• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف يوسّع الخليج حدوده الاقتصادية خارج الخريطة؟

عماد عنان١٧ أكتوبر ٢٠٢٦

كشفت الاضطرابات الأخيرة في الشرق الأوسط حجم الانكشافات الكامنة في الخريطة الجغرافية للإقليم، وفي مقدمتها الجغرافيا الخليجية التي تعرضت خلال السنوات الأخيرة لاختبارات قاسية مست ممرات الطاقة والتجارة والأمن، وأظهرت حدود الاعتماد على نطاق جغرافي شديد الحساسية للمضائق والصراعات والتوترات الإقليمية، وهو ما دفع دول الخليج، بصورة متزايدة، إلى البحث عن بدائل توسع هامش الحركة وتمنحها قدرًا أكبر من المرونة في مواجهة الأزمات.

ومن هنا، لم تتعامل دول الخليج خلال العقود الماضية مع الجغرافيا باعتبارها قدرًا ثابتًا أو دائرة مغلقة لا يمكن تجاوزها، فالدول النفطية التي راكمت فوائض مالية ضخمة من عائدات النفط والغاز بدأت توظف جزءًا متزايدًا من هذه الفوائض في معالجة أوجه القصور التي تفرضها جغرافيتها الأصلية، سواء عبر شراء أصول زراعية في الخارج، أو الاستثمار في موانئ وممرات لوجستية، أو امتلاك منشآت للطاقة والتعدين والتخزين والنقل في مناطق مختلفة من العالم.

وفي ملف “جغرافيا بديلة”، نسلط الضوء على شبكة الأصول والممرات والمنشآت التي تمتلكها دول الخليج، أو صناديقها السيادية وشركاتها الحكومية، خارج حدودها، باعتبارها امتدادًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يهدف إلى تعويض بعض أوجه الضعف في الجغرافيا الأصلية وتقليل درجة الانكشاف أمام الأزمات.

وينطلق الملف من سؤال محوري: هل نجحت هذه الاستثمارات الخارجية في منح دول الخليج قدرًا فعليًا من الأمان والمرونة، أم أنها نقلت بعض نقاط الضعف من داخل الحدود إلى موانئ وطرق وأسواق وحكومات وساحات صراع خارجية؟ وبصياغة أكثر اختصارًا: هل خففت دول الخليج اعتمادها على نقاط الاختناق القريبة، أم استبدلت بها نقاط اختناق أبعد جغرافيًا وأقل خضوعًا لإرادتها المباشرة؟

ويبدأ هذا الملف بمادة تمهيدية تتناول مفهوم “الجغرافيا البديلة” بمستوياتها المختلفة، باعتباره شبكة من الأصول والموارد والممرات التي تملكها دول الخليج خارج نطاقها الوطني، مع بحث الدوافع التي ألزمتها توسيع هذا المسار، وكيف ساهمت الأزمات الإقليمية والدولية المتعاقبة في رفع أهمية هذه المشروعات على سلم الأولويات الاستراتيجية.

ما المقصود بالجغرافيا البديلة؟

تُعرَّف الجغرافيا البديلة بأنها قدرة الدولة على تجاوز بعض أوجه الضعف أو الهشاشة التي تفرضها جغرافيتها الأصلية، سواء كانت هذه الهشاشة ناتجة عن محدودية الموارد، أو عن أزمات داخلية، أو عن اضطرابات إقليمية ودولية، وذلك من خلال امتلاك أو إدارة أصول ومشروعات خارج حدودها، مثل الأراضي الزراعية، والموانئ، والمناجم، ومنشآت الطاقة، وشبكات النقل والاتصالات.

وبهذا المعنى، تتحول هذه الأصول الخارجية إلى امتداد اقتصادي واستراتيجي للدولة، يمنحها موارد أو ممرات أو أسواقًا لا تتوافر لها بالقدر الكافي داخل نطاقها الوطني، وبصياغة أكثر وضوحًا، يمكن النظر إلى الجغرافيا البديلة باعتبارها تحويل رأس المال والاستثمار الخارجي إلى امتداد جغرافي وظيفي؛ فإذا واجهت الدولة محدودية في الأراضي الزراعية أو المياه، اتجهت إلى الاستثمار في أراضٍ ومشروعات زراعية خارج حدودها، وإذا تعرضت ممراتها البحرية أو طرق تجارتها للاختناق، سعت إلى الاستثمار في موانئ وممرات بديلة، وإذا افتقرت إلى معادن استراتيجية أو مواد خام، توسعت في امتلاك أو تمويل مناجم ومشروعات استخراجية في دول أخرى.

ووفق هذا التعريف، لا تعني الجغرافيا البديلة الهروب الحرفي من الموقع الجغرافي للدولة، ولا إنشاء أراضٍ سيادية جديدة خارج الحدود، بقدر ما تعني تقليل الاعتماد على الجغرافيا المحلية وحدها، وتوزيع الموارد ومصادر القوة والمخاطر على أكثر من ساحة جغرافية، بما يوسع هامش الحركة أمام الدولة في أوقات الأزمات.

ورغم تعدد صور الجغرافيا الخليجية البديلة، يمكن تصنيفها في ثلاثة مستويات رئيسية، أولها جغرافيا الموارد، وتشمل الاستثمار في الأراضي الزراعية، ومزارع الثروة الحيوانية، وشركات الحبوب واللحوم، والمناجم ومصادر المواد الخام، وثانيها جغرافيا الممرات، وتتمثل في الموانئ، ومحطات الحاويات، والمناطق اللوجستية، والأساطيل، والمخازن، والسكك الحديدية، وغيرها من البنى التي تضمن حركة السلع والطاقة والتجارة، أما المستوى الثالث فهو جغرافيا الإنتاج والأسواق، ويشمل المصافي، ومحطات الغاز الطبيعي المسال، ومشروعات الطاقة والصناعات التي تُقام بالقرب من أسواق الاستهلاك، بدلًا من بقاء حلقات الإنتاج والتصدير كافة متمركزة داخل المجال الخليجي.

ومن هنا، لا يُقاس نجاح أي مسار من مسارات الجغرافيا البديلة بحجم الاستثمار وحده، وإنما بقدرته على تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة، تأمين المورد، وضمان مسار وصوله، والوصول المباشر إلى السوق، وهي أهداف متشابكة، لأن امتلاك مورد بلا طريق آمن لنقله يظل ناقصًا، كما أن تأمين الممر دون الوصول إلى السوق النهائي لا يحقق الغاية الاستراتيجية كاملة.

توجه قديم

لم تطرق دول الخليج أبواب “الجغرافيا البديلة” اليوم، ولا بدأت البحث عنها مع اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على طهران وما أعقبها من هجمات إيرانية-حوثية على دول المنطقة، بل يعود هذا المسار إلى سنوات طويلة ارتبطت بإدراك مبكر لطبيعة القيود التي تفرضها الجغرافيا الخليجية، فرغم امتلاك دول الخليج واحدًا من أكبر مخزونات النفط والغاز في العالم، فإنها تعمل داخل بيئة جغرافية شديدة الحساسية؛ تتسم بالجفاف، ومحدودية موارد المياه العذبة، وندرة الأراضي الصالحة للزراعة، فضلًا عن اعتماد كبير على الممرات البحرية في تصدير الطاقة واستيراد الغذاء والسلع والمواد الخام.

وتزداد هذه الحساسية بفعل الموقع الاستراتيجي لمضيقي هرمز وباب المندب، اللذين يشكلان عقدتين رئيسيتين في حركة الطاقة والتجارة من الخليج وإليه، ومن ثم، ظلت مسألة تنويع طرق الإمداد والاستثمار في موارد وأصول خارج الحدود جزءًا من حسابات الأمن الاقتصادي الخليجي حتى قبل الحرب الراهنة.

غير أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما أحدثته من تحول حاد في البيئة الجيوسياسية للمنطقة، دفعت بهذه القضية إلى صدارة الأولويات، فاستهداف منشآت النفط والغاز، وتعطل الممرات البحرية، وضرب بعض خطوط الأنابيب والمصافي، كشف أن التحدي لم يعد يتعلق فقط بحجم ما تنتجه دول الخليج من الطاقة، وإنما بقدرتها على إيصال هذا الإنتاج إلى الأسواق بصورة منتظمة وآمنة، وبذلك انتقلت نقطة الضعف من سؤال: كم تمتلك دول الخليج من النفط والغاز؟ إلى سؤال أكثر إلحاحًا: كيف تصدّر ما تنتجه إذا تعطلت عقد النقل والطاقة المحيطة بها؟

انكشاف منظومة الطاقة الخليجية

كشفت الحرب حجم انكشاف منظومة الطاقة الخليجية أمام الاضطرابات العسكرية والأمنية، فبحسب تقديرات دولية، تعرض سوق الطاقة العالمي لانخفاض أولي في الإمدادات بلغ نحو 10 ملايين برميل يوميًا، في واحدة من أعنف صدمات المعروض خلال الأزمة الحالية، كما توقع البنك الدولي ارتفاع أسعار الطاقة خلال عام 2026 بنحو 24%، وأن يدور متوسط سعر خام برنت حول 94  دولارًا للبرميل، مع إمكانية وصوله في سيناريو أكثر حدة إلى نحو 115  دولارًا إذا استمرت الأضرار التي لحقت بالمنشآت وتعطلت الصادرات لفترات أطول.

مثل هذه الأرقام لا تعكس تأثير الحرب على الأسواق العالمية فحسب، وإنما تكشف حجم التكلفة التي تحملتها الاقتصادات الخليجية نفسها، التي وجدت جزءًا من بنيتها الإنتاجية والتصديرية تحت الضغط المباشر وفي مواجهة أسئلة وجودية تضع اقتصاديات الخليج نفسها في مأزق كبير

السعودية.. البديل نفسه يتعرض للاختبار

كانت السعودية، باعتبارها أكبر مصدر للنفط عالميًا، من أبرز الدول التي تعرضت منظومتها الطاقوية للاختبار، فقد طالت الهجمات حقولًا ومنشآت معالجة ومصافي وخطوط أنابيب، ما أدى إلى انخفاض القدرة الإنتاجية بنحو 600  ألف برميل يوميًا، موزعة بين نحو 300  ألف برميل يوميًا من حقل منيفة ومثلها تقريبًا من منشأة خريص.

كما تراجع تدفق النفط عبر خط الشرق–الغرب بنحو 700  ألف برميل يوميًا بعد استهداف عدد من محطات الضخ،  وتزداد أهمية هذا الخط في أنه يمثل أهم البدائل السعودية لتجاوز مضيق هرمز؛ إذ كانت المملكة تنقل عبره قرابة 4  ملايين برميل يوميًا إلى الساحل الغربي، بما يعادل نحو 4% من الإمدادات النفطية العالمية، في حين تبلغ طاقته القصوى قرابة 7 ملايين برميل يوميًا، ومن ثم، فإن استهداف الخط حمل دلالة تتجاوز الخسارة التشغيلية المباشرة، لأنه أصاب أحد أهم المكونات التي بنتها المملكة أصلًا باعتبارها جغرافيا بديلة لمسار هرمز.

قطر.. ضربة في قلب اقتصاد الغاز

في قطر كانت الصدمة أكثر ارتباطًا بالغاز الطبيعي المسال، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد وللدور القطري في سوق الطاقة العالمية، فقد أدى استهداف مجمع رأس لفان وإصابة قطارين لإنتاج الغاز ومنشأة لتحويل الغاز إلى سوائل إلى خروج نحو 17% من طاقة الغاز الطبيعي المسال القطرية من الخدمة.

وكانت القدرة القطرية على تسييل الغاز تبلغ قبل الحرب قرابة 77  مليون طن سنويًا، مع خطط توسع تستهدف رفعها إلى نحو 126  مليون طن بحلول 2027،  إلا أن الأضرار التي لحقت ببعض الوحدات وضعت هذه الخطط أمام تحديات جديدة، مع تقديرات تشير إلى أن أعمال الإصلاح قد تحتاج إلى نحو ثلاث سنوات في بعض المنشآت، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى مدد أطول قد تصل إلى خمس سنوات.

وبالنسبة لاقتصاد قطر فإن الجزء الأكبر من إيراداته مرتبطة بعوائد الغاز، وعليه فإن استمرار تعطل جزء من الطاقة الإنتاجية لفترات طويلة يعني ضغطًا ليس فقط على الصادرات، وإنما أيضًا على الإيرادات العامة وخطط الإنفاق والاستثمار.

الإمارات.. عندما تصل الحرب إلى “الجغرافيا البديلة”

تمثل الحالة الإماراتية أحد أكثر الأمثلة دلالة على أزمة الجغرافيا الخليجية، فقد بنت أبوظبي خلال سنوات منظومة تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وفي قلبها ميناء الفجيرة وخطوط نقل النفط إليه، بحيث تستطيع تصدير جزء مهم من إنتاجها مباشرة إلى بحر عُمان، غير أن الحرب وصلت إلى هذا البديل نفسه، فقد تعرض ميناء الفجيرة لهجمات أدت إلى تعليق جزئي لعمليات تحميل النفط، بالتزامن مع توقف العمل في حقل شاه للغاز، الذي يمثل مصدرًا مهمًا لتغذية شبكة الغاز المحلية.

ومع اضطراب التصدير عبر هرمز وتضرر الفجيرة، اضطرت شركة “أدنوك” إلى تنفيذ إغلاقات إنتاجية واسعة، وهبط إنتاج الخام الإماراتي بأكثر من 50% خلال ذروة الأزمة، في الوقت الذي كان فيه ميناء الفجيرة يصدر عادة أكثر من مليون برميل يوميًا من خام مربان.

ولم تقف الخسائر الإماراتية عند قطاع الطاقة. فقد امتد أثر الحرب إلى الطيران والتجارة والسياحة والعقارات، وتراجعت معدلات الإشغال في بعض فنادق دبي من مستويات تجاوزت 80% قبل الحرب إلى ما بين 20 و25%  في ذروة الاضطرابات، بما يعكس سرعة انتقال الصدمة من قطاع الطاقة إلى القطاعات غير النفطية التي تعتمد عليها استراتيجية التنويع الاقتصادي الإماراتية.

الكويت.. أزمة التصدير والتكرير معًا

واجهت الكويت ضغطًا مزدوجًا؛ فمن ناحية تعطل جزء من حركة التصدير عبر مضيق هرمز، ومن ناحية أخرى تعرضت منشآت التكرير نفسها للهجمات، وأدت هذه التطورات إلى خفض معدلات تشغيل عدد من المصافي الكبرى، وعلى رأسها منشآت ميناء الأحمدي وميناء عبدالله، بالتوازي مع ضغوط على قدرات التخزين نتيجة صعوبة تصريف المنتجات.

كما أعلنت الكويت حالة “القوة القاهرة” في بعض الأنشطة، في وقت امتدت فيه تداعيات الحرب إلى الإنتاج والنشاط الاقتصادي والخسائر البشرية، وتبرز خصوصية الحالة الكويتية في أن الاقتصاد يعتمد بصورة مرتفعة على صادرات النفط والإيرادات المرتبطة بها، وهو ما يجعل أي تعطيل طويل للموانئ أو المصافي ذا أثر مباشر على المالية العامة.

البحرين.. حساسية اقتصاد صغير أمام تعطل الطاقة

وفي البحرين، طالت الهجمات جزيرة سترة التي تضم المصفاة الرئيسية التابعة لشركة “بابكو”، كما شهدت بعض المناطق المرتبطة بالبنية النفطية انفجارات وحوادث أسفرت عن إصابات بين المدنيين وأضرار تشغيلية، وبالنسبة لاقتصاد صغير نسبيًا، فإن أي اضطراب في التكرير أو التصدير يحمل أثرًا أكبر مقارنة بحجم الاقتصاد، خصوصًا مع ارتباط عدد من الأنشطة الصناعية والمالية والخدمية بمنظومة الطاقة الإقليمية.

ولهذا لم تكن الخسارة البحرينية مقتصرة على المنشآت التي تعرضت للأضرار، وإنما امتدت إلى النشاط الاقتصادي المحيط بها وسلاسل التوريد المرتبطة بالقطاع.

ولم تتوقف الخسائر الخليجية عند حدود النفط والغاز، فقد خفض البنك الدولي توقعاته لنمو اقتصادات مجلس التعاون الخليجي في 2026 بنحو 3.1  نقاط مئوية، لتتراجع التقديرات إلى قرابة 1.3%، مقارنة بنمو بلغ نحو 4.4%  خلال 2025، ومع استمرار الحرب واتساع نطاق تأثيرها، ازدادت التقديرات تشاؤمًا، ففي يونيو/حزيران 2026 توقع البنك الدولي أن تتراجع اقتصادات الخليج الأكثر تعرضًا للصراع من نمو بلغ نحو3.9% في 2025 إلى مستويات تقترب من الصفر بنهاية 2026، وفي تقديرات أخرى نقلتها “رويترز”، برزت قطر والكويت بين الاقتصادات الأكثر تعرضًا لخطر الانكماش، مع تقديرات تشير إلى إمكانية تجاوز التراجع 8% في بعض السيناريوهات إذا استمر تعطيل صادرات الطاقة والنشاط الاقتصادي.

وتكشف هذه التطورات أن امتلاك الاحتياطيات الضخمة لم يعد وحده كافيًا لضمان الأمن الاقتصادي، فالدولة قد تمتلك ملايين البراميل من الطاقة الإنتاجية، لكن القيمة الاقتصادية لهذه الموارد تظل مرتبطة بوجود مصفاة تعمل، وخط أنابيب آمن، وميناء قادر على التحميل، وممر بحري مفتوح، وسوق يمكن الوصول إليه.

القفز على نقاط الضعف

في ضوء المؤشرات السابقة، تبدو دول الخليج أكثر إدراكًا من أي وقت مضى لحساسية جغرافيتها وما تفرضه من قيود استراتيجية يمكن أن تنعكس على مستقبل المنطقة بأسرها، ومن ثم، لم يعد البحث عن “جغرافيا بديلة” أو توسيع المجال الاستراتيجي خارج الحدود خيارًا تكميليًا بقدر ما أصبح ضرورة مرتبطة بالأمن القومي، تستهدف تقليص مواطن الانكشاف الجغرافي، وتنويع مسارات الحركة والإمداد، وبناء هوامش أوسع للمناورة في مواجهة الأزمات المحتملة.

وفي هذا السياق، سعت السعودية إلى الحد من مجموعة من التحديات الجغرافية والاستراتيجية، وفي مقدمتها شح المياه، والحاجة إلى تأمين الموارد وسلاسل الإمداد، فضلًا عن حساسية طرق نقل النفط والطاقة وارتباط جانب مهم منها بالممرات البحرية، ولا سيما مضيق هرمز وباب المندب، وما قد يترتب على اضطرابهما من ضغوط على حركة التجارة والطاقة، ومن هنا اتجهت الرياض إلى توسيع استثماراتها الزراعية والغذائية في عدد من دول العالم، إلى جانب المشاركة في مشروعات الموانئ وخطوط النقل ومصافي التكرير والتنقيب، بما يمنحها قدرًا أكبر من التنوع والمرونة الاستراتيجية.

وسلكت الإمارات مسارًا مشابهًا، انطلاقًا من إدراكها لمحدودية مواردها غير النفطية وارتفاع درجة اعتمادها على التجارة والاستيراد، فضلًا عن أهمية الممرات البحرية التقليدية بالنسبة إلى اقتصادها، ولذلك عملت على بناء شبكة واسعة من الموانئ والمشروعات اللوجستية والاستثمارات المرتبطة بالطاقة والمعادن والزراعة في آسيا وأفريقيا وأوروبا والأميركيتين، بحيث أصبح الامتداد الاقتصادي الخارجي جزءًا من تصور أوسع لتعزيز أمنها الاقتصادي واللوجستي.

أما قطر، فتواجه بدورها تحديًا يرتبط بتمركز جانب أساسي من إنتاجها وتصديرها للغاز في منطقة الخليج، وهو ما يجعل طرق التصدير شديدة الحساسية في أوقات الأزمات والتوترات الإقليمية، ولهذا اتجهت الدوحة إلى توسيع استثماراتها في قطاع الطاقة خارج الإقليم، والدخول في شراكات ومشروعات استثمارية ولوجستية متعددة في آسيا وأفريقيا، بما يساعد على تنويع مصالحها وتقليل اعتمادها على نطاق جغرافي واحد.

وفي الحالة الكويتية، يظل الاعتماد الكبير على النفط وعائداته أحد أبرز عناصر القوة ومصادر الانكشاف في الوقت نفسه، إذ يرتبط الاقتصاد بدرجة كبيرة بأمن المنشآت النفطية واستمرار تدفقات الصادرات، ومن ثم، مثّلت الاستثمارات في المصافي والمشروعات النفطية الخارجية، كما في فيتنام وغيرها، محاولة لبناء امتداد خارجي للمنظومة النفطية الكويتية وتوزيع جانب من المخاطر بعيدًا عن الداخل.

وفي المقابل، سعت سلطنة عُمان إلى توظيف موقعها المطل على المحيط الهندي باعتباره ميزة جيوسياسية يمكن البناء عليها، فركزت على تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية، ومحاولة ترسيخ موقع مسقط كمركز تجاري ولوجستي قادر على الاستفادة من خطوط التجارة البحرية خارج الخليج، وهو ما يمنح السلطنة هامشًا إضافيًا للتعامل مع محدودية مواردها وبعض الضغوط الاقتصادية المرتبطة بجغرافيتها.

ولا تبدو البحرين بعيدة عن هذا الاتجاه؛ فمحدودية الموارد وضيق المساحة الاقتصادية يجعلانها أكثر تأثرًا بالصدمات الإقليمية والخارجية، ولذلك سعت إلى توسيع نشاطها المالي والصناعي والاستثماري خارج حدودها وفي عدد من أسواق المنطقة، في محاولة لبناء روافد اقتصادية إضافية وتخفيف أثر أي اضطرابات قد يتعرض لها الاقتصاد الداخلي.

وبذلك، يمكن النظر إلى التحركات الخليجية مجتمعة باعتبارها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والجغرافيا؛ فلم تعد الجغرافيا قدرًا ثابتًا تُدار الدولة داخله فحسب، بل أصبحت مجالًا يمكن توسيعه اقتصاديًا ولوجستيًا واستثماريًا، ومن هنا، فإن بناء شبكات للموانئ والطاقة والغذاء والاستثمار خارج الحدود يمثل، في جوهره، سعيًا إلى تحويل “الهشاشة الجغرافية” إلى شبكة أوسع من البدائل والمصالح، بما يقلل الاعتماد على نقطة عبور واحدة أو مورد واحد أو نطاق جغرافي محدود.

تجارب دولية

لا يقتصر التوسع في مفهوم “الجغرافيا البديلة” على دول الخليج وحدها، بل يمثل اتجاهًا تبنته دول عديدة سعت إلى حماية اقتصاداتها من مواطن الضعف الداخلية، عبر نقل جزء من عناصر أمنها الاقتصادي والغذائي واللوجستي إلى خارج حدودها الوطنية، ويقوم هذا التوجه على فكرة أساسية مفادها أن الدولة، وإن كانت عاجزة عن تغيير موقعها الجغرافي، فإنها تستطيع توسيع نطاق تأثير هذا الموقع وبناء امتدادات خارجية تخفف من القيود التي تفرضها عليها الجغرافيا المحلية.

وتبرز الصين باعتبارها أحد أهم النماذج في هذا السياق؛ إذ واجهت تحديات مرتبطة بالضغط السكاني، ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة، والاعتماد الكبير على الاستيراد في عدد من السلع والموارد، ومن هنا شرعت بكين في بناء ما يمكن وصفه بخريطة واسعة للجغرافيا البديلة، من خلال الاستثمار في الأراضي والمشروعات الزراعية خارج حدودها، ولا سيما في أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية، بما يسمح لها بالوجود في حلقات متعددة من سلسلة الإمداد، بدءًا من الإنتاج الزراعي، مرورًا بالتخزين والنقل، وانتهاءً بوصول السلع إلى السوق الصينية.

ولم يقتصر هذا التوجه على الأمن الغذائي، بل امتد إلى الموانئ والممرات التجارية وشبكات النقل، ولا سيما في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، فقد سعت الصين إلى بناء شبكة واسعة من الموانئ والمشروعات اللوجستية في مناطق مختلفة من العالم، بما يعزز قدرتها على تنويع مسارات التجارة والطاقة، وتقليل الاعتماد على ممرات بحرية محدودة، والاقتراب بصورة أكبر من الأسواق ومراكز الإنتاج العالمية.

وتقدم اليابان نموذجًا مختلفًا للجغرافيا البديلة، يقوم بدرجة كبيرة على “شراء الأمن الغذائي” خارج المجال الجغرافي المحلي، فمحدودية الأراضي الزراعية وارتفاع الاعتماد على الاستيراد دفعا طوكيو إلى الابتعاد تدريجيًا عن فكرة تحقيق اكتفاء ذاتي زراعي كامل ومكلف، والاتجاه بدلًا من ذلك إلى الاستثمار في الشركات الغذائية العالمية، وامتلاك حصص في شركات ومشروعات زراعية، وبناء شراكات طويلة الأجل مع دول منتجة في أستراليا وأمريكا الشمالية والجنوبية، وتقوم هذه الفلسفة على مبدأ واضح، يتعلق بأنه إذا تعذر إنتاج كل الاحتياجات داخل الحدود الوطنية، فإن البديل هو امتلاك جزء من السلسلة التي تنتج تلك الاحتياجات وتتحكم في تدفقها.

وبجانب النموذجين الصيني والياباني، توجد تجارب أخرى في دول مثل تركيا وهولندا وإندونيسيا وغيرها، اختلفت أدواتها بحسب طبيعة كل دولة ومصادر ضعفها واحتياجاتها الاقتصادية، لكنها التقت عند فكرة واحدة، وهي تحويل الخارج إلى امتداد وظيفي للداخل، واستخدام الاستثمار والتجارة والموانئ وسلاسل الإمداد والشراكات الدولية لتخفيف القيود التي تفرضها الجغرافيا الوطنية.

ومن هذا المنظور، لا تبدو “الجغرافيا البديلة” مجرد توسع استثماري في الخارج، بل يمكن فهمها باعتبارها أداة من أدوات إعادة تشكيل القوة الاقتصادية والاستراتيجية للدولة،  فالدول التي لا تستطيع تغيير موقعها أو مواردها الطبيعية، تسعى إلى تغيير أثر هذا الموقع، عبر بناء شبكة من المصالح والأصول والمسارات خارج الحدود، بحيث تصبح الجغرافيا الوطنية جزءًا من فضاء أوسع للحركة، لا قيدًا نهائيًا على خيارات الدولة.

ووفق هذا التصور، لا يُنظر إلى “الجغرافيا البديلة” باعتبارها مشروعًا للخروج من الخليج أو تجاوز حدوده، بقدر ما تمثل محاولة لإعادة توسيع المجال الخليجي اقتصاديًا ولوجستيًا إلى ما وراء حدوده السياسية المباشرة، وبناء امتدادات خارجية قادرة على تخفيف أثر مواطن الضعف البنيوية التي فرضتها الجغرافيا الطبيعية وكشفتها الأزمات المتعاقبة.

فالميناء الذي تديره أو تستثمر فيه دولة خليجية في أفريقيا، والمزرعة الواقعة في أوروبا، ومنشأة الغاز في تكساس، والمصفاة المقامة في آسيا، لا تتحول بطبيعة الحال إلى أجزاء من الإقليم الوطني، لكنها تدخل عمليًا ضمن شبكة المصالح الحيوية والأمن الاقتصادي للدولة، وتصبح حلقات مكملة لقدرتها على تأمين الغذاء والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد في أوقات الاستقرار والأزمات على السواء.

ومن هنا، تتحول “الجغرافيا البديلة” إلى مفهوم يتجاوز الاستثمار الخارجي بصورته التقليدية، ليقترب من إعادة بناء المجال الاستراتيجي للدولة عبر توزيع المصالح والأصول والمسارات في أكثر من ساحة جغرافية، بما يحد من الاعتماد على نطاق واحد أو ممر واحد أو مصدر واحد، ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر أهمية، والذي يمكن أن يشكل خاتمة هذا الملف:  إلى أي مدى تستطيع الجغرافيا البديلة أن تعوض هشاشة الجغرافيا الطبيعية؟ وهل تنجح في توزيع المخاطر وتخفيف مواطن الانكشاف، أم أنها قد تنقل بعض نقاط الضعف نفسها إلى الخارج، ولكن في صورة جديدة وأكثر تعقيدًا؟

علاماتأزمات الخليج العربي ، أمن الخليج ، أمن الطاقة ، أمن باب المندب ، اقتصاد الخليج
مواضيعأزمة الطاقة ، أمن الخليج ، اقتصاد الخليج ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، باب المندب

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

مليارات البيانات تعبر الحدود.. هل تصبح سوريا بوابة رقمية بين الشرق والغرب؟

خالد أصلان١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
اقتصاد

معمل المسلمية في حلب.. هل يعيد الإسمنت المحلي إلى معادلة إعادة الإعمار؟

مارينا مرهج١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
اقتصاد

اليمنيون في السعودية.. كيف تهدد الحرب مستقبلهم؟

فريق التحرير١٤ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑