تتعرض كولومبيا مؤخرًا لموجة واسعة من الإدانات من جانب عدد من الدول العربية والإسلامية، على خلفية قرارها المفاجئ الاعتراف بما سمّته “السيادة الإسرائيلية” على الجولان السوري المحتل، لتصبح بذلك ثاني دولة عضو في الأمم المتحدة، بعد الولايات المتحدة، تتخذ هذه الخطوة المثيرة للجدل.
وكانت وزارة الخارجية الكولومبية قد بررت القرار، الذي أعلنت عنه الاثنين 10 أغسطس/آب الجاري، بما وصفته بـاستمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط، والأهمية الاستراتيجية للجولان بالنسبة إلى أمن إسرائيل، معلنة اعتراف بوغوتا بـ”السيادة الإسرائيلية” على المنطقة، وبما وصفته بـ”حق إسرائيل في حماية نفسها من التهديدات الخارجية”.
ويأتي هذا التحول في الموقف الكولومبي بعد أيام قليلة من تولي الرئيس الحالي، أبيلاردو دي لاسبرييلا، منصبه، في تغيير يتعارض جملة وتفصيلًا مع سياسة حكومة غوستافو بيدرو السابقة، وهو ما قوبل بترحيب واسع من جانب الخارجية الإسرائيلية، التي وصفت الاعتراف بأنه “تاريخي”.
وبعيدًا عن حالة الصدمة التي خيّمت على البعض جراء هذا التحول المفاجئ في الموقف الكولومبي، فإن قراءة تاريخ العلاقات بين بوغوتا وتل أبيب تكشف أن الأمر لا يبدو استثنائيًا بالقدر الذي قد يوحي به المشهد الراهن؛ إذ اتسمت العلاقات الكولومبية الإسرائيلية، على مدى عقود، بدرجة مرتفعة من التقارب والتعاون والتحالف الحميمي الوثيق.
ولم يشهد هذا المسار تراجعًا حادًا أو فتورًا مرحليًا سوى خلال حرب غزة، التي مثّلت محطة استثنائية ومؤقتة في تاريخ تلك العلاقات، كما علاقات الكثير من الدول الأخرى، حين تبنت كولومبيا، خلال عهد بيترو، موقفًا أكثر انحيازًا إلى الاعتبارات الإنسانية وانتقادًا للسياسات الإسرائيلية الفاشية ضد الشعب الفلسطيني في غزة وبقية الأراضي المحتلة.
وتعكس العلاقات بين البلدين نموذجًا واضحًا لكيفية تحوّل السياسة تجاه إسرائيل إلى مرآة للتغيرات الأيديولوجية داخل كولومبيا نفسها؛ فكلما تبدلت هوية السلطة واتجاهاتها السياسية، انعكس ذلك مباشرة على طبيعة العلاقة مع تل أبيب، بين التقارب والتحالف من جهة، والقطيعة والمواجهة السياسية من جهة أخرى.
الاعتراف المبكر.. 7 عقود من الحميمية
بدأت العلاقات الكولومبية الإسرائيلية في وقت مبكر للغاية، بالتزامن مع نشأة السرطان الإسرائيلي فوق الأراضي الفلسطينية؛ إذ اعترفت بوغوتا بالكيان المحتل في فبراير/شباط 1949، لتكون من بين الدول التي بادرت إلى الاعتراف بها بشكل متسارع، لتُقام بعدها العلاقات الدبلوماسية بينهما وافتتاح السفارتين عام 1957، وتبدأ مرحلة جديدة من التعاون والشراكة المتنامية.
وفي ثمانينيات القرن الماضي، دخلت العلاقات بين الجانبين منعطفًا لافتًا، مع توسع التعاون الأمني والاستخباراتي، كما أبرم البلدان العديد من الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية، لتصبح إسرائيل لاحقًا أحد أبرز موردي التكنولوجيا والمعدات العسكرية إلى كولومبيا، التي اعتمدت بصورة متزايدة على السلاح الإسرائيلي في تسليح قواتها المسلحة.
ومع مرور الوقت، انتقلت التكنولوجيا الدفاعية الإسرائيلية إلى كولومبيا، التي بدأت بدورها تطوير قدراتها في مجال الصناعات العسكرية والدفاعية، وهو ما أسهم بدرجة كبيرة في دعمها خلال حربها الطويلة ضد القوات المسلحة الثورية الكولومبية “فارك”، فضلًا عن شبكات المخدرات والجماعات المسلحة، ومن هنا تحولت إسرائيل، بالنسبة إلى بوغوتا، من مجرد شريك اقتصادي إلى شريك أمني وعسكري وثيق.
وفي عام 2013، وقّع البلدان اتفاقية للتجارة الحرة، دخلت حيز التنفيذ في أغسطس/آب 2020، لتتعمق العلاقات بصورة أكبر على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتعزز هذا التقارب كذلك من خلال تبادل الزيارات الرسمية؛ إذ زار بنيامين نتنياهو كولومبيا في سبتمبر/أيلول 2017، فيما زار الرئيس الكولومبي إيفان دوكي إسرائيل عام 2021.
وخلال الفترة الممتدة من عام 1949 وحتى عام 2021، لم تشهد العلاقات بين البلدين توترًا حادًا أو خلافًا يهدد أسسها الاستراتيجية، حتى عندما اعترفت حكومة خوان مانويل سانتوس رسميًا بدولة فلسطين في أغسطس/آب 2018، لم تؤدِ هذه الخطوة إلى قطيعة مع إسرائيل، كما حدث في تجارب أخرى؛ إذ حاولت بوغوتا آنذاك مسك العصا من المنتصف، عبر الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه الاستجابة للضغوط الإقليمية والدولية الداعية إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
بيدرو ونقطة التحول
مع وصول غوستافو بيدرو إلى السلطة عام 2022، دخلت العلاقات الكولومبية الإسرائيلية منعطفًا استثنائيًا من التوتر والبرود؛ إذ كان بيترو أول رئيس يساري يتولى حكم كولومبيا، يعيد تشكيل ملامح السياسة الخارجية لبلاده تجاه تل أبيب، حيث تبنّى موقفًا أكثر دعمًا وقربًا من القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، وفي المقابل أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية.
ولم تقتصر مواقف بيدرو تجاه إسرائيل على الانتقادات السياسية فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى تبني مواقف أكثر حزمًا، جعلته واحدًا من أبرز قادة أميركا اللاتينية انتقادًا لإسرائيل ودعمًا للقضية الفلسطينية، ففي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2023، انتقد ما وصفه بازدواجية المجتمع الدولي في تعاطيه مع القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، مقارنًا بين الموقف الدولي من الاحتلال الروسي لأوكرانيا ونظيره تجاه الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، داعيًا الأمم المتحدة حينها إلى رعاية مؤتمر دولي للسلام بشأن فلسطين، بالتوازي مع مؤتمر مماثل بشأن أوكرانيا.
ومع السنوات الأولى لحكم بيدرو، انتقلت العلاقات الكولومبية الإسرائيلية من كونها واحدة من أبرز نماذج التقارب والتحالف الوثيق، إلى مرحلة من التوتر والخلافات المتصاعدة، قبل أن تبلغ ذروتها مع اندلاع الحرب الهمجية الوحشية الإسرائيلية على قطاع غزة، التي شكّلت محطة فاصلة واستثنائية في تاريخ العلاقات بين البلدين، ومهّدت لانتقال الخلاف من مستوى الخطاب السياسي إلى إجراءات دبلوماسية واقتصادية أكثر حدة.
غزة.. الزلزال الذي هزّ العلاقات
جاءت حرب غزة بمثابة الانفجار الذي زلزل أركان العلاقة بين البلدين؛ فمنذ الأيام الأولى للحرب، تبنّى بيدرو موقفًا سياسيًا واضحًا يقوم على المطالبة بحوار للسلام يفضي إلى الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال، ومع تصاعد القصف الهمجي الوحشي الإسرائيلي على قطاع غزة، رفع سقف خطابه بصورة غير مسبوقة، رابطًا بين ممارسات الاحتلال وبعض ممارسات النازية، وهو ما أثار حفيظة تل أبيب، التي ردت بتعليق صادراتها العسكرية إلى كولومبيا، في خطوة عُدّت عقابًا لبوغوتا على موقفها.
ولم تقف الحكومة الكولومبية مكتوفة الأيدي أمام الرد الإسرائيلي، إذ قابلته باستدعاء سفيرتها لدى تل أبيب للتشاور في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقال بيترو حينها إن كولومبيا لا يمكنها الإبقاء على سفيرتها هناك إذا لم تتوقف ما وصفه بـ”مذبحة الشعب الفلسطيني”، الأمر الذي زاد من حدة الاحتقان والتوتر بين البلدين.
ثم انتقل الصدام إلى مسارات أخرى، حين تدخلت كولومبيا رسميًا أمام محكمة العدل الدولية في أبريل/نيسان 2024، في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وأكدت الخارجية الكولومبية أن هذه الخطوة تستهدف تقديم دعم ملموس للقضية الفلسطينية على الساحة القضائية الدولية.
وفي مايو/أيار من العام نفسه، جاءت الخطوة الأكثر صدامًا، حين أعلن بيترو قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، متهمًا حكومة بنيامين نتنياهو بارتكاب “إبادة” في غزة، وبعدها بأيام أمر بفتح سفارة كولومبية في رام الله، في خطوة هدفت إلى رفع مستوى العلاقات مع الفلسطينيين وتعزيز الدعم الدبلوماسي للدولة الفلسطينية.
ولم يقتصر التصعيد على المستويين السياسي والدبلوماسي، بل امتد إلى المجال الاقتصادي أيضًا؛ ففي صيف 2024 قررت حكومة بوغوتا حظر صادرات الفحم الكولومبي إلى إسرائيل، وربطت استمرار الحظر بامتثال إسرائيل للتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، كما استضافت بوغوتا لاحقًا تحركات ضمن “مجموعة لاهاي”، الرامية إلى تنسيق إجراءات دولية تجاه إسرائيل.
ثم جاء أكتوبر/تشرين الأول 2025 ليكون بمثابة المحطة الفاصلة الأكثر خطورة في مسار العلاقات بين البلدين، حين طردت الحكومة الكولومبية ما تبقى من البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في البلاد، عقب احتجاز إسرائيل كولومبيتين شاركتا في “أسطول الصمود” المتجه إلى قطاع غزة، لتدخل العلاقات بين بوغوتا وتل أبيب واحدة من أسوأ مراحلها التاريخية على الإطلاق.
وهكذا أثبتت غزة، من جديد، أنها الترمومتر الأبرز في رسم سياسات الدول وتوجهات الشعوب؛ فكما شكّلت محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الكولومبية الإسرائيلية، كانت أيضًا علامة فارقة في إعادة رسم جانب مهم من خريطة المواقف الدولية تجاه تل أبيب، حيث كان لها دورها المحوري في توسيع الهوة بين الكيان المحتل والمزاج العالمي، الذي بدأ يميل بصورة متزايدة نحو دعم حقوق الشعب الفلسطيني.
لا إسبرييلا وإعادة التحالف إلى مساره
ومع فوز المحامي اليميني المتشدد أبيلاردو دي لا إسبرييلا، المدعوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسية الكولومبية التي جرت في يونيو/حزيران الماضي، شهدت العلاقات مع إسرائيل انقلابًا جديدًا في مسارها، لتعود سريعًا إلى نهج التقارب والتحالف الذي ساد قبل تولي بيترو السلطة.
وكان دي لا إسبرييلا قد أعلن، قبل فوزه بالانتخابات، أنه سيعمل حال وصوله إلى السلطة على إعادة التحالف التاريخي مع إسرائيل، كما أجرى فريقه تفاهمات واتصالات مسبقة مع الجانب الإسرائيلي بشأن استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتعزيز مجالات التعاون المشترك، في مؤشر مبكر على أن مرحلة بيدرو، التي شكّلت استثناءً واضحًا في تاريخ العلاقات الكولومبية الإسرائيلية، كانت في طريقها إلى الانتهاء.
غير أن التحول الكولومبي تجاه تل أبيب لم يقتصر على الوعود بإعادة العلاقات إلى ما كانت عليه قبل عام 2022، بل بدا أنه يتجه إلى مستوى أكثر تقدمًا من التقارب السياسي والدبلوماسي، فإلى جانب اعتراف بوغوتا بما وصفته بـ”السيادة الإسرائيلية” على الجولان السوري المحتل، أعلن دي لا إسبرييلا نيته نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس.
ويكشف مثل هذا الحراك عن توجه كولومبي معلن وواضح نحو تدشين مرحلة جديدة من العلاقات الحميمية مع الكيان المحتل، قد تتجاوز في مستوى تقاربها وتحالفها ما كانت عليه العلاقات قبل عهد بيترو، بما يعيد بوغوتا مرة أخرى إلى موقع أحد أبرز حلفاء تل أبيب في أمريكا اللاتينية، إلى جانب الأرجنتين وفنزويلا، وسلاحًا محوريًا في صهينة القارة التي ظلت لعقود طويلة عصية على التغلغل الإسرائيلي.
من هنا، يمكن قراءة هذا التحول الكولومبي في علاقاته مع الكيان المحتل، وما صاحبه من انبطاح شبه كامل أمام الأجندة الإسرائيلية، باعتباره عودة إلى المسار التقليدي للعلاقات بين البلدين، وليس انقلابًا عليه كما يصفه البعض، ففي واقع الأمر، كانت فترة حكم بيترو وحرب غزة هي الاستثناء من القاعدة، والمحطة الوحيدة التي غرّدت فيها بوغوتا خارج سرب علاقات وثيقة وتحالف استراتيجي ممتد مع تل أبيب لأكثر من سبعة عقود.