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية في مناطق عرب جبور والرضوانية وأبي غريب إلى مشاريع استثمارية ومجمعات سكنية تابعة لجهات نافذة، كما صدرت أوامر بمصادرة أراضٍ أخرى بدعوى خضوع مالكيها السابقين لإجراءات المساءلة والعدالة، أو لأحكام حجز الأموال المنقولة وغير المنقولة.

الحشد الشعبي ينفذ عملية أمنية في حزام بغداد- واع

“الرفيل” والعاصمة الإدارية الجديدة

في 15 حزيران/يونيو 2021، صوّت مجلس الوزراء العراقي على إطلاق مشروع “مدينة الرفيل السكنية” رسميًا لتكون العاصمة الإدارية الجديدة، في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، واستُكمل تطوير المشروع لاحقًا من خلال توقيع مذكرات تفاهم وعقود استثمارية كبرى مع شركات دولية وعربية لتنفيذ مراحله.

وتمتد “العاصمة” الجديدة على مساحة تقدر بنحو 106 آلاف دونم في المنطقة المحيطة بمطار بغداد الدولي، جنوب غربي العاصمة، وكان من المقرر تنفيذ المشروع على مراحل متتالية، تتضمن أولاها مجمعات سكنية ومرافق تعليمية، من بينها الجامعة الأميركية، إلى جانب مستشفيات ومراكز تجارية. وتليها مراحل مخصصة للمشاريع اللوجستية والزراعية والبيئية، بهدف توفير عشرات الآلاف من الوحدات السكنية الأفقية والعمودية، واستيعاب نحو 600 ألف نسمة.

وتكمن المفارقة في أن الأراضي المخصصة للمشروع تقع ضمن مناطق حزام بغداد الجنوبي والغربي، مثل الرضوانية واليوسفية وأطراف أبي غريب، وتقطن هذه المناطق تاريخيًا قبائل وعشائر عربية سنية، مثل زوبع والجنابيين والدليم والجبور والبوعيسى.

وواجه المشروع اعتراضات شديدة من وجهاء تلك المناطق وعشائرها، الذين أكدوا أن الأراضي المستهدفة ليست قاحلة أو خالية، خلافًا لما تروّج له بعض الجهات الرسمية، بل أراضٍ زراعية نشطة ومأهولة بالسكان، ورأوا أن استملاكها يهدد استقرارهم الاجتماعي وممتلكاتهم المتوارثة.

وخلال السنوات الماضية، حذّر نواب وقوى سنية من وجود دوافع سياسية أو طائفية وراء المشروع. وأشاروا إلى أن إنشاء مدينة استثمارية عملاقة بهذا الحجم، وجذب مئات الآلاف من سكان مختلف مناطق العراق ومحافظاته للإقامة فيها، قد يؤدي على المدى البعيد إلى تغيير التركيبة الديموغرافية والجغرافية للمنطقة، وواصلت الحكومة المضي في المشروع، الذي ما زال في مراحله الأولى، من دون الاستجابة لهذه الاعتراضات.

قضم وتجريف بذرائع قانونية

إذا استعرضنا خريطة المناطق المحيطة ببغداد؛ سنلاحظ أن عمليات القضم الممنهجة ومصادرة الأراضي وتحويل جنسها القانوني تقع في عدة مناطق، من أبرزها الرضوانية؛ التي تتمتع بموقع استراتيجي فائق الأهمية، لقربها من مطار بغداد الدولي وقصور النظام السابق.

وشهدت هذه المنطقة مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية المملوكة لعشائر محلية، وتحويلها إلى مشاريع تابعة لجهات حكومية أو فصائل مسلحة؛ تحت لافتة “المناطق الأمنية المحيطة بالمطار”.

أما البكرية؛ فقد شهدت نزاعات كبرى على ملكية الأراضي وتغييرا في طابعها السكني، عبر عمليات تجريف البساتين وتحويلها إلى أراض سكنية، تباع لجهات من خارج المنطقة؛ لإحداث خرق ديموغرافي مباشر في البوابة الغربية للعاصمة، بالإضافة إلى توزيع أراضيها المملوكة لسكانها على ضباط في بعض الأجهزة الأمنية.

وفي البوعيثة وعرب جبور وهور رجب؛ فرضت فصائل في الحشد الشعبي نفوذها الكامل على مساحات مترامية الأطراف من البساتين والمزارع المطلة على نهر دجلة، وجرى تجريف مئات الدوانم وتحويلها إلى مقرات عسكرية ومجمعات ترفيهية ومشاريع استثمارية خاصة.

أما في اليوسفية جنوبا؛ فقد أدت السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية بحجة أنها كانت مملوكة لرموز النظام السابق؛ إلى تمليكها أو تفويضها لشخصيات ومستثمرين مرتبطين بالفصائل والنظام السياسي الحاكم، مما حرم السكان الأصليين من مصدر رزقهم ودفعهم للهجرة خارجها.

وشهد مركز قضاء المدائن “سلمان باك” تحولا ديموغرافيا مبكرا ومكثفا بعد الاحتلال الأميركي مباشرة، نظرا للأهمية الدينية للمنطقة؛ المتمثلة بوجود مرقد الصحابي سلمان الفارسي، حيث استُخدم البعد الديني كغطاء لتوسيع النفوذ العقاري، وجرى استملاك الأراضي المحيطة بالمرقد والمناطق الزراعية المجاورة، وتوطين آلاف العوائل القادمة من جنوب العراق، مما أدى إلى تراجع النسبة السكانية للسنة، الذين كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة في القضاء ونواحيه

“طوق بغداد”.. تدوينات فضحت مشروعا

في 27 تموز من العام 2025؛ وقعت حادثة دائرة زراعة بغداد/الكرخ في منطقة الدورة؛ إثر صدور قرار إداري رسمي يقضي بإعفاء مدير الدائرة السابق وتكليف مدير جديد بدلا عنه لتسيير الأمور.

وقد رفض المدير المعزول التنحي عن منصبه والتسليم الفوري لمهامه؛ واستعان بقوة مسلحة منتمية لكتائب حزب الله، اقتحمت مبنى الدائرة بهدف منع الإدارة الجديدة من مباشرة عملها بقوة السلاح.

ثم تطور الأمر سريعا إلى مواجهة مسلحة، واشتباك مباشر مع قوات الشرطة الاتحادية المكلفة بحماية المنشأة الحكومية، مما أسفر عن مقتل منتسب أمني ومواطن مدني تصادف وجوده في المكان، بالإضافة إلى إصابة 12 آخرين بجروح متفاوتة.

وعقب ذلك؛ فرضت الأجهزة الأمنية طوقا محكما حول الموقع واعتقلت أربعة عشر عنصرا من المهاجمين إلى جانب المدير السابق، لتنتهي القضية قانونيا في تشرين الثاني من العام نفسه بصدور حكم بالإعدام بحق المدير السابق من قبل المحكمة الجنائية المركزية، بعد إدانته بتهمة الإرهاب وتدبير الهجوم.

وقد أظهرت الحادثة حجم التكالب والصراع على المناطق المحيطة ببغداد؛ والذي أخذ منعطفا علنيا وممنهجا في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد تصريحات وتدوينات على مواقع التواصل أطلقها قادة بارزون في الحشد الشعبي وقوى الإطار التنسيقي، تمحورت حول ما يُعرف بـ”مشروع طوق بغداد السكني والاستثماري”.

ويحمل هذا المشروع في ظاهره طابعا عمرانيا تنمويا لمواجهة أزمة السكن الخانقة في العاصمة بغداد، عبر إنشاء مدن سكنية جديدة ومشاريع استثمارية كبرى على أطراف العاصمة.

إلا أن الأبعاد السياسية والديموغرافية للمشروع ظلت هي المحرك الأساسي كما يرى كثيرون، ويمكن تلخيص خطورته في عدة نقاط، في مقدمتها عمليات نزع الملكية ووضع اليد، حيث يتم الاعتماد على قرارات حكومية تقضي بإلغاء العقود الزراعية الممنوحة للسكان الأصليين منذ عقود، أو تفعيل قوانين مصادرة الأراضي بذريعة “المصلحة العامة”.

كما يتم تغيير جنس الأراضي هناك، وتحويل مئات الآلاف من الدوانم الزراعية في بساتين حزام بغداد الشرقي والجنوبي والغربي؛ إلى أراض سكنية وتجارية.

وهذا التجريف لا يقضي على الهوية الزراعية للعراق فحسب، بل ينهي الوجود الاقتصادي للفلاح السني المرتبط بأرضه منذ مئات السنين

كتل سكانية جديدة وهندسة ديموغرافية

ويرى مراقبون أن بناء مدن ضخمة مكونة من عشرات آلاف الوحدات السكنية في مناطق مثل أطراف أبو غريب أو الرضوانية أو اليوسفية؛ لا يستهدف سكان تلك المناطق الأصليين، الذين لا يملكون القدرة المالية لشرائها بسبب التهميش الاقتصادي، بل يستهدف جذب كتل بشرية جديدة من وسط ومراكز المدن الجنوبية، ومن قلب المناطق الشيعية المكتظة في بغداد.

ويمكن ملاحظة أن الدلالات السياسية للأحاديث عن مشروع “طوق بغداد” والتلميحات التي صدرت من قادة فصائل؛ لم تكن مجرد مقترحات اقتصادية، بل جاءت بصيغة تأمين العاصمة عبر تغيير الديموغرافيا المحيطة بها.

إذ ترى هذه القوى أن بقاء حزام بغداد بهويته التقليدية؛ يمثل ثغرة أمنية وسياسية ديموغرافية، قد تُستغل في أي لحظة تغيير سياسي مستقبلي.

لذا، فإن إنشاء “الطوق السكني” يهدف إلى خلق جدار ديموغرافي عازل وموال للمنظومة الحاكمة، يمنع أي تواصل جغرافي أو بشري بين بغداد والمحافظات السنية المحيطة بها، كما يؤكد مراقبون.

تحولات قسرية واحتقان صامت

والمصادرة الممنهجة للأراضي في حزام بغداد؛ يحمل تداعيات خطيرة على مستقبل السلم الأهلي والاستقرار في العراق، حيث يتعمق الشعور بالتهميش والإقصاء لدى المواطن البغدادي السني، مما يولد احتقانا طائفيا صامتا قد ينفجر في المستقبل؛ كأزمة ثقة حادة مع الدولة.

كما يحمل المشروع في طياته تدمير السلة الغذائية للعاصمة بغداد؛ عبر تجريف آلاف الدوانم من البساتين القديمة، وزيادة معدلات البطالة بين أبناء العشائر، هذا فضلا عن عزل العاصمة بغداد ديموغرافيا عن محيطها العربي السني، وتحويلها إلى مدينة ذات لون سياسي وطائفي واحد؛ مسيطر عليه بالكامل عبر أطواق سكنية موالية.

وهكذا؛ لم يعد حزام بغداد مجرد مساحات زراعية تقع على أطراف العاصمة، بل تحول إلى “ترمومتر” يقيس طبيعة الصراع على السلطة والنفوذ في العراق الجديد، حيث تكشف السياسات المتبعة هناك؛ من التهجير العسكري السابق إلى الاستملاك العقاري والمشاريع الاستثمارية الحالية؛ عن رغبة حثيثة لدى القوى المتنفذة لإعادة هندسة الجغرافيا السكانية؛ بما يضمن تفكيك الثقل السني المحيط بالعاصمة.

وفي غياب توازن سياسي حقيقي ودفاع قانوني ومؤسساتي عن حقوق سكان الحزام الأصليين؛ فإن هذا الطوق التاريخي يتجه نحو خسارة هويته وتغيير ملامحه إلى الأبد، ليتحول من حزام للعاصمة؛ إلى طوق يحكم السيطرة عليها وعلى امتداداتها الاستراتيجية

علاماتأزمة العراق ، أطياف المجتمع العراقي ، الشأن العراقي ، الفساد في العراق ، بغداد
مواضيعأمن العراق ، الشأن العراقي ، العنف في العراق ، المجتمع العراقي ، تقارير مطولة

قد يعجبك ايضا

مجتمع

13 عامًا.. وما تزال الوصمة الأمنية تلاحق عائلات ضحايا مجزرة رابعة

فريق التحرير١٥ أغسطس ٢٠٢٦
مجتمع

“الجرائم الإلكترونية”.. قانون قديم يختبر حريات سوريا الجديدة

زين العابدين العكيدي٩ أغسطس ٢٠٢٦
مجتمع

جدل الجنسية السورية.. هل تطغى هواجس الحرب على النص القانوني والموقف الفقهي؟

زينب مصري٨ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑