• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

صياغة النفوذ في غزة: هل يسترد محمد دحلان مفاتيح السيطرة؟

ليزا جولدمان٢١ أغسطس ٢٠٢٦

محمد دحلان متحدثاً في أبوظبي عام 2015

ترجمة وتحرير: نون بوست

في بداية هذا العام، عقد محمد دحلان، الذي كان يمسك بمقاليد الحكم الفعلية في قطاع غزة إبان الفترة الذهبية لاتفاقيات أوسلو، لقاءً سرّياً بعيداً عن أضواء الإعلام في إحدى المدن الأوروبية، جمع فيه عدداً من الخبراء والمتخصصين في شؤون الشرق الأوسط. ووفقاً لمصادر حضرت اللقاء، سيطر ملف مستقبل غزة على المحادثات، إلى جانب مستقبل دحلان في المشهد السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية.

يشغل دحلان موقع مستشار للشيخ محمد بن زايد، حاكم أبوظبي ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة. ويتردد اسمه بكثرة في التقارير الصحفية بوصفه وسيط نفوذ يربط بين الحكومة الإسرائيلية، وكبار المسؤولين في إدارة دونالد ترامب، والإمارات. ولعدة سنوات، طرحت شخصيات بارزة في الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية اسمه كخلف محتمل لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (90 عاماً). ومؤخراً، ألمحت المصادر ذاتها إلى أنه الشخصية القادرة على تولي إدارة قطاع غزة.

خلال الأشهر الأخيرة، التقى دحلان عدة مرات بستيف ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس ومستشاره النافذ. وذكر مشاركون في اجتماع أوروبا المغلق أن دحلان تحدث باستفاضة عن علاقاته الممتازة بويتكوف وكوشنر مُشيداً بهما مراراً، بينما وجه انتقادات حادة لعباس.

وفي أواخر مايو/ أيار، سلطت وسائل الإعلام الإسرائيلية الضوء على لقاء جرى في أبوظبي بين دحلان وداوود زيني، رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك). وعلى الرغم من لقاءات دحلان المتكررة بكبار ضباط الاستخبارات الإسرائيلية، إلا أن هذا الاجتماع أثار اهتماماً لافتاً كون زيني قد تُوِّج في منصبه في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 وسط موجة عارمة من الجدل إذ أن زيني، وهو مستوطن قومي متدين وأب لـ 11 طفلاً، معروف بآرائه اليمينية المتطرفة وتطلعاته العقائدية، ولا يملك خبرة استخباراتية سابقة ولا يجيد العربية التي كانت تُعد شرطاً رئيسياً لشغل المنصب. ورجحت الصحافة الإسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اختاره لولائه المطلق. ولم تصدر بيانات رسمية تتناول تفاصيل المحادثات، كما لم تقدم الصحافة تحليلات إضافية سوى تأكيد واقعة اللقاء، مما فتح الباب أمام التكهنات بوضع ملف غزة على رأس جدول الأعمال.

وفقاً لأحد المشاركين في اجتماع أوروبا الشتاء الماضي، صرح دحلان صراحة بأنه غير مهتم بالعودة إلى العمل السياسي المباشر. فيما أشار حاضر آخر إلى أن دحلان يرى أن إدارة غزة أو رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية تُعد تراجعاً كبيراً عن موقعه الحالي إذ يعمل كصانع نفوذ مستقل ومتمول يتمتع بقدرة الوصول المباشر إلى أرفع المستويات في أجهزة الاستخبارات ورؤساء الدول والدبلوماسيين.

تتفاقم الأزمة الإنسانية في غزة بمعدلات حادة حيث أفاد تقرير للأمم المتحدة صدر في فبراير/ شباط بأن الجيش الإسرائيلي دمر أكثر من 90 بالمئة من الوحدات السكنية وغالبية البنية التحتية بالقطاع، واصفاً حجم الدمار بـ “غير المسبوق” والمعاناة بـ “التي تعجز الكلمات عن وصفها”. إلا أن جهود إعادة إعمار غزة تصطدم بعقبات عدة، أبرزها الرفض الإسرائيلي القاطع للانسحاب العسكري، وفق خطة ترامب للسلام المكونة من 15 نقطة، طالما بقيت حركة حماس في السلطة. وأشارت تقارير إلى شعور ترامب بالإحباط تجاه تعنت نتنياهو في هذه النقطة. وفي إطار البحث عن حلول، طرحت إسرائيل والولايات المتحدة اسم دحلان كخيار لملء الفراغ السياسي في غزة.

في المقابل، يرى ميخائيل ميلشتاين، الرئيس السابق لقسم الشؤون الفلسطينية في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن عودة دحلان لقيادة غزة مجرد “وهم” إسرائيلي يستند إلى “أفكار جوفاء” تتجاهل الواقع ورغبات الشارع الفلسطيني. وأكد في تصريح سابق أن دحلان يفتقر تماماً للشعبية في الوسط الفلسطيني.

وانتقد ميلشتاين، الضيف الدائم على بودكاست صحيفة “هآرتس” ورئيس قسم الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب، عجز القيادة الإسرائيلية عن استخلاص الدروس من إخفاقات الماضي، مشيراً إلى أن سنوات تعميق الانقسام بين حماس وفتح ضمن استراتيجية “فرق تسد” لم تثمر أي نتائج إيجابية. وأضاف أن إسرائيل ترفض القبول بعدم وجود بديل عملي للسلطة الفلسطينية، التي أطّرها بوصفها “الخيار الأقل سوءاً” مقارنة بحماس.

وأوضح ميلشتاين أن إسرائيل ترى في دحلان أداة لإضعاف عباس الذي تمقته وتعتبره قومياً وأيديولوجياً متصلباً. وتشارك الإمارات إسرائيل هذا الموقف تجاه عباس ولكن لأسباب مختلفة إذ ترى القيادة الإماراتية أن رئيس السلطة يتملكه الفساد، وهو أحد دوافع دعمها لدحلان. وأكد رجل أعمال إماراتي بارز أن القيادة الإماراتية “تكره” عباس لاتهامه باختلاس أموال المساعدات المخصصة للشعب الفلسطيني. كما تسعى الإمارات إلى تقليص النفوذ القطري في غزة بسبب دعم الدوحة للإسلاميين، وهو سبب إضافي لتقديم دحلان كقائد، إن لم يكن لقطاع غزة، ففي إدارة ملفها على الأقل.

تاريخياً، شغل دحلان (64 عاماً) منصب مدير جهاز الأمن الوقائي في غزة عقب تعيينه من قبل ياسر عرفات عام 1994. وبصفته الحاكم الفعلي للقطاع آنذاك، عُرف بـ “رجل غزة القوي“، وحُمل القطاع أحياناً تسمية “دحلانستان”. واكتسب سمعة مرادفة للفساد المالي والقمع العنيف، بما في ذلك توجيه قواته لتنفيذ عمليات اغتيال واعتقالات تعسفية وتعذيب لفرق الإسلاميين. وخلال مهمة صحفية في غزة عام 2005، ذكر لي صحفي فلسطيني أن أجهزة دحلان كانت توقف السيارات الفارهة وتصادرها تعسفياً تاركة ركابها على قارعة الطريق. ورغم عدم التثبت من دقة هذه الروايات، إلا أنها عكست الانطباع العام السائد عن أسلوب قيادته حتى لدى مناهضي حماس.

نشأ دحلان في مخيم خان يونس للاجئين شديد الفقر جنوب قطاع غزة. وخلال ثمانينيات القرن الماضي، انخرط في النشاط المسلح وقضى فترات طويلة في السجون الإسرائيلية، حيث أتقن العبرية بطلاقة. وتواترت التقارير حول بنائه علاقات وثيقة مع مصادر في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) على مدار السنين، لا سيما خلال الفترة التي كان يسيطر فيها على غزة.

وفي عام 2006، وعقب مواجهات مسلحة خاطفة، أطاحت حركة حماس بسبل سيطرة قيادة فتح على القطاع، ليتعرض دحلان للنفي. اتجه في البداية إلى رام الله، لكنه فر لاحقاً من الضفة الغربية إثر خلاف علني حاد مع عباس تفادياً للسجن في سجون السلطة الوطنية الفلسطينية. وبعد سنوات قليلة، أعاد دحلان تقديم نفسه كمستشار خاص، ثري ومحنك، للشيخ محمد بن زايد، ليتحول اليوم إلى أحد أبرز صناع النفوذ على الساحة الدولية.

وتغيب الرواية الرسمية التي توضح كيفية بلوغ دحلان هذا الموقع النافذ في الإمارات، وهو ما يدفع الصحفيين غالباً لاستخدام أوصاف مثل “مريب” و”غامض” للتطرق إلى مسيرته. يتمتع دحلان بأناقة لافتة ومظهر جذاب، وينقل كل من التقى به أنه يتسم بالكاريزما ويبدو أنه يستمتع بإحاطة نفسه بهالة من الغموض.

غير أن أحد المشاركين في اجتماع أوروبا أشار إلى تحول سريع في كاريزما دحلان إلى مظاهر تهديد إذ وجه أحد الحضور سؤالاً باللغة العربية تطرق إلى المحطات المثيرة للجدل في تاريخه، فما كان من دحلان إلا أن أوقف ابتسامته وانحنى للأمام متسائلاً بنبرة حادة: “شو اسمك؟”.

وأضاف المصدر أن دحلان “ينضح بالاستعراض والترهيب”، واصفاً إياه بـ “الشخصية المخيفة التي حاولت رسم انطباع جاد دون القدرة على إخفاء نزعة البلطجة”. وبالنسبة لشخصيات تفضل العنيفين الذين تظن أنه يمكن إدارتهم، مثل ترامب، يمكن فهم مكامن جاذبية دحلان.

تكمن العقبة أمام من يعرفون دحلان ويخشون امتداد سطوته في حجم النفوذ الذي بات يحوزه فعلياً إذ وصفه محلل فلسطيني بأنه “الرجل الوحيد القادر على إدخال الشحنات إلى غزة”، مشيراً إلى استغلاله لنفوذه وقدرته على الوصول للتمويل الأمريكي عبر الإمارات لتأمين المساعدات للقطاع المدمر. من جهته، صرح محمد دراغمة، مدير مكتب وكالة “شرق نيوز” في الضفة الغربية، لصحيفة “لوموند” بأن دحلان “ينجز الملفات” لغزة. وفي ظل الأوضاع الإنسانية القاسية، يترجم السكان هذا العون إلى امتنان قابل للتحول إلى دعم سياسي.

ويؤكد المصدر الذي حضر اجتماع أوروبا أن دحلان “يضع نفسه في موقع الميسر الأكبر” عبر تفسير المواقف الإماراتية لإسرائيل وإدارة الوساطات بين حماس وفتح. كما يتمدد نفوذه سريعاً في الداخل الفلسطيني، مؤكداً: “لا أعتقد أن العوام يدركون حجم حضور دحلان في الضفة وغزة، اسمه يتردد على كل لسان”.

والأسبوع الماضي، التقى دحلان في القاهرة بممثلي فصائل فلسطينية متفرقة بينها حماس، التي شهدت علاقاته بها تقارباً منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية المدمرة عقب أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول. استهدف اجتماع القاهرة بحث التحالفات السياسية الممكنة تمهيداً للانتخابات التشريعية التي أعلن عنها عباس في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني. لكن دحلان لم يقدم إشارات على تغيير موقفه بشأن الترشح الشخصي للمناصب. وعن هدفه الحقيقي، يختتم المصدر الذي شهد الواقعة في أوروبا بالقول: “تكهنك دقيق كـتكهني.. لا أحد يدرك ما الذي يخطط له هذا الرجل”.

المصدر: نيولاينز

علاماتأدوار دحلان ، الدور المشبوه لدحلان ، السلطة الفلسطينية ، القضية الفلسطينية ، حرب الإبادة
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الحرب على غزة ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

ما بعد معاهدة مكة: الضربات الإسرائيلية في سوريا تضع النفوذ التركي أمام اختبار حقيقي

راغب صويلو٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

المعارضة تعيد تشكيل نفسها.. هل تغير ولادة “الحزب الجديد” معادلة 2028؟

فيصل الحاج٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

صدام حفتر بوابة موسكو الجديدة.. كيف تغيّر روسيا أدوات نفوذها في ليبيا؟

عماد عنان٢٠ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑