جاءت تصريحات وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، مختلفة عن المواعيد الحكومية المرتبطة بإنهاء المخيمات في سوريا، إذ أعلن أن العمل جارٍ لإغلاق ملف المخيمات بحلول سبتمبر/أيلول 2027، بينما طرح مسؤولون حكوميون خلال الأشهر الماضية شعار “سوريا بدون مخيمات قبل نهاية عام 2026”.
ظهرت الخطة إلى العلن خلال ورشة عمل عقدت في كانون الثاني/يناير 2026 بمشاركة جهات حكومية عدة، وعزز الرئيس أحمد الشرع مسارها في آذار/مارس بالمرسوم رقم “59”، الذي نص على تشكيل لجنة برئاسة الصالح للعمل على تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيدًا لعودة الأهالي إليها.
تسير الخطة وفق ستة مسارات متوازية، تشمل تأهيل المناطق المدمرة، وإزالة الأنقاض والألغام ومخلفات الحرب، ودعم العودة الطوعية، وحشد التمويل والتنسيق مع الأمم المتحدة، والتنظيم والحوكمة، وإعداد قاعدة بيانات شاملة عن المخيمات وأعداد سكانها واحتياجاتهم.
وبين هدف إنهاء المخيمات نهاية 2026 والموعد الجديد لإغلاقها، يتناول التقرير أسباب اختلاف المواعيد في الخطاب الرسمي، والعوائق التي ما تزال تواجه عودة مئات آلاف النازحين والمهجرين، رغم تراجع أعداد القاطنين في المخيمات من نحو ثلاثة ملايين إلى 800 ألف شخص منذ سقوط نظام بشار الأسد.
800 ألف نازح ينتظرون العودة
في 10 أيلول/سبتمبر الحالي، قال الوزير رائد الصالح إن الطموح هو إغلاق ملف المخيمات في أيلول/سبتمبر 2027، مشيرًا إلى أن 141 ألف عائلة ما تزال في المخيمات، بما يعادل نحو 750 ألفًا إلى 800 ألف نسمة، وأن 20.8% من سكان المخيمات عادوا إلى مناطقهم منذ تشكيل اللجنة الوزارية، فيما أُغلق 201 مخيم في مناطق مختلفة.
ويعيش 40% من العائلات المتبقية في أبنية إسمنتية، تشمل شققًا وأبنية أُنشئت خلال السنوات الماضية استجابة لحاجة النازحين، فيما يعيش 40% في مساكن ذات جدران إسمنتية وأسقف من الشوادر، و17% في خيام قماشية، و3% في “كرفانات” مسبقة الصنع.
وبين هذه الحالات، يمثل نحو 8% من قاطني المخيمات “القسم الأصعب”، وفق الصالح، وهم أشخاص لا يملكون منازل، سواء كانت مدمرة أو غير مدمرة، ولا يملكون أرضًا يمكنهم البناء عليها أو وضع كرفانة فيها، وتدرس اللجنة التعامل مع هذه الحالات من خلال تأمين فرص عمل مناسبة تشجع أصحابها على الانتقال إلى بلداتهم، أو تقديم مساعدات تتناسب مع أوضاعهم.
وتُسيّر منذ نحو شهرين قوافل عودة طوعية يوميًا من المخيمات، مع تنفيذ مشاريع لإعادة تأهيل البنى التحتية في عدد من المناطق، تشمل المدارس والمستوصفات ومحطات المياه والكهرباء. وتشارك في هذه الجهود جهات حكومية ومنظمات محلية وأممية ودولية، إلى جانب متبرعين من رجال الأعمال، فيما تتولى اللجنة تنسيق هذه الجهود والإشراف على تهيئة ظروف عودة آمنة وكريمة ومستدامة، وفق الصالح.
وقال الوزير إن مشكلة المخيمات “مركبة ومعقدة”، وتتطلب اتخاذ عدة قرارات، من بينها ما يتعلق بالمساكن والمباني الإسمنتية، وأعطى مثالًا بمخيم كفرجالس، الذي يضم أبنية من أربعة طوابق تؤوي نحو 12 ألف عائلة، وتتوفر فيه خدمات الصرف الصحي والمياه والكهرباء، موضحًا أن من بين الخيارات المطروحة للتعامل مع مخيمات مشابهة تنظيمها إداريًا لتصبح بلدات أو بلديات أو ضواحٍ تتبع للمدن القريبة منها، وهو ما يتطلب موازنات من الدولة.

أما المخيمات التي تضم مساكن بجدران إسمنتية وأسقف من الشوادر، فأشار الصالح إلى انخفاض عدد القاطنين فيها، موضحًا أن العمل يتركز على إقناع المقيمين بالانتقال إلى أماكن جديدة، في ظل وجود نحو 7500 مسكن إسمنتي شاغر تركها عائدون إلى مناطقهم، وهو ما يساعد، بحسبه، على إعادة تنظيم واقع المخيمات.
وذكر الوزير أن اللجنة تستهدف بشكل مباشر المخيمات الواقعة في المناطق الأشد ضعفًا، ولا سيما تلك المقامة في الوديان ومجاري السيول، لتفادي تضررها في حال حدوث فيضانات، وأوضح أن العمل جارٍ على نقل هذه المخيمات تدريجيًا، مشيرًا إلى أنها تمثل نحو 3% من المخيمات، وتضم ما بين 4 آلاف و5 آلاف عائلة لا تزال تقيم فيها.
2026 لإغلاق الخيام.. 2027 لملف المخيمات
تكرر خلال الأشهر الماضية شعار “سوريا بدون مخيمات قبل نهاية عام 2026” على لسان عدد من الوزراء والمسؤولين، بينهم وزير المالية محمد يسر برنية، ومديرة الشؤون الاجتماعية والعمل بمحافظة إدلب أحلام الرشيد، ومحافظ حلب عزام الغريب، إلى جانب تصريحات أخرى دعمت هذا التوجه، في ظل مشاركة عدد كبير من الجهات الحكومية في اللجنة المعنية بملف المخيمات، التي تضم وزارات الصحة، والتربية، والشؤون الاجتماعية والعمل، والأشغال العامة والإسكان، والإدارة المحلية والبيئة، والطوارئ وإدارة الكوارث، والمالية، إلى جانب محافظات إدلب وحلب وحماة واللاذقية والسويداء.
وعلى مستوى الرئاسة، تحدث أحمد الشرع في آذار/مارس 2026 عن أمل الحكومة في إنهاء ما بين 70 و80% من المخيمات خلال العام، وتمكين الأهالي من العودة إلى قراهم وبلداتهم، ثم قال في 18 أيار/مايو إن سوريا ملتزمة بطي صفحة المخيمات بحلول عام 2027.
وبقي موعد نهاية 2026 حاضرًا في بعض التصريحات وتقارير الإعلام الرسمي، بالتزامن مع طرح اللجنة الوزارية رؤية “سوريا بلا مخيمات“، التي تحظى بدعم دولي وأممي ومساعٍ سورية لتوحيد الجهود لتنفيذها، ومن بين أشكال الدعم المعلنة مساهمة من المملكة العربية السعودية بقيمة مليار ونصف المليار دولار.
وبحسب توضيح من مكتب التواصل الإعلامي في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث لـ”نون بوست”، فإن الحديث عن نهاية عام 2026 يتعلق بإغلاق المخيمات القماشية، بينما يشمل الطموح المعلن لعام 2027 إغلاق ملف المخيمات والنزوح بشكل كامل.
وتعكس المواعيد المعلنة فجوة بين الخطاب العام والتفاصيل التنفيذية للخطة، فالشعار الذي جمع جهود جهات حكومية عدة تحت موعد واحد لم يوضح منذ البداية أن هدف نهاية 2026 يقتصر على إنهاء الخيام القماشية، بينما يمتد إغلاق ملف المخيمات إلى 2027.

الفقر والدمار.. عقبات العودة
تظل أزمة النزوح والتهجير معقدة في ظل إرث ثقيل من الدمار وتهالك البنية التحتية والألغام ومخلفات الحرب والفقر، وهي عوامل تعيق العودة بعد مرور سنة وتسعة أشهر على سقوط الأسد، رغم تراجع أعداد النازحين والخيام، إذ قدّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن 2,009,506 نازحين داخليًا عادوا إلى مناطقهم الأصلية في سوريا بين كانون الأول/ديسمبر 2024 و3 أيلول/سبتمبر 2026.
وكانت أحدث التوجهات في إطار رؤية “سوريا بلا مخيمات” إعلان محافظة حماة عن حزمة مشاريع مزمع إنجازها خلال الفترة المقبلة، تشمل 84 مشروعًا في 70 بلدة وقرية، بتكلفة تقارب 7.5 ملايين دولار، موزعة على عدة قطاعات، منها التربية والتعليم، والصرف الصحي، والمياه والآبار، والقطاع الصحي والمستوصفات، والطرق والبنى التحتية.
ولا تزال ظروف المعيشة والخدمات في المناطق الأصلية عائقًا أمام عودة بعض النازحين والمهجرين، بحسب عزام العنان، الذي يقيم في مخيم “فتح دار” قرب سرمدا شمالي إدلب، بعدما دُمر منزله في قرية الشيخ مصطفى بريف إدلب الجنوبي بشكل كامل. ويوضح أنه أزال الردم من فوق أساسات منزله، لكنه غير قادر على إعادة البناء.
ويقول عزام لـ”نون بوست” إن بعض العائلات تغادر المخيم، فيما تعود أخرى إليه بسبب تعذر الاستقرار في قراها الأصلية، مرجعًا ذلك إلى الفقر الشديد وغياب مصادر الدخل، إلى درجة أن بعض العائلات لا تملك القدرة حتى على إقامة خيمة في مكان منزلها المدمر.
ويشير إلى أن المساعدات المقدمة للعائدين تقتصر غالبًا على تأمين نقل العائلة ومقتنياتها المحدودة من الخيمة، أو تقديم سلة غذائية تكفي لعدة أيام أو أسابيع بحسب عدد أفراد الأسرة.
ويضيف أن فرص العمل المتوفرة قرب المخيمات تشكل سببًا آخر لبقاء بعض العائلات، إذ يعمل عدد من الآباء وأبنائهم في المعامل والشركات في سرمدا وحارم وسلقين والدانا، بينما تفتقر القرى الأصلية، بحسب وصفه، إلى فرص العمل ومصادر الدخل.
كما يرى أن الخدمات المحيطة بالمخيمات المقامة منذ سنوات تتفوق، رغم قلّتها وضعفها، على المتوفرة في القرى الأصلية، مشيرًا إلى وجود مدارس قريبة ومصادر للمياه، حتى وإن كانت عبر الصهاريج، لكنها ما تزال بكلفة أقل.
وتؤكد إفادات ثلاث عائلات قابلها “نون بوست” جانبًا من هذه الصعوبات، إذ أشارت إحداها إلى اضطرار العائدين إلى معرة النعمان لقطع نحو 40 كيلومترًا للحصول على خدمات الرعاية الصحية، ما يضيف أعباء مالية ومخاطر وتأخيرًا في الوصول إلى العلاج.
ورغم التحديات الكبيرة، فإن سوريا أمام فرصة تاريخية لمعالجة أزمة النزوح، مرهونة بتحويل العودة إلى حلول دائمة وآمنة وكريمة ومستدامة، بالتوازي مع إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات وسبل العيش، وضمان استعادة حقوق النازحين المتعلقة بالسكن والأراضي والممتلكات، وإزالة الألغام ومخلفات الحرب، واستمرار الدعم الدولي لبرامج التعافي وإعادة الإدماج، وفق ما تراه المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين داخليًا باولا غافيريا بيتانكور.