“انظروا إلى البلاء الذي جلبناه لأنفسنا، لمجرد أننا دعونا أمريكيًّا ليأكل الموز”. — الكولونيل أوريليانو بوينديا، “مائة عام من العزلة”، جابرييل جارسيا ماركيز.
في 29 مايو 1933، أعاد الملك عبد العزيز آل سعود توزيع أوراق اللعب في المنطقة من دون أن يدرك ذلك. وقّع الملك امتيازًا للتنقيب عن النفط مع شركة “سوكال” الأمريكية، فنشأت على إثره شركة “كاسوك” — شركة كاليفورنيا العربية للزيت القياسي — التي تحولت عام 1944 إلى “أرامكو”.
مثّل ذلك الامتياز الأمريكي في الجزيرة العربية أول اختراق جاد لواشنطن في منطقة احتكرتها لندن، ومن ورائها باريس، وكان أيضًا تتويجًا لجهود ومبادرات رجال أعمال جلبت الولايات المتحدة إلى المنطقة سياسيًّا، من دون تخطيط مسبق.
أفضت تلك الشراكة النفطية إلى ما حدث في منتصف فبراير 1945، حين التقى الرئيس فرانكلين روزفلت الملك عبد العزيز آل سعود على متن الطراد الأمريكي “يو إس إس كوينسي”، في منطقة البحيرات المرة بقناة السويس. تجاوز اللقاء كونه سابقة تمثلت في اجتماع رئيس أمريكي بحاكم الدولة حديثة التأسيس، ليغدو لحظة تأسيسية للضلع الأول في مثلث حكم علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة عقودًا، وأضلاعه: النفط، وإسرائيل، والهيمنة.
بين توقيع ذلك الامتياز وانعقاد هذا اللقاء، قصة يجب أن تُروى أولًا؛ لنفهم على نحو أعمق محددات السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، من خلال حليف واشنطن الأهم في المنطقة، المملكة العربية السعودية.
صفقة قرن أولى غير مُكتملة
في الأول من مايو 1939، ضجت مدينة الظهران احتفالًا بوصول الملك عبد العزيز، يرافقه نجلاه سعود وفيصل وموكب يضم نحو 2700 شخص. وفي ذلك الجو المفعم بالمهابة والأبهة، أدار الملك صنبور النفط إيذانًا بضخ باكورة الإنتاج إلى ناقلة حمولتها ثمانية آلاف طن، بعد ست سنوات من توقيع عقد الامتياز.
كان في استقبال الملك وحاشيته رئيس شركة “سوكال”، بيل بيرغ، الذي أهداه سيارة “باكارد” حمراء مجهزة بمستلزمات الرحلات الصحراوية. والأهم، وفقًا للمؤرخ الروسي أليكسي فاسيلييف في كتابه “الملك فيصل: شخصيته وعصره وإيمانه”، أن الشركة أنعشت خزينة الملك المتعثرة بمئتي ألف جنيه إسترليني ذهبًا، مع وعد بالمزيد، فقد كانت إدارتها تدرك أن أكبر الاحتياطيات النفطية البرية لم تُكتشف بالكامل بعد، وأن المستقبل يعد بالمزيد.
بحكم طبيعته الجغرافية وموارده، كان الشرق الأوسط دائمًا مسرحًا يصلح لأكثر من حدث في وقت واحد. وفي نهاية الثلاثينيات وبداية الأربعينيات، تزامن صعود النفط السعودي مع الحرب العالمية الثانية وتغوّل المشروع الصهيوني.
كانت آمال الملك عبد العزيز البراقة في زيادة عائدات النفط سريعًا قد تبددت، وظلت عائدات الحج المصدر الرئيس لدخل المملكة. لذلك فرغت الخزينة بسبب التقلص الشديد في عدد الحجاج خلال موسم 1939-1940؛ إذ بلغ عددهم 37 ألفًا فقط، مقابل 60 ألفًا في العام السابق، وتوقف دفع رواتب الموظفين وأفراد الجيش.
كانت رحى الحرب العالمية الثانية تدور أيضًا في ذلك الوقت، الذي عاد فيه عبد الله فيلبي، مبعوث الملك عبد العزيز، في يناير 1940 من مؤتمر مالكولم ماكدونالد، وزير المستعمرات البريطانية، الذي حاول حل الصراع العربي الصهيوني بإصدار الكتاب الأبيض، من خلال تقييد عدد المهاجرين اليهود عند 75 ألفًا خلال السنوات الخمس التالية.
وكما يذكر فاسيلييف في كتابه، عاد فيلبي حاملًا إلى الملك ما ظنّه حلًا. ففي لندن، وعلى هامش المؤتمر، التقى فيلبي سرًا حاييم وايزمان، وعرض عليه الحل الذي يراه للمشكلة الفلسطينية، والمتمثل في أن يدفع يهود العالم 20 مليون جنيه إسترليني إلى الملك عبد العزيز، ليوافق على تقسيم فلسطين وتأسيس وطن لليهود فيها، فيما يتسلم الفلسطينيون تعويضات وينزحون إلى أقطار عربية أخرى، منها المملكة ذاتها.
كانت تلك بمنزلة صفقة قرن أولى، لكنها لم تتم، رغم إعجاب وايزمان بها ورضاه عنها؛ إذ رفضها الملك عبد العزيز مقرّعًا فيلبي. ومن دون أن يعلم، كانت أزمته على وشك أن تُحل بفضل رجال الأعمال الأمريكيين.

“هذه البلاد أبعد ما يكون”
حينما دُحر إرفين روميل، القائد الألماني، من الشرق الأوسط في نهاية عام 1942 في معركة العلمين، عادت “كاسوك” لتزيد استخراجها النفطي، بعد أن فتحت الآبار التي كانت قد أغلقتها بالخرسانة المسلحة. ولكن في الوقت نفسه، انتابت إدارة الشركة مخاوف من أن تدفع أزمة الملك الاقتصادية والضغط الإنجليزي إلى سحب امتيازه منها وتسليمه إلى شركة النفط الأنجلو-فارسية العملاقة.
فقرر مدير إدارة الشركة، جيمس موفيت، أن يقابل صديقًا قديمًا كان في ذلك الوقت رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، هو الرئيس روزفلت، ليرمي بذلك بذورًا ستثمر مصالح لوبيات اقتصادية عديدة، ستدفع الولايات المتحدة إلى التدخل في الشرق الأوسط لعقود.
اقترح موفيت على صديقه أن تقدم الولايات المتحدة إلى المملكة، خلال السنوات الخمس التالية، 6 ملايين دولار سنويًا، على أن تصدر شركته، في مقابل هذا المبلغ، النفط السعودي إلى الأسطول الأمريكي بسعر مخفض. وكان على الخارجية الأمريكية، في الوقت ذاته، أن توصي الحكومة البريطانية بزيادة مساعداتها للمملكة.
كذلك طلب موفيت من روزفلت أن يأخذ تعهدات من لندن بألّا تطالب بأي حقوق في مناطق الامتياز الأمريكي، وطلب منه أيضًا تقديم مساعدات أمريكية إلى المملكة العربية السعودية عن طريق البرنامج الاقتصادي الأمريكي الشهير خلال الحرب: “الإعارة والتأجير”.
كانت تلك قائمة كبيرة جدًا من الطلبات ليقبلها صديق من صديقه، فصاغ روزفلت رفضه في رسالة شهيرة، حين كتب لصديقه: “يا جيمس، أليس من الأفضل أن تطلب من الإنجليز أن يهتموا بملك السعودية؟ بالنسبة إلينا، هذه البلاد أبعد ما تكون”.
لم يكن اليأس خيارًا. فكما يذكر جيمس بار في كتابه “سادة الصحراء: الصراع الأمريكي-البريطاني على الشرق الأوسط أواسط القرن العشرين”، توجه موفيت إلى وزير الداخلية ومسؤول مؤسسة الاحتياطي النفطي خلال الحرب، هارولد إيكيس، بمذكرة تؤكد فيها إدارة “كاسوك” للوزير أن الحكومة البريطانية تساعد المملكة العربية السعودية بسخاء، لأنها تحصل بدورها على مساعدات هائلة من واشنطن؛ لذا، أليس من الأفضل أن نساعد المملكة مباشرة؟
كان ذلك المطلب متسقًا مع استراتيجية الوزير لإدارة النفط خلال أزمة الحرب، التي تهدف إلى جعل الولايات المتحدة تستهلك المزيد من النفط الأجنبي، الفنزويلي والسعودي، في وقت كانت فيه وزارة الحرب الأمريكية تحذر من نقص حاد في وقود الطائرات يحتاج إلى معالجة.

لذلك، في 16 فبراير 1943، وأثناء عشاء مع الرئيس روزفلت، حذّر إيكيس الرئيس من البريطانيين قائلًا: “لم يفوّتوا أي فرصة للدخول إلى حيث يوجد النفط، وكانوا يحاولون شق طريقهم إلى السعودية، التي ربما تضم أكبر وأغنى حقل نفطي في العالم”.
وبعد يومين، أعلن الرئيس أن المملكة العربية السعودية “مهمة للغاية للدفاع عن الولايات المتحدة”. وبناءً عليه، حصلت المملكة على مساعدات برنامج الإعارة والتأجير. ومنذ تلك اللحظة، كما يذكر بار، ومع تمركز القوات الأمريكية في شمال إفريقيا، بدأ روزفلت يعير فجأة اهتمامًا أكبر لسياسات العالم العربي.
في العامين التاليين، كانت المملكة قد تسلمت، إلى جانب عائدات النفط، 33 مليون دولار نقدًا وفي شكل بضائع وعملات ذهبية وفضية. ووفقًا لما يذكره فاسيلييف في كتابه، قدّرت لجنة الدفاع الوطني لدى مجلس الشيوخ، عام 1948، المساعدات الأمريكية التي قدمت إلى السعودية خلال الحرب وبعدها، في شكل قروض مباشرة وغير مباشرة، بنحو 99 مليون دولار. هكذا، استطاعت الشركات النفطية الأمريكية، بمساعدة حكومتها، أن تحاصر نفوذ منافسيها الإنجليز وتجهز عليه.
تعهدات على متن كوينسي
الآن نصل إلى النقطة التي بدأنا منها، فمن منطلق ذلك الاهتمام الأمريكي المستحدث بالسعودية، أدرك الرئيس روزفلت أن الملك عبد العزيز قد يكون واحدًا من أهم القادة العرب، إن لم يكن أهمهم، القادرين على مساعدته في حل قضية اليهود بنهاية الحرب.
لذلك دعاه إلى لقائه على متن “كوينسي”. وبعد لقاء حافل بالحديث والمناقشة، مسجل في محاضر عدة، وعد الرئيس روزفلت نظيره السعودي بأنه “لن يفعل شيئًا لمساعدة اليهود إن كان على حساب العرب، ولن يقوم بأي خطوة معادية للشعب العربي”.
وحينما عاد إلى واشنطن، كان قد أيّد الخطة التي طرحها عبد العزيز، وهي إرسال بعثة إلى الغرب لتوضيح وجهة النظر العربية بشأن فلسطين. وصرح روزفلت أمام الكونغرس الأمريكي بعد عودته إلى واشنطن قائلًا: “علمت من ابن سعود، ملك الجزيرة العربية، في خمس دقائق عن قضية المسلمين والقضية اليهودية أكثر مما تعلمت من دزينة من التقارير”.
يذكر لنا فاسيلييف أنه خلال التوديع، وإلى جانب وعده بشأن قضية فلسطين، أهدى الرئيس الأمريكي كرسيه المتحرك إلى الملك عبد العزيز، الذي كان يعاني من آلام في ركبته، ووعد بإرسال طائرة إليه على سبيل الهدية.

الملك عبد العزيز، من ناحيته، منح روزفلت موافقته على استخدام سفن الحلفاء الموانئ السعودية في الخليج العربي، وبناء قاعدة جوية ضخمة هناك، تُستأجر مدة لا تتجاوز خمس سنوات، ثم تُعاد إلى المملكة بالمباني المشيدة عليها.
وقدم له تعهدين: الأول أن يعلن الحرب على دول المحور، والثاني بخصوص النفط؛ فقد حصل روزفلت من الملك على تأكيد بقاء الامتيازات الأمريكية القائمة وتوسيعها، بموافقته على مد أنبوب للنفط عبر الجزيرة العربية، يربط منطقة الأحساء بسواحل البحر الأبيض المتوسط.
والشيء الأهم أن الملك استفسر من الرئيس بودّ عما إذا كانت الولايات المتحدة ستعود بعد الحرب إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية، فتبقى السعودية في مجال الهيمنة البريطانية، كما يقول له الإنجليز دومًا. إلا أن روزفلت عاهده على أن الولايات المتحدة لن تسمح ببقاء الهيمنة البريطانية حصرية في المنطقة.
أكد الرئيس روزفلت تعهداته مرة أخرى في رسالة مكتوبة، وكان لتلك التعهدات والوعود أن تشكل أسس العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية في المنطقة لعقود قادمة، لولا أن الموت باغت الرئيس روزفلت بعد أسبوع من تلك الرسالة، فماتت معه وعود لم يُكتب لها أن تتجاوز حياته، فيما ظلت وعود أخرى قائمة حتى اليوم.
“لست ملتزمًا تجاه أي تفاهم من هذا القبيل”
حينما تولى هاري ترومان رئاسة الولايات المتحدة، كان عليه أولًا أن ينهي الحرب. وبالتوازي، كانت قضية فلسطين على صفيح ساخن هي الأخرى.
في أغسطس 1945، أرسل المفوض الأمريكي للنظر في شؤون اللاجئين اليهود والنازحين من ضحايا الهولوكوست، إيرل هاريسون، تقريره إلى الرئيس قبل نشره رسميًا عام 1946، وشجع فيه ترومان على اتخاذ إجراءات حاسمة، تتعلق بالسماح فورًا بدخول 100 ألف لاجئ يهودي إلى فلسطين. تحمس ترومان للمقترح لأسباب إنسانية، كما تذكر موسوعة الهولوكوست.
ولكن، كما يذكر فاسيلييف، كانت لترومان أسباب انتخابية كذلك، وهي الأهم، كما يتضح من اجتماعه مع أربعة من رؤساء البعثات الدبلوماسية في الشرق الأوسط؛ إذ دعاهم ليعرضوا عليه آراءهم بشأن الأضرار التي ستلحق بالمواقع الأمريكية في المنطقة إذا قامت دولة إسرائيل.
وبعد أن طرح عليهم الرئيس عدة أسئلة في الموضوع، أوجز موقفه قائلًا بمنتهى الصراحة: “آسف يا سادة، ولكن عليّ أن ألبي طلبات مئات الآلاف من الأمريكيين الراغبين في انتصار الصهيونية، وليس لديّ مئات الآلاف من العرب بين الناخبين المؤيدين لي”.
وفي مؤتمر صحفي في أكتوبر 1945، ترجم ذلك الأسف إلى مؤشر مبكر على انقلابه على مبادئ سلفه، حين سأله أحد الصحفيين عن تعهدات روزفلت للملك عبد العزيز: أكانت حقيقة أم لا؟ فأجاب بـ”لا” قاطعة.
وزاد على ذلك مدعيًا: “اطلعت على سجلات المؤتمرات الخارجية بعناية شديدة، ولم أجد أي التزام من هذا القبيل. ونظرًا إلى غياب أي سجل رسمي أو غير رسمي يثبت أن سلفي قطع تعهدًا مماثلًا، فأنا لست ملتزمًا تجاه أي تفاهم من هذا القبيل”.
كما يذكر جيمس بار، أحدث التصريح شرخًا مبكرًا في ولاية ترومان الأولى بين البيت الأبيض ومؤسسته الدبلوماسية، التي أرادت الحفاظ على العلاقة مع السعودية. فقد أثار غضب ابن سعود ومستشاريه، الذين كانوا يستمعون إلى الأخبار عبر الراديو، وأبلغوا السفير الأمريكي بيل إيدي بأن الملك سيطلب توضيحًا؛ إذ كانوا متيقنين تمامًا من أن محضر لقاء الملك مع الرئيس روزفلت يناقض ما أعلنه ترومان، ومستعدين لنشره.
حاول ترومان أن يمنع الملك السعودي من تنفيذ تهديده قبل الانتخابات الرئاسية، فكتب رسالة غاضبة إلى الملك قائلًا إن ملاحظاته نُقلت على نحو غير دقيق. كما قال إنه مستعد لنشر رسالة روزفلت الأخيرة قبل وفاته، ولكن ليس محضر الاجتماع، لأن ذلك لن يخدم المصلحة المشتركة للبلدين. وقد وافق الملك عبد العزيز على هذا المقترح، ونُشرت الرسالة بالفعل في أكتوبر 1945، وبيّنت أن الولايات المتحدة لم تغيّر موقفها أو تعهدها.
لكن في ذلك الوقت، وكما شعر العرب بأن أمريكا هي من سترث الإمبراطوريات وعالم ما بعد الحرب، شعر اليهود بذلك أيضًا. لذلك كان الضغط السياسي على ترومان قد تصاعد؛ فخلال عامي 1947 و1948، تلقى نحو ثمانية وأربعين ألف برقية وثلاثة أرباع المليون بطاقة بريدية وصلت إلى البيت الأبيض بشأن مسألة فلسطين وحدها، إلى درجة أنه انزعج، في وقت ما، من إلحاح جماعات الضغط الصهيونية عليه، ورفض استقبال مزيد من الوفود المؤيدة لإسرائيل فترة من الوقت. لكنه اختار في النهاية أن يقف إلى صف إسرائيل. ولم يكن انقلاب الإدارة الأمريكية، ممثلة في شخصه، قرارًا منفردًا، بقدر ما كان صراعًا مؤسسيًا داخل الإدارة نفسها.

كان وزير الخارجية جورج مارشال ومساعدوه، وعلى رأسهم مدير شؤون الشرق الأوسط لوي هندرسون، معارضين لفكرة إقامة دولة يهودية، محذرين من تأثير ذلك في تدفق النفط إلى واشنطن. وفي مارس 1948، فوجئ ترومان بأن وزارة خارجيته بدّلت موقف الإدارة من تأييد التقسيم إلى اقتراح وصاية دولية، من دون علمه. فكتب في يومياته أنه بات في موقف المخادع الكذاب، بعدما كان قد وعد الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان شخصيًا بدعم التقسيم.
بلغ التوتر ذروته بين الرجلين في اجتماع عُقد في مايو 1948، حين هدد مارشال أمام ترومان بأنه سيصوت ضده في الانتخابات إن اتخذ قرارًا بالاعتراف الفوري بالدولة اليهودية المرتقبة. ولم يمنع ذلك الولايات المتحدة من أن تصبح أول دولة في العالم تعترف بإسرائيل بعد إعلان قيامها.
على الناحية الأخرى، كانت تلك لحظة أخرى من إيمان في غير محله بين العرب والولايّات المتحدة، فكما يذكر فاسيلييف، ظل الأمير فيصل حتى لحظة التصويت في الأمم المتحدة على تقسيم فلسطين عام 1947 مؤمنًا أن ترومان سيلتزم موقف روزفلت، حينما ستحين اللحظة، وهذا ما لم يحدث. لماذا لم تحدث قطيعة في تلك اللحظة إذن؟
الوقوف على الجانب الصحيح من التاريخ!
لم يطغَ شعور السعوديين بالمرارة على شكل علاقتهم بالولايات المتحدة؛ فقد كان هناك واقع تمترسهم مع الولايات المتحدة الأمريكية في خندق واحد، في عالم الحرب الباردة الناشئ، الذي كانت تقف فيه الشيوعية في المعسكر المقابل. ولم تكن الولايات المتحدة، حتى تلك اللحظة، قد قدمت إلى إسرائيل أكثر من مجرد دعم دبلوماسي.
لذلك، وكما يفسر فاسيلييف، أتقن الملك عبد العزيز بسرعة لهجة خطاب الحرب الباردة، واختار أن يكون على الجانب الصحيح من التاريخ في وجه خطر الشيوعية الملحدة، التي لم تخفِ هي الأخرى دعمها لقيام دولة إسرائيل، فلم يكن يشفع لها شيء في نظره.
لقد تعلمت الولايات المتحدة والسعودية معًا، في ذلك الوقت، تأسيس سياسة جديدة تقوم على الفصل بين المسارين النفطي والسياسي، اللذين سار كل منهما على قضيب منفصل، وكانا يخدمان معًا الهدف الأعلى للهيمنة الأمريكية الشاملة، والمصالح السعودية كذلك.
فاعتبارًا من عام 1944، كانت بعثة عسكرية أمريكية تتولى إعادة تنظيم الجيش السعودي والتشكيلات البدوية، محولة إياها إلى جيش نظامي حديث. وفي عام 1946، دُشنت القاعدة الجوية الأمريكية في الظهران، وجُدد اتفاق استخدامها عامي 1949 و1951.
وفي عام 1949، أُعلن في واشنطن برنامج ترومان، ونصت نقطته الرابعة على تقديم المساعدات الفنية إلى البلدان الأجنبية. وعلى هذا الأساس، تسلمت السعودية، خلال الفترة بين عامي 1952 و1954، نحو خمسة ملايين دولار لتطوير الزراعة واستثمار الموارد الطبيعية.
لقد كان ذلك عالمًا جديدًا يتشكل، منذ أن بدأ الرئيس روزفلت يضغط، عبر ميثاق الأطلسي لعام 1941، من أجل تفكيك نظام الأفضلية الإمبراطورية التجاري، الذي كان يحمي أسواق المستعمرات البريطانية. وقد استشعر تشرشل ذلك إلى درجة أنه قال: “لم أتولَّ منصب الوزير الأول للملك لأشرف على تصفية الإمبراطورية البريطانية”.
لكن الحرب كانت قد أنهكت قدرة بريطانيا الفعلية على التمويل والانتشار العسكري، فبدأ الفراغ الجيوسياسي يتشكل تدريجيًا في مناطق نفوذها التقليدية، مع بدء زمن تصفية الاستعمار. ورغم أنها كانت قد فازت بالحرب، وجدت أن أحدًا لم يحصد الغنائم سوى الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
وكانت دول الشرق الأوسط، في تلك اللحظة، مختلفة في تقدير المعسكر الذي ستقف إلى جانبه. ومن الواضح أن السعودية اختارت الولايات المتحدة لأسباب عقائدية مناهضة للعقيدة الشيوعية الإلحادية، ولشبكة مصالح كانت قد تشكلت بالفعل مع الولايات المتحدة عبر احتكارات النفط.
السير على أكثر من حبل
تعايش كل ذلك مع وجود إسرائيل كنقطة تماس حساسة في العلاقة بين البلدين، كالفيل في الغرفة؛ إذ اختار الطرفان تجاهل أثر تلك القضية في علاقتهما. فقد دعمت السعودية، خلال القرن العشرين، الحرب ضد إسرائيل بالمال، وبتبنّي حركات المقاومة الفلسطينية التي تصنفها الولايات المتحدة حركات إرهابية.
وعلى الناحية الأخرى، كانت الولايات المتحدة قد تعلمت من درس ترومان أنه يمكنها التنكر لالتزامها وسيطًا محايدًا، مع الحفاظ على مصالحها في القضايا الأخرى، وأخذت في تأسيس دورها كوسيط غير نزيه، بلغ ذروة فجاجته في انحيازاتها خلال حربي 1967 و1973.
في كتابه “وسطاء الخداع: كيف قوّضت الولايات المتحدة الأمريكية عملية السلام في الشرق الأوسط”، يتحدث المؤرخ رشيد الخالدي عن الدور الأمريكي في مسار التسوية، مفندًا فكرة أن واشنطن كانت يومًا وسيطًا محايدًا بين طرفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويمكن رد جذور هذا النمط إلى وقائع عامي 1947 و1948، التي عرضناها سابقًا؛ إذ اختارت واشنطن، خلال أسابيع معدودة، التراجع عن موقفها في اللحظة التأسيسية للأمم المتحدة، كراعٍ للحل القائم على التقسيم، لتتحول إلى الاعتراف الأحادي بإسرائيل، بمعزل عن أي توافق إقليمي، في نمط من الازدواجية سيتكرر لاحقًا في كل محطة من محطات ما يُعرف بعملية السلام.
من هذا المنطلق، لم تكن اللحظة التأسيسية لعلاقة واشنطن بالصراع العربي الإسرائيلي لحظة حياد انزلقت لاحقًا نحو الانحياز، بل كانت منذ البداية عملية تفاوض داخلي أمريكي بين مصالح متعارضة، هي: النفط والعلاقة مع الحلفاء العرب من جهة، والضغط الانتخابي الداخلي والالتزام الأخلاقي تجاه اللاجئين اليهود من جهة أخرى. وكان الحسم في كل مرة لصالح الخيار الإسرائيلي، مع الحفاظ الشكلي على لغة الوساطة والحياد.
حينما نحاول تلخيص هذه المقالة في فقرة تجيب عن سؤال: لماذا اخترنا موضوعها نقطة فارقة في ربع ألفية من الوجود الأمريكي وفي علاقته بالشرق الأوسط؟ سنرى، من خلال قراءة تلك المحطات مجتمعة، أن مثلث النفط وإسرائيل والهيمنة لم يتشكل دفعة واحدة على متن الطراد “كوينسي”، بل تراكم عبر ثلاث موجات متعاقبة.
الموجة الأولى ملأت فيها واشنطن فراغ القوة البريطانية المنهكة، عبر تحالفات نفطية براغماتية لا تلتفت كثيرًا إلى قضية فلسطين. والثانية شهدت انقلابًا سياسيًا داخليًا أطاح بوعود روزفلت الحذرة لصالح ضغوط انتخابية داخلية، مع الحرص على ألّا يُترجم هذا الانقلاب إلى خسارة للمصالح النفطية. أما الموجة الثالثة، فقد أعادت تعريف واشنطن من حَكَم بين طرفين إلى شريك استراتيجي لأحدهما، تحت غطاء لغة الوساطة والحياد.
ما بين لحظة النفط، التي بدأت عمليًا في مطلع الأربعينيات، ولحظة إسرائيل، التي ختمت ذلك العقد ولم تكتمل ملامحها بالنسبة إلى الولايات المتحدة إلا بعد حرب 1967، تكمن الحقبة الانتقالية التي صاغت فيها الولايات المتحدة، خطوة بخطوة وبتؤدة، هويتها كقوة مهيمنة وحليف لا غنى عنه لدول عربية كالسعودية، ووسيط غير نزيه في القضية الفلسطينية، في آن معًا. وهي الهوية التي لا تزال تحكم قواعد الاشتباك السياسي في المنطقة حتى يومنا هذا.
لم تكن تلك المعادلة ثابتة الأطراف، كما سنعرض فيما تبقى من الملف، بل بنية مرنة أعادت واشنطن ترتيب أولوياتها داخلها بحسب متطلبات كل مرحلة.