• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“كل منطقة تقلع شوكها بيديها”.. الفلسطينيون بعد السابع من أكتوبر

سندس بعيرات٧ أكتوبر ٢٠٢٦

لم تبدأ علاقة الفلسطينيين في غزة والضفة والداخل (أراضي 1948) في 7 أكتوبر؛ فقد سبقتها عقود من الانقسام الجغرافي والسياسي والقانوني، رسمت حدوداً بين التجمعات الفلسطينية. وجاءت الحرب لتضع هذه العلاقة أمام اختبار غير مسبوق، إذ وجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة واقع واحد، مع اختلاف التجارب والأدوات المتاحة لكل تجمع.

في غزة، ارتبطت التجربة بالحرب والقتل والنزوح وفقدان مقومات الحياة. وفي الضفة، واجه الفلسطينيون تصاعد القيود والاستيطان واعتداءات المستوطنين والضغوط الاقتصادية. أما في الداخل الفلسطيني، فبرزت أسئلة المواطنة والحقوق السياسية وحدود التعبير والتضامن، بالتوازي مع محاولات مساعدة غزة وتعزيز التواصل مع بقية الفلسطينيين.

وحدة الألم لم تفضِ بالضرورة إلى وحدة الفعل. فقد أعادت الحرب إبراز الشعور المشترك بالانتماء، وكشفت في الوقت نفسه عن مسافات سياسية واجتماعية تراكمت على مدى سنوات طويلة.

ولفهم ما تغيّر فعلاً بعد 7 أكتوبر، تتقاطع هنا ثلاث زوايا: قراءة سياسية يقدمها خليل شاهين، وتحليل اجتماعي يقدمه الدكتور بسام عورتاني، وتجربة يرويها معتصم زيدان من الداخل الفلسطيني. وتبيّن هذه الزوايا استمرار الروابط بين الفلسطينيين، في مقابل اختلاف تجاربهم وظروفهم وقدرتهم على الفعل.

مشروع اقتلاع واحد يطارد الفلسطينيين في الجغرافيات الثلاث

خليل شاهين – باحث ومحلل سياسي ومدير البرامج في مركز “مسارات”

يرى خليل شاهين، الباحث والمحلل السياسي ومدير البرامج في المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية “مسارات”، في حديث لـ”نون بوست”، أن الترابط بين الفلسطينيين في غزة والضفة والداخل تشكّل تدريجياً خلال السنوات التي سبقت 7 أكتوبر، ولا سيما منذ العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014، الذي يصفه بأنه “حدث تأسيسي” أعاد إلى الفلسطينيين وعيهم بقدرتهم على الفعل والكفاح وتحقيق الإنجازات.

وتواصل هذا المسار وصولاً إلى “وحدة الساحات” عام 2021، حين تحرك الفلسطينيون في الجغرافيات الثلاث بأشكال مختلفة حول قضايا الشيخ جراح والقدس. وفي هذا السياق، مثّل 7 أكتوبر، وفق تقديره، ذروة الشعور الفلسطيني المشترك بإمكان تحقيق إنجازات من خلال الفعل والكفاح.

وكشفت الحرب التي أعقبت ذلك وجهاً آخر للمشهد، فإلى جانب الإحساس بالقدرة على الفعل، برز إدراك أكثر حدة لطبيعة الخطر الذي يواجه الفلسطينيين. ويرى شاهين أن الرد الإسرائيلي أظهر تحولاً نحو ما يصفه ببعد “وحشي وإبادي” في المشروع الصهيوني. واتسع الشعور بهذا الخطر ليشمل الفلسطينيين في الضفة والداخل، مع تنامي مخاوف الاقتلاع والقتل.

ومن هنا، يضع شاهين الفلسطينيين أمام معادلة مزدوجة، تتمثل بإحساس بالقدرة على الفعل، يقابله إدراك متزايد لخطر يطال وجودهم نفسه.

وفي الداخل الفلسطيني، يرى شاهين أن الحرب أعادت ترتيب الأولويات، فبعدما تصدرت الجريمة والعنف والمشكلات اليومية اهتمامات المجتمع، بات الخطر، بحسب قراءته، يتجاوز الجوانب الأمنية والاجتماعية إلى تهديد وجودي يطال بقاء الفلسطينيين في أراضي 1948، في ظل تصاعد الحديث عن التهجير وهدم المنازل وتقييد المشاركة السياسية.

وفي الوقت نفسه، أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى مساحة أوسع من الفعل الشعبي العالمي، وربطت مجدداً بين الفلسطينيين في غزة والضفة والداخل والشتات. وظهر ذلك، وفق شاهين، في الحراكات الشبابية الفلسطينية في الولايات المتحدة وبريطانيا، وفي أشكال العمل المشترك حول قضايا مثل المقاطعة، التي يرى فيها مساحة يمكن البناء عليها لتجاوز التجزئة الجغرافية.

ولا تعني وحدة الشعور، في نظره، تطابق التجارب. فقد طورت إسرائيل أدوات مختلفة للسيطرة على الفلسطينيين، وفق خصوصية كل تجمع، متمثلة بالحواجز والاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة، والحصار والإبادة والحرب في غزة، ومنظومة قانونية وسياسية مختلفة في الداخل (أراضي 1948). ويضع شاهين ذلك في إطار مشروع استفاد، كما يقول، من تجارب سابقة، من بينها جنوب أفريقيا، وكيّف أدوات السيطرة بما يحول دون توصيف إسرائيل رسمياً بأنها نظام فصل عنصري، بالتوازي مع حملات سياسية وإعلامية دولية.

ويرى شاهين أن هذه المنظومة شهدت تحولاً منذ 7 أكتوبر، ويصفها بأنها “نظام استعماري استيطاني إبادي”، مستنداً إلى مواقف وتصريحات مسؤولين إسرائيليين. ويشير إلى أن هذا الخطاب يتجاوز أحزاب اليمين المتطرف، مثل “الصهيونية الدينية” و”القوة اليهودية”، ويظهر أيضاً لدى مسؤولين في حزب الليكود، من بينهم وزير الجيش يسرائيل كاتس، الذي تعكس مواقفه، بحسب شاهين، توجهات الحكومة الإسرائيلية وقيادتها.

ويرى أن طبيعة هذا النظام الاستعماري الاستيطاني تضع إمكان التوصل إلى تسوية سياسية موضع شك، لقيامه على إقصاء الفلسطيني والقضاء عليه، فيما تتخذ أدوات السيطرة صيغة مختلفة في كل جغرافيا.

وأنتج اختلاف الظروف تفاوتاً في الأولويات وأشكال النضال. ففي غزة، تتركز الأولوية على وقف القتل وتأمين الغذاء والدواء ومقومات الحياة. وفي الضفة، تتصدر مواجهة الاستيطان ومصادرة الأراضي واعتداءات المستوطنين، إلى جانب القيود المعيشية. أما في الداخل، فتبرز قضايا الحقوق السياسية والمدنية والعنف والتمييز.

وبحسب قراءة شاهين، يبقى الفلسطينيون في الجغرافيات الثلاث أمام خطر مشترك يتعلق ببقائهم على أرضهم. ومن هنا يطرح السؤال المركزي: كيف يمكن الربط بين النضال اليومي الذي تخوضه كل جغرافيا ونضال مشترك يواجه الخطر المحدق بالوجود الفلسطيني بأكمله؟

يقول شاهين إن الفلسطينيين بحاجة إلى استراتيجية مشتركة للدفاع عن حقهم في الوجود داخل وطنهم، مع الحفاظ على خصوصية غزة والضفة والداخل وتعدد أشكال النضال. ويصطدم الوصول إلى هذه المعادلة، بحسبه، بغياب إطار سياسي قادر على جمع هذه المسارات، في ظل إضعاف مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وإعادة ترتيب مراكز القوة داخل النظام السياسي حول الحفاظ على السلطة وبقائها، بدلاً من بناء إطار يضع بقاء الشعب الفلسطيني وحقوقه في مقدمة أولوياته.

ويركز شاهين على توحيد الاستراتيجية مع تعدد أشكال النضال. ويقترح “معادلة” تربط بين النضال اليومي والتحرر من الاستعمار الاستيطاني، بحيث تستجيب لاحتياجات الفلسطينيين في كل جغرافيا، وتوحّد جهودهم في مواجهة الاستيلاء على الأرض والتهجير والخطر المحدق بوجودهم.

ويتسع هذا الإطار، في نظره، للاختلاف بشأن شكل الحل السياسي النهائي، سواء كان حل الدولتين أو الدولة الواحدة أو صيغة أخرى. ويبقى القاسم المشترك، كما يقول، حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم داخل وطنهم، ورفض حصر هذا الحق باليهود في هذه البقعة الجغرافية.

ومن هذا المنطلق، يدعو شاهين إلى إعادة التفكير في أدوات الفعل الفلسطيني، وتوسيع مفهوم المقاومة ليتجاوز العمل المسلح. ويشير إلى أن الفلسطينيين يفتقرون، في الظروف الحالية، إلى القدرة على خوض مقاومة مسلحة متكافئة، في مواجهة جيش الاحتلال والمستوطنين الذين سلّحتهم الحكومة الإسرائيلية بعشرات الآلاف من قطع السلاح.

ويقترح شاهين توجيه الاستراتيجية الفلسطينية نحو تعزيز مقومات الصمود، وربطها بعمل الفلسطينيين في الشتات وبالقوى المدنية والسياسية حول العالم. فالقضية الفلسطينية، في نظره، أصبحت “قضية أممية وليست فقط قضية وطنية أو قومية عربية”، ما يفتح المجال أمام “مشاريع كفاح مشتركة بين الفلسطينيين وشعوب العالم”، ويوسع دائرة الفعل الفلسطيني خارج حدود الصراع المباشر.

ويرى أن هذا النوع من التشبيك قد يغيّر طبيعة ميزان القوى، عبر نقل النضال من مواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في ظل اختلال كبير لمصلحة دولة الاحتلال، إلى نضال عالمي ضد المشروع الإسرائيلي، وفق تعبيره.

الحرب وحّدت الألم ولكن عمّقت المسافات بين الفلسطينيين

الدكتور بسام عورتاني – باحث في علم الاجتماع

في مقابلة مع “نون بوست”، ينطلق الدكتور بسام عورتاني، الباحث في علم الاجتماع، من ملاحظة أساسية: غياب دراسات أو أوراق بحثية تقيس بوضوح حجم التغير الذي طرأ على الواقع الاجتماعي الفلسطيني منذ 7 أكتوبر، باستثناء بعض التقارير الصادرة عن مؤسسات تعمل في المجال الإنساني.

لذلك، يتحفظ عن إصدار حكم نهائي بشأن اتجاه العلاقة بين الفلسطينيين، خصوصاً أن تجربته المباشرة تتركز في الضفة، فيما يتابع أوضاع غزة والداخل عبر الأخبار والتقارير.

ويرى عورتاني أن 7 أكتوبر والحرب التي تلته نقلا الواقع الفلسطيني إلى مراحل صعبة ومأساوية، وفاقما أزمات اجتماعية كانت قائمة من قبل. فالبطالة والجريمة وغيرهما من المشكلات سبقت الحرب، ثم جاءت الظروف الجديدة لتعمّقها، ولا سيما على المستوى الاقتصادي، وتنعكس على العلاقات داخل المجتمع.

ويستشهد بارتفاع معدلات الجريمة، مشيراً إلى أن الإحصاءات المتاحة تظهر زيادة بنحو 40% بين عامي 2022 و2024. ويرى أن هذه المؤشرات تعكس تغيرات اجتماعية لا تحظى بقدر مماثل من الاهتمام الموجّه إلى الجانب السياسي.

ومن هنا، يفضّل عورتاني الحديث عن “المجتمعات الفلسطينية” بدلاً من “المجتمع الفلسطيني”. فللضفة وغزة والداخل خصوصيات جغرافية وسياسية واقتصادية، تتباين معها أنماط التفكير وطبيعة العلاقات والتركيبة السكانية من منطقة إلى أخرى.

ويرى عورتاني أن الألم والمعاناة أسهما تاريخياً في خلق حالة من التعاطف بين الفلسطينيين، من دون أن يتحول هذا التعاطف بالضرورة إلى علاقات قوية أو تضامن اجتماعي متجذر في الظروف العادية. ومع انحسار الحرب والضغوط السياسية والأمنية وعودة الحياة إلى مسارها الطبيعي، تعود الحسابات والخلافات إلى الواجهة.

لذلك، يصف عورتاني الوحدة الفلسطينية بأنها موجودة “على السطح” أكثر من تجذرها في البنية الاجتماعية. ويربط ذلك بالتاريخ والواقع الاستعماري وتعدد المجتمعات، إلى جانب خطاب سياسي وإعلامي يقول إنه يكرّس التجزئة عوضاً عن تعزيز العلاقات بينها.

ويظهر أثر اختلاف التجارب بصورة أوضح عند مقارنة غزة بالضفة. فقد ينظر الفلسطيني في غزة إلى الحرب بعين من يقول: “إحنا دفعنا الثمن الغالي، وإنتوا تفرجتوا علينا”. وفي الضفة، يعيش الفلسطيني في القرى هجمات المستوطنين والقيود المستمرة. وتتفاوت التجارب داخل الضفة نفسها بين سكان القرى التي تتعرض لهذه الاعتداءات وسكان المدن الذين يعيشون ظروفاً مختلفة.

وينشأ عن هذا التفاوت، بحسب عورتاني، نوع من التباعد الاجتماعي و”مسافات” بين الفلسطينيين، لأن “كل منطقة تقلع شوكها بيديها”. ويبقى التضامن، في كثير من الأحيان، عند مستوى الدعم المالي والمساعدات والتفاعل الإعلامي، فيما تختلف أشكاله وتجلياته على الأرض.

ويقر عورتاني بوجود علاقات اقتصادية وروابط اجتماعية وعلاقات نسب وتداخل بين الضفة وغزة وبقية التجمعات الفلسطينية، ويرى في الوقت نفسه أن هذه الروابط تتأثر بالتباينات التي فرضها اختلاف التجارب والظروف.

وعلى المستوى الاجتماعي، يستدل عورتاني على تصاعد الضغوط من خلال مؤشرات عدة. ويقول إن هذه الضغوط تزامنت مع تراجع التضامن داخل المجتمع الفلسطيني وتنامي ما يسميه “الأنانية الاجتماعية”. ويتحدث عن ارتفاع المشاجرات بنحو 40%، ووصول بعضها إلى القتل أو محاولة القتل، فيما تضاعفت السرقات تقريباً بين عامي 2022 و2024، إلى جانب زيادة عمليات النصب. كما يشير إلى انخفاض عدد عقود الزواج بسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية، ووصول نسبة الطلاق، مقارنة بعدد عقود الزواج المسجلة، إلى نحو 25%.

ويقرأ عورتاني هذه الأرقام على أنها علامات على مشكلة اجتماعية أعمق. فتعذر سداد الديون في ظل الضغوط الاقتصادية قد يؤدي، بحسبه، إلى نشوء “علاقات كراهية داخل المجتمع” و”علاقات صدامية”. ومن هنا، يصف المجتمع الفلسطيني بأنه “مجتمع خائف بالعمق”، ويشير إلى امتداد آثار هذه الضغوط إلى الحياة الزوجية والعلاقات الأسرية والتربوية، ملخصاً ذلك بالقول: “إحنا عنا بنية بتتزلزل” و”بنية تتفكك”. ويحذر من خطورة هذا التفكك، ويرى أن استمرار الظروف الحالية قد يغيّر شكل الحياة والعلاقات الاجتماعية خلال السنوات المقبلة.

ويرى أن آثار هذه الأزمات تمتد إلى ما بعد انتهاء الحرب، ويحتاج المجتمع إلى وقت لاستعادة توازنه والعودة إلى حياته الطبيعية. أما تغير العادات وطرق التكيف، فيعدّه جزءاً من طبيعة الحروب؛ فالإنسان يتكيف مع المتاح، ويستخدم أدوات ويستغني عن أخرى وفق الظروف. وبذلك، أظهرت الحرب تفاوتات كانت قائمة، وربما عززت بعضها.

ولهذا، يتحفظ عورتاني عن تقديم إجابة حاسمة بشأن مستقبل العلاقة بين الفلسطينيين، إذ يتطلب تحديد اتجاه التأثير، سلباً أو إيجاباً، قياساً ومتابعة. فمعرفة مدى تعزز التضامن أو اتساع الفجوات تحتاج، في رأيه، إلى مؤشرات قابلة للقياس، مثل أنماط التعاون والعمل والبطالة والعلاقات الأسرية والزواج والطلاق، إضافة إلى رصد الممارسات الجديدة، مثل تصاعد العنصرية أو رفض تشغيل أشخاص من غزة أو مناطق فلسطينية أخرى.

ويرى عورتاني أن الانطباعات الفردية تعجز عن تحديد اتجاه العلاقة بدقة. فالشخص الذي عاش الحرب في غزة قد ينظر إلى التجربة من موقع يقول فيه: “إحنا ضحينا وعانينا”، ويحتاج استيعابه لاحقاً لظروف الآخرين إلى وقت ومتابعة.

لذلك، يتوقع استمرار التباينات، مع احتمال نشوء حالات تضامن جديدة، ويترك الحكم النهائي للبحث الميداني والإحصاءات المستمرة. فالعلاقة بين الجغرافيات الفلسطينية، في قراءته، تتجاوز الشعور إلى بنية اجتماعية تحتاج إلى القياس، لتحديد ما إذا كانت الحرب قد قرّبت بينها أو عمّقت المسافات.

تحوّلت الجغرافيات الفلسطينية إلى سجون منفصلة

معتصم زيدان – كاتب وناشط شبابي من الداخل الفلسطيني

في مقابلته مع “نون بوست”، ينطلق معتصم زيدان، الكاتب والناشط الشبابي من الداخل الفلسطيني (أراضي 1948)، من أن فصل الجغرافيات الفلسطينية شكّل، وما زال، جزءاً من المشروع السياسي الإسرائيلي. ويرى أن هذا الفصل تجاوز البعد الجغرافي، وأنتج ظروفاً سياسية واجتماعية مختلفة لكل تجمع في غزة والضفة والداخل والقدس.

وبناءً على ذلك، يقول زيدان إن إسرائيل وجّهت ردها بعد 7 أكتوبر إلى الفلسطينيين في مختلف الجغرافيات، بأدوات وأشكال تباينت من مكان إلى آخر. ووفق قراءته، جاء ترابط الجغرافيا الفلسطينية نتيجة تطبيق إسرائيل النهج نفسه تجاه الفلسطينيين، بصيغ مختلفة، أكثر من كونه نتيجة مباشرة لأحداث 7 أكتوبر.

ودخلت العلاقة الفلسطينية–الفلسطينية، بحسبه، اختباراً حقيقياً، يقول عنه بوضوح: “فشلنا فيه فشلاً ذريعاً”. فقد عجز الفلسطينيون عن التحرك بالقدر الكافي لمواجهة ما تعرضت له غزة، كلٌّ من موقعه وبالأدوات المتاحة له.

ويضرب زيدان مثالاً بالفلسطينيين في الداخل، الذين كانت أمامهم، بحسب قوله، مساحة للتحرك من خلال التظاهر ورفض الحرب والتهجير، ضمن ما يتيحه القانون. ويربط محدودية هذا الفعل بأزمة أوسع في المشروع السياسي الفلسطيني، فإلى جانب آثار النكبة، أسهم اتفاق أوسلو، وفق قراءته، في تعميق الفصل بين الجغرافيات الفلسطينية. وكشفت مرحلة ما بعد 7 أكتوبر هذه الأزمة بصورة أكثر إيلاماً؛ إذ واجهت غزة حرباً قاسية، فيما بقيت الجغرافيات الأخرى عاجزة عن تقديم ما يكفي، كلٌّ وفق موقعه وإمكاناته.

ويأخذ شعور زيدان بالعجز بُعداً شخصياً وإنسانياً أيضاً، إذ يقول إنه يشعر بالخجل أمام أصدقائه في غزة لعجزه عن إدخال ما يكفي من الدواء والطعام إليهم، في وقت كان المدنيون يموتون جوعاً، ومن بينهم أطفال خدّج. ويرى أن الصمت والانكفاء على الذات أضرّا بالعلاقات الفلسطينية–الفلسطينية، وخلّفا فيها أثراً عميقاً.

وينعكس ذلك، وفق قراءته، على صورة المشروع الوطني نفسه، فهو يعتقد أن الفلسطينيين ربما لم يستوعبوا بعد بصورة كاملة ما حدث، فيما أسهمت هذه المرحلة في تشتيت مقولة “الشعب الواحد” وتفتيتها، ورسّخت واقعاً عملت إسرائيل على تكريسه طوال عقود، بحيث يصبح كل تجمع فلسطيني جزيرة منفصلة عن الآخر. ويستحضر في هذا السياق مقولة الأسير الفلسطيني الشهيد وليد دقة: “حذاري أن تكونوا سجوناً منفصلة”، معتبراً أن الفلسطينيين أصبحوا، بدرجات متفاوتة، “سجوناً منفصلة”.

ومن هنا، ينتقل زيدان إلى واقع الداخل الفلسطيني وسؤال المواطنة بعد 7 أكتوبر، أو ما يسميه “ورقة التوت” التي تستطيع إسرائيل سحبها في أي لحظة. ويستشهد بما جرى في مجد الكروم، حيث شهدت البلدة محاولة لإقامة بؤرة استيطانية على أراضٍ خاصة، ويرى في ذلك مؤشراً على تغير موقع الفلسطيني وعلاقته بالدولة.

ويضع زيدان هذه المسألة في إطار أوسع، متسائلاً: ما معنى أن تكون مواطناً فلسطينياً في إسرائيل بعد 7 أكتوبر؟ ويرى أن هذا السؤال ما زال غائباً عن النقاش الفكري والسياسي والاجتماعي لدى الفلسطينيين في الداخل، رغم تسارع التغيرات التي تمس واقعهم، ومنها التضييق على القيادات السياسية والاجتماعية، وهدم المنازل في النقب، والتحول في موقع الفلسطيني وعلاقته بالدولة.

ويوسّع زيدان دائرة المسؤولية لتشمل دور الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل، متسائلاً: لماذا لم تدفع هذه التحولات إلى إعادة طرح الأسئلة السياسية وبناء أدوات وخطاب يتناسبان مع الواقع الجديد؟ ويرى أن الاستجابة المطلوبة تتجاوز التعامل مع كل حادثة على حدة، وتقتضي إعادة توحيد الحركة الوطنية وتشكيل أدواتها وخطابها بما يواكب حجم التغيرات الجارية، وفي مقدمتها ما يصفه بحضور الصهيونية الدينية في مختلف مرافق الدولة الإسرائيلية.

ويرى زيدان أن الفجوة تتسع بين واقع سريع التغير واستجابة سياسية بطيئة. فالمجتمع يعاني، بحسب قراءته، من التفكك، والحركة الوطنية من التشتت، فيما تتبدل شروط وجود الفلسطيني وموقعه السياسي داخل إسرائيل. ويظهر ذلك، كما يقول، في الخطاب السياسي المصاحب للتحضير لانتخابات الكنيست، إذ كان يتطلع إلى نشاط فكري حقيقي ونقاش أعمق بشأن التحولات التي فرضتها مرحلة ما بعد 7 أكتوبر.

وفي موازاة ذلك، استمرت أشكال التضامن والتعبير والتفاعل بين الفلسطينيين في الداخل وبقية الفلسطينيين. ويشير زيدان إلى مبادرات لجمع التبرعات والمؤن والأدوية، وإلى مساهمة عشرات الآلاف من فلسطينيي الداخل، خلال الحرب، بملايين الشواقل، إلى جانب المواد والمستلزمات الطبية والصحية والتموينية. كما لاحظ مشاركة أشخاص كانوا أقل اهتماماً بالشأن السياسي، بعدما عاينوا حجم الألم الذي يعيشه الفلسطينيون جراء الحرب.

وفي المقابل، أصبح الحذر جزءاً من الحياة اليومية، فالفلسطيني في الداخل، بحسب زيدان، بات أكثر انتباهاً إلى ما يقوله وكيفية تعبيره عن موقفه، على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الجامعات وأماكن العمل، فيما غدا سؤال المسموح والممنوع حاضراً بقوة.

وبقي التطلع إلى التواصل مع الضفة قائماً رغم هذا الحذر. ويستشهد زيدان بما كان يحدث خلال فترات الهدوء النسبي، حين كانت مئات السيارات والعائلات تتوجه من الداخل إلى مدن مثل جنين ونابلس. ويرى أن هذه الحركة تجاوزت غرض التسوق، وارتبطت بشعور الوصول إلى أماكن يتحدث فيها الناس اللغة نفسها ويتشاركون الإحساس بالانتماء.

ويشرح زيدان أن فشل المشروع السياسي يفرض نوعاً من التكيّف في العمل. فعجز الفلسطيني عن وقف الحرب يقتضي مواصلة الفعل ضمن الإمكانات المتاحة في اللحظة الراهنة. ومن هذا المنطلق، يرى أن التضامن الذي ظهر خلال الحرب مثّل أحد أشكال الفعل الممكن، وبقي محدوداً من دون أن يتحول إلى تفاعل فعلي ومستدام.

ويحمّل الأطر السياسية ومؤسسات المجتمع المدني مسؤولية إخفاقها في تحويله إلى فعل متواصل ومنظم. فجمع التبرعات وتقديم المساعدات مهمان، وتظل مساهمتهما محدودة أمام حجم الاحتياجات؛ إذ تحتاج غزة، بحسبه، إلى عمل واسع يشارك فيه عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف، من الفلسطينيين.

ومن هنا، يطرح زيدان فكرة “تخفيف الضرر” باعتبارها المهمة الممكنة في المرحلة الراهنة. ففي ظل محدودية الأدوات السياسية الحالية وعجزها عن إحداث تغيير كبير، يصبح تقليل الضرر الواقع على الناس أولوية، إلى حين إصلاح هذه الأدوات وإعادة بناء ما يمكن بناؤه. ويصف ذلك بأنه واجب مرحلي، لا حل نهائي.

ويرى زيدان أن النقاش يتجاوز سؤال مقاطعة الانتخابات أو المشاركة فيها، ليشمل البحث عن الأدوات والآليات والخطاب التي تحتاج إليها الحركة الوطنية في المرحلة المقبلة. ويؤكد أن غياب مقومات مشروع سياسي واضح يفرض مواصلة العمل ضمن المتاح، ويختصر موقفه بالقول: “ليش أقول نكتفي؟ مبدئياً خلينا نشتغل”.

علاماتأزمات غزة ، الاحتلال الاسرائيلي ، الضفة الغربية ، طوفان الأقصى
مواضيعالضفة الغربية ، العبور الفلسطيني ، القضية الفلسطينية ، حوارات نون بوست ، طوفان الأقصى

قد يعجبك ايضا

سياسة

أثر غزة بعد 3 سنوات: كيف انتقل التضامن من الشارع إلى المؤسسات؟

أحمد سيف النصر٧ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

خارج سردية الإرهاب: جيل أمريكي جديد يعيد قراءة السابع من أكتوبر

هبة بعيرات٧ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

قوائم الحرب: كيف شكّلت ذاكرة 7 أكتوبر انتخابات الكنيست؟

أحمد الطناني٧ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑