• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

صراع النفوذ بين أنقرة وتل أبيب: توترات متصاعدة تضع استقرار الشرق الأوسط على المحك

بن هوبارد٣١ أغسطس ٢٠٢٦

وصف الصورة: الرئيس رجب طيب أردوغان في أنقرة بتركيا هذا العام. يخشى محللون ومسؤولون أن تؤدي المنافسة المتنامية بين تركيا وإسرائيل إلى تفاقم حالة التقلب في الشرق الأوسط

ترجمة وتحرير: نون بوست

شهدت الآونة الأخيرة تصعيداً غير مسبوق في نبرة الهجوم السياسي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد إسرائيل إذ تجاوزت تصريحاته حدود التنديد التقليدي بنعتها بدولة الإرهاب وتشبيه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بهتلر، بل ووصلت إلى حد التلميح بإمكانية التدخل العسكري التركي المباشر داخل الأراضي الإسرائيلية.

وفي المقابل، وصم نتنياهو نظيره التركي بأنه “دكتاتور معادٍ للسامية”، بينما ذهبت أصوات حكومية إسرائيلية أبعد من ذلك باتهام أنقرة برعاية الإرهاب والسلوك كـ”دولة عدوة”.

وتشكل حرب الكلام هذه الواجهة الأبرز لصراع نفوذ متأجج بين العاصمتين، يحذر خبراء ومسؤولون من تداعياته الكارثية على استقرار الشرق الأوسط؛ المنطقة المنهكة أصلاً بتبعات الحروب والانهيارات المتلاحقة في سوريا، ولبنان، وغزة، وإيران.

وعلى الرغم من ارتباط كلا البلدين بتحالفات استراتيجية مع واشنطن وروابط وثيقة مع إدارة ترامب، فإن امتلاكهما لترسانات عسكرية متنامية النفوذ عابر للحدود يدفعهما نحو أجندات متصادمة في الشرق الأوسط، والقرن الأفريقي، وشرق المتوسط.

وفي هذا السياق، يوضح ضياء ميرال، مدير مركز “رافين” للبحوث والاستشارات في لندن، أن النزعة العسكرية الطموحة لأنقرة وتل أبيب أفرزت حتمياً “تنافسًا ومجابهة جيوستراتيجية لا مفر منهما”.

وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السيد أردوغان بأنه “دكتاتور معادٍ للسامية”، واتهم أعضاء في الحكومة الإسرائيلية تركيا بدعم الإرهاب والتصرف كـ”دولة عدوة”

غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انزلاق الجانبين إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، محذراً في الوقت ذاته من أن تصاعد التوتر يضاعف من مخاطر سوء التقدير إذ إن أي خطوة عسكرية محدودة يقدم عليها أحد الطرفين “لتوجيه رسالة” إلى خصمه “قد تنطوي على تداعيات عكسية بالغة الخطورة”.

وفي خطوة عملية تعكس هذه المخاوف، قصفت إسرائيل الأسبوع الماضي قاعدة جوية معطلة في شمال سوريا، في محاولة استباقية لما زعمت تل أبيب أنه تموضع وشيك لقوات تركية في الموقع. وتكتسب سوريا أهمية استراتيجية بالغة باعتبارها حلقة الوصل الجغرافية والعمق الأمني الحساس لكل من أنقرة وتل أبيب.

ومن جهتهما، نفت كل من الحكومة التركية والسورية وجود أي خطط لنشر قوات عسكرية في القاعدة المستهدفة، بينما خلت حصيلة الهجوم من أي خسائر بشرية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، انتقد السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، الغارة عبر تدوينة على منصات التواصل الاجتماعي، واصفاً إياها بـ”التصعيد غير المبرر”، ومطالباً العاصمتين بـ”تغليب لغة العقل وتجنب أي احتكاكات عسكرية جديدة”.

ولم تكن مسار العلاقات الثنائية محكوماً بالعداء المطلق طوال تاريخها فقد ربطت البلدين لعقود طويلة من الزمن  روابط دبلوماسية وتجارية متينة تخللتها أزمات متفرقة تمحورت في الغالب حول القضية الفلسطينية.

فقد سجلت تركيا سوابق تاريخية باعتبارها أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل إثر إعلان قيامها عام 1948، كما نأت بقواتها عن المشاركة في الحروب العربية الإسرائيلية اللاحقة. والجدير بالذكر أن تركيا حليف رئيسي لواشنطن ضمن منظومة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بينما تحظى إسرائيل بدعم عسكري استراتيجي واسع النطاق من الإدارة الأمريكية.

غير أن مسار العلاقة شهد انعطافة حادة ومحتقنة مؤخراً بفعل حدثين رئيسيين.

محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، مع السيد أردوغان خلال مؤتمر صحفي بالقصر الرئاسي في أنقرة هذا الشهر

تمثل المحطة الأولى في الحرب التي شنّتها إسرائيل على غزة رداً على هجوم قادته حركة حماس في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وأسفر عن مقتل نحو 1200 شخص داخل إسرائيل حيث وجّه المسؤولون الأتراك انتقادات لاذعة لطريقة إدارة تل أبيب للعمليات، متهمين جيشها مراراً بارتكاب إبادة جماعية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ نعت أردوغان نتنياهو بـ”مصاص الدماء”، مجاهراً بدعمه لحركة حماس التي تصنفها إسرائيل والولايات المتحدة وعواصم غربية أخرى منظمة إرهابية.

أما المحطة الثانية فتمثلت في السقوط المدوي لنظام بشار الأسد في سوريا أواخر عام 2024، وبروز سلطة جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، القيادي الجهادي السابق الذي تربطه صلات وثيقة بأنقرة.

وفي أعقاب ذلك، سارعت تركيا لتقديم دعم سياسي وعسكري مكثف للشرع بهدف ترسيخ استقرار نظامه الهش. وفي المقابل، أقدمت الطائرات الإسرائيلية على تدمير أجزاء واسعة من الترسانة العسكرية السورية متذرعة بغياب الثقة في القيادة الجديدة، فضلاً عن توغل قواتها والسيطرة على أراضٍ في الجنوب السوري تحت غطاء “درء التهديدات الحدودية للمجموعات المسلحة”.

وفي قراءة لهذه التحولات، ترى غاليا  ليندنشتراوس، الباحثة البارزة بمعهد الدراسات الأمنية الوطنية في تل أبيب، أن صدمة هجوم 2023 أعادت صياغة الاستراتيجية الإسرائيلية بالكامل تجاه الإقليم وتجاه تركيا.

وأردفت موضحة: “عقيدتنا الأمنية الحاكمة تقوم على مبدأ الاستباق وعدم السماح للتهديدات بالتفاقم، وهو ما يجعل المؤسسة الإسرائيلية أكثر جنوحاً لتحمل المخاطر وأشد تصلباً في رفض التسويات السياسية”.

وأشارت الباحثة إلى أن تل أبيب تنظر إلى أنقرة بريبة باعتبارها قوة صاعدة تمتلك قاعدة تصنيع عسكري تزاحم المنتجات الإسرائيلية في أسواق إقليمية ودولية، إلى جانب توسيع نطاق انتشارها العسكري خارج حدودها، لا سيما في سوريا والعراق، يضاف إلى ذلك قيادة سياسية لا تتردد في تبني خطاب عدائي ومكشوف.

وختمت قائلة: “حين تواجه طرفاً يجمع بين امتلاك القدرات، والخطاب التصعيدي، والاستعداد العملياتي لنشر قواته خارج أراضيه، يصبح التعامل مع هذا المعطى ضرورة لا يمكن غض الطرف عنها”.

مراسيم تشييع في مدينة غزة هذا الشهر لـ 112 شهيد سقطوا بغارة إسرائيلية عام 2023 واستُخرجت رفاتهم مؤخراً، بحسب الدفاع المدني الغزي

يرى القادة الأتراك في حرب غزة كارثة إنسانية مروعة أودت، بحسب إحصاءات السلطات الصحية في القطاع، بحياة نحو 73,000 شخص، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال وعدد غير محدد من المسلحين. ولم تقتصر الإدانة على غزة، إذ اعتبر المسؤولون الأتراك أن التمدد العسكري الإسرائيلي في كل من لبنان وسوريا يشكل أعمالاً عضوية مزعزعة للاستقرار.

وعلى الصعيد الإيراني، نددت أنقرة بحدة بالعمليات العسكرية المشتركة للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، محذرة من تداعياتها الكارثية في إشعال فتيل أزمة إقليمية شاملة، وساعية في الوقت ذاته لاحتواء تداعياتها.

وفي قراءة لهذه الديناميكيات، يوضح سليم تشيفيك، الباحث الزائر بمركز الدراسات التركية التطبيقية في برلين، أن التشابكات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تلقي بظلالها المباشرة على ساحات التنافس الخارجي بين العاصمتين.

ويردف موضحاً: “بما أن أنقرة وتل أبيب تنظر كل منهما إلى الأخرى باعتبارها منافساً إقليمياً، فإنهما تفسران تحركات بعضهما البعض في الساحات الخارجية عبر عدسة صراع صفرية”.

وتتجلى هذه الساحات بوضوح في القرن الأفريقي حيث تنسج تركيا شراكة وثيقة مع مقديشو التي تحتضن ثقلاً عسكرياً ودبلوماسياً تركياً معتبراً. وفي المقابل، خطت تل أبيب خطوة غير مسبوقة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي كأول دولة تعترف بـ”صوماليلاند”، الإقليم الانفصالي المتمرد على السيادة الصومالية منذ عام 1991، مبررة ذلك بتوافقه مع روح “اتفاقيات أبراهام” للتطبيع، وهو ما قوبل برفض واستنكار حادين من أردوغان الذي وصفه بـ”الإجراء الباطل والمرفوض”.

وفي شرق المتوسط، عمّقت إسرائيل تعاونها العسكري ومشاريع الطاقة الاستراتيجية مع اليونان وقبرص، اللتين تجمعهما بنصف الكرة التركي نزاعات حدودية مزمنة. وفي محاولة لتقويض هذه التحالفات، قلّل أردوغان من شأن التفاهمات الثلاثية التي أُبرمت في ديسمبر/ كانون الأول، مشبهاً إياها بـ”الجعجعة بلا طحين”.

وفي المقابل، جاء الرد التركي متمثلاً في توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية وپاکستان خلال الشهر الجاري، في خطوة قراءها المراقبون مسعىً استراتيجياً لخلق توازن مضاد للنفوذ الإسرائيلي المتصاعد.

ورغم تعدد مسارح التجاذب، تظل الساحة السورية البؤرة الأكثر اشتعالاً وخطورة في هذا الصراع الخفي.

ويوضح تشيفيك أن أنقرة تسعى لإرساء دعائم سوريا مستقرة ومركزية، في حين تفضل تل أبيب تفكيك الدولة السورية وإبقاء جيشها هزيلاً وعاجزاً عن تشكيل أي تهديد.

ليخلص إلى القول: “هاتان الرؤيتان تتصادمان بصورة جذرية”.

صورة فضائية تبرز فجوات بمدرجات قاعدة أبو الظهور الجوية قرب حلب بسوريا إثر ضربة إسرائيلية

تُعد الغارة الإسرائيلية الأخيرة على القاعدة السورية في بلدة أبو الظهور (على مسافة نحو 40 ميلاً جنوب الحدود التركية) حدثاً عسكرياً استثنائياً في صراع اقتصر معظمه على السجالات الحادة والمناورات الدبلوماسية المتبادلة.

وفي التاسع عشر من أغسطس/ آب، غداة الغارة، بث نتنياهو مقطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن إسرائيل لن تقبل بأي تمركز عسكري تركي في سوريا “يمتد جنوباً لما يمثله من تهديد مباشر”.

وفي غضون يومين، أعلنت تركيا الشروع في استصدار مذكرة توقيف بحق السيد نتنياهو عبر الإنتربول بتهم تشمل الإبادة الجماعية والتعذيب، وذلك في إطار دعوى قضائية محلية في تركيا تتعلق بمعاملة إسرائيل لنشطاء مؤيدين لفلسطين اعترضت سفنهم في عرض البحر وهم في طريقهم إلى غزة.

ومنذئذ، كثفت الدبلوماسية الأمريكية ضغوطها وجهودها لرتق الفجوة وإعادة فتح قنوات الحوار المقطوعة بين العاصمتين. وفي السياق الداخلي، رجح بعض المراقبين الإسرائيليين أن توقيت الضربة في سوريا يندرج ضمن مساعي نتنياهو لتعزيز رصيده وأسهمه الأمنية قبيل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في أكتوبر/ تشرين الأول.

وعلى الصعيد الشعبي، يرزح كلا البلدين تحت وطأة مستويات متدنية للغاية من القبول والتأييد المتبادل لدى الرأي العام، وهو ما يوفر للطبقة السياسية فرصة سانحة لجني مكاسب ونقاط انتخابية محلية عبر التصعيد الكلامي ضد الطرف الآخر.

مع ذلك، يشدد تشيفيك على أن هذا الخطاب السياسي المحتدم ليس مجرد استعراض استهلاكي، بل يعكس خلافات هيكلية وجوهرية عميقة.

واختتم تحليله باستبعاد وقوع مواجهة عسكرية مباشرة بين الجانبين، مضيفاً: “لا أرى ذلك محتملاً، لسبب رئيسي مفاده أن واشنطن تحرص بشدة على إبقاء البلدين بمنأى عن الصدام الفعلي”.

المصدر: نيويورك تايمز

علاماتأزمات الشرق الأوسط ، الاحتلال الإسرائيلي ، السياسة التركية ، السياسة التركية تجاه إسرائيل ، تركيا وإسرائيل
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، السياسة التركية ، ترجمات ، سياسات تركيا في سوريا

قد يعجبك ايضا

سياسة

احتجاز بلا سجل وقتل بلا خبر.. كيف أخفى الاحتلال الآلاف من معتقلي غزة؟

خالد أصلان٣٠ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

إرث مجمّد وعائلات معلّقة.. هل تنصف “شهادة الغياب” عائلات المفقودين؟

زينب مصري٣٠ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

مقابر تحت ورش البناء.. كيف تحمي سوريا رفات المفقودين والمختفين قسرًا؟

حسن إبراهيم٣٠ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑