في طريقه إلى عمله صباحًا في بلدة الفوعة، صادف راغب المنحدر من بلدة بنش في ريف إدلب الشرقي مجموعة من النساء يلتقطن صوراً لأحد المنازل في البلدة، فدفعه فضوله إلى سؤالهن عن هويتهن، ليعرفن عن أنفسهن بأنهن من أهالي البلدة ومن مالكات المنزل، لكن “خسارة كبيرة سابقة تعرض لها” دفعته إلى طردهن مباشرة.
فقد راغب أصغر إخوته بعد قنصه على حدود البلدة خلال أحد الاشتباكات مع قوات النظام البائد عام 2015، ولم تتوقف الخسارة عند هذا الحد، إذ سحبت قوات النظام جثته ومثّلت بها وسحلتها في شوارع البلدة، ثم نشرت صورها على صفحات محلية للبلدة في وسائل التواصل الاجتماعي، ليكون “عبرة” لغيره، بحسب وصف راغب.
يقول راغب (طلب عدم ذكر اسمه كاملاً لأسباب اجتماعية) لـ”نون بوست” إنه لا يمكنه أن ينسى ما فعله مقاتلو النظام بأخيه، ومن ثم بجثته، كما لا يمكنه نسيان معاناة أهالي بلدته من الفوعة، التي اختارت الوقوف إلى جانب النظام البائد ودعمه بالمقاتلين والأراضي، بحسب وصفه.
ومن هذا المنطلق، يضيف راغب أنه لا يستطيع تحمّل فكرة عودة أيّ من أهالي البلدة إليها، ولا يمكنه السماح بذلك، “أيًا كان الثمن”.
ولا يبدو موقف راغب منفصلاً عن موقف أهالي بنش من ملف عودة سكان الفوعة، إذ يتجاوز رفض العودة لدى بعضهم الحالات الفردية المرتبطة بأشخاص محددين، ليشمل سكان البلدة بصورة أوسع.
وانتشر مؤخراً على صفحات محلية في وسائل التواصل الاجتماعي بيان قيل إنه صادر عن أهالي ووجهاء بنش يعبّرون من خلاله عن رفضهم وجود “الشيعة” في بلدتي الفوعة وكفريا المجاورتين.
كما نقل البيان رفض الأهالي شراء سكان بنش المنازل أو الأراضي من أهل الفوعة أو التعامل معهم، مشيرا إلى أن أي شخص يتعامل معهم لا يمثل إلا نفسه، وذلك حفاظاً على “دماء الشهداء الذين ضحوا على أرض بنش”.
من الجيرة إلى العداء
ولفهم أسباب هذا الرفض، لا بد من العودة إلى التحول الحاد الذي أحدثته الثورة السورية في العلاقة بين بنش والفوعة، البلدتين المتجاورتين في ريف إدلب، إذ انتقلت علاقتهما، التي قامت لسنوات على الجيرة والتداخل الاجتماعي، إلى حالة من العداء والصدام المباشر.
فمع انطلاق الحراك في عام 2011، اتخذ الصراع بين الطرفين بعدًا عسكريًا وطائفيًا، خصوصًا مع تحوّل الفوعة إلى موقع عسكري للقوات والميليشيات الموالية للنظام البائد، بينما كانت بنش من البلدات التي انخرطت مبكرًا في الحراك المعارض.
وتعرضت بنش خلال سنوات الثورة لقصف متكرر بالمدفعية والصواريخ مصدره الفوعة، في حين كانت العمليات العسكرية التي تنفذها فصائل المعارضة ضد الفوعة تترافق مع تصعيد جوي من قوات النظام وروسيا طال أحياء البلدة، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار واسعة بالمنازل والممتلكات في المدينة.
ولم تقتصر تداعيات المواجهات على القصف والمعارك، إذ انعكست أيضاً على حركة السكان بين البلدتين، فقد شهدت المنطقة حوادث قنص واعتقالات وعمليات خطف متبادلة، إضافة إلى توقيف عدد من أبناء بنش وبلدات مجاورة على حواجز تابعة للنظام واللجان المحلية في الفوعة وكفريا.
ومع استمرار المواجهات، تراجعت العلاقات التي كانت تجمع سكان البلدتين قبل الثورة قبل أن ينتهي وجود سكان الفوعة داخل البلدة عام 2018، ضمن “اتفاق المدن الأربع”، لتبقى قضايا الملكية ومصير المنازل والعلاقة بين السكان السابقين والمجتمع المحلي من الملفات التي تعيد إنتاج التوتر حتى اليوم.

متى يتحول المنع إلى عقاب جماعي؟
ومع عودة ملف سكان الفوعة إلى الواجهة، يبرز السؤال حول حق هؤلاء السكان في العودة إلى منازلهم، كما يمتد إلى كيفية التعامل مع أشخاص قد ترتبط أسماؤهم باتهامات تتعلق بسنوات الحرب، في مقابل سكان آخرين لا توجد بحقهم مثل هذه الاتهامات.
ويرى أسامة شاهين، الباحث في مشروع حول العودة المستدامة في سوريا ما بعد النزاع في معهد “كريستيان ميكلسن”، أن المخاوف الأمنية المشروعة تتعلق بما فعله شخص بعينه، بينما الرفض الجماعي يتعلق بمن هو هذا الشخص وإلى أين ينتمي.
وبحسب الباحث، يمكن التمييز بينهما بسؤال: هل الاتهام محدد؟ فالمخاوف المشروعة تذكر أسماء وأفعالاً يمكن التحقق منها، مثل شخص يُتهم بأنه شارك في قتل أو قصف أو تعذيب، أما حين يكون الكلام عن “أهالي البلدة” أو “أبناء الطائفة” بشكل عام، فالحديث لا يكون عن تهديد أمني، بل عن خوف أو غضب موجه إلى جماعة كاملة.
ويقول شاهين لـ”نون بوست” إن الإجراء نفسه يكشف الفرق، فإذا “كان المنع يشمل النساء والأطفال وكبار السن ومن لم يحمل السلاح أصلاً، فهو لم يعد إجراءً أمنياً، بل عقاباً جماعياً”، مشيراً إلى أنه من حق الأهالي أن يعبّروا عن خوفهم والبيان طريقة مشروعة لذلك، لكن تحديد من هو متهم ومن هو بريء لا يمكن أن يكون بيد الجيران أو تحت ضغط المجتمع المحلي، وإنما هو دور الدولة من خلال التحقيق والأدلة والإجراءات الواضحة.
ويحذر الباحث من أن الرفض الجماعي قد يضر حتى بمصلحة الضحايا ويخدم المتهمين الحقيقيين، فحين يُعامل الجميع كمشتبه بهم، يضيع من ارتكب الانتهاكات فعلاً بين آلاف الناس الذين لم يفعلوا شيئاً.
ويرى أن دور الحكومة الانتقالية “حاسم”، خاصة أن غضب الناس مفهوم ويجب أن يؤخذ بجدية لأن كثيرا ممن يرفضون العودة فقدوا أقارباً أو بيوتاً، ولا يرى بوادر للمحاسبة، وجزء من الرفض تعبير عن غياب الثقة بالعدالة.
كما يعتبر أن استمرار غياب دور الحكومة عن الملف يترك القرار للمجتمع المحلي، مشيراً إلى أن المطلوب من الحكومة أن تعلن بوضوح أن العودة حق لكل المواطنين، وأن المنع لا يكون إلا بقرار فردي مبني على أدلة، مع وضع معايير معلنة للتدقيق الأمني وإحالة الاتهامات الجدية إلى القضاء أو هيئة العدالة الانتقالية.
ويؤكد على ضرورة وجود “خطة حقيقية بجدول زمني واضح” تحدد متى تبدأ مراجعة الملفات، وكم تستغرق، ومن الجهة المسؤولة عنها، وكيف يُبلّغ الناس بالنتائج، لأن “من دون هذه المواعيد يتحول الانتظار نفسه إلى مصدر شك جديد”.
العودة ليست مجرد انتقال جغرافي
وفيما يتعلق بشروط العودة، يقول شاهين إنه يتعامل معها باعتبارها “عملية أخلاقية وسياسية، لا كعملية نقل لأشخاص من مكان إلى آخر”، فإلى جانب الأمان والسكن والوثائق والعمل والخدمات، هناك شرط يصعب قياسه، وهو أن يعيش العائد بين جيرانه “دون أن يُنظر إليه كمتهم دائم”.
ويوضح الباحث أن العودة “ليست استعادة لوضع سابق، بل بناء علاقة جديدة”، مشيراً إلى أنها يمكن أن تحدث من دون مساءلة، لكن ترك ملفات الانتهاكات معلقة قد يجعلها “أكثر هشاشة”، لأنه يوسع الشبهة لتشمل جماعة كاملة ويترك الضحايا دون إجابات والعائدين تحت اتهامات لا يعرفون كيف يواجهونها.
في المقابل، لا يرى أن المساءلة تعني المحاكمات فقط، وإنما تشمل كشف الحقيقة والاعتراف بالضحايا والتعويض وضمانات عدم التكرار.
ويشدد الباحث على ضرورة التمييز بين أنواع الاتهامات، إذ هناك فرق بين من ارتكب انتهاكات بحق مدنيين، كالقتل أو التعذيب أو القصف المتعمد، وبين من حمل السلاح في الحرب دون أن يثبت عليه ذلك، وبين من ينتمي فقط إلى عائلة أو بلدة.
ويقترح فحص الملفات بشكل فردي، بمعايير معلنة ومدة محددة، مع حق الشخص في معرفة ما يُنسب إليه والاستعانة بمحامٍ والدفاع والاعتراض، ومن تتوافر بحقه أدلة جدية يُحال إلى التحقيق والقضاء، بينما يمكن لهيئات العدالة الانتقالية أن تسهم في التوثيق وكشف الحقيقة وجبر الضرر، بحسب صلاحياتها.
ويحذر من منع عائلة من العودة بسبب اتهام أحد أفرادها، مستشهداً بما حدث في العراق بعد “داعش”، حيث وُصمت عائلات بأنها “عائلات داعش” ومُنع بعضها من العودة أو بقي لسنوات في المخيمات، ويرى أن النتيجة كانت “فئة كاملة معزولة ومهمّشة”، وهو ما قد يصبح بحد ذاته مصدراً لعدم الاستقرار.
“الذاكرة الرقمية لا تبهت”
ويرى شاهين أن الذاكرة الجماعية يمكن أن تكون عائقاً أمام العودة، لكنها “ليست أمراً حتمياً”، إذ تصبح عائقاً عندما يمتلك كل طرف “ذاكرة ضحية لا يعترف بها الآخر”، وحين تتحول الذاكرة إلى منافسة على من هي الضحية الحقيقية، “يصبح الاعتراف بألم الآخر وكأنه تنازل أو خيانة”، وقد تنتقل هذه الذاكرة إلى أشخاص لم يعيشوا الأحداث أصلاً لتصبح جزءاً من الهوية.
ويضيف أن الحالة السورية تواجه تحدياً إضافياً يتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت، بحسب وصفه، إلى “محكمة الفيد” (Court of the Feed)، أي الطريقة التي تحولت بها المنصات بعد سقوط الأسد إلى محكمة غير رسمية، يُتهم الناس فيها، ويعرض ما يقدم على أنها أدلة، وتصدر الأحكام، كل ذلك علناً ودون أي إجراء.
ويشير الباحث إلى أن “الذاكرة الرقمية لا تبهت”، إذ يعاد نشر مقاطع القصف والحصار مع كل نقاش حول العودة، بحيث “يُستدعى الماضي إلى الحاضر كأنه حدث بالأمس”، كما أن المنصات، بحسب ما أوضحه، “تخلط بين الفرد والجماعة”، فصورة قديمة لشخص يحمل سلاحاً قد تكون مادة مفيدة للتوثيق، لكنها حين تنتشر دون تحقق أو سياق تتحول إلى حكم.
ويشير شاهين إلى تجربة البوسنة بعد اتفاق “دايتون”، حيث استعاد كثير من النازحين واللاجئين حقوقهم في ممتلكاتهم، لكن استعادة الملكية لم تعنِ بالضرورة العودة الفعلية أو القدرة على البقاء، إذ ارتبطت قرارات العودة أيضاً بالأمان وفرص العمل والخدمات والتمييز والحياة التي بناها الناس في أماكن أخرى.
كما يشير إلى تجارب أخرى في جنوب أفريقيا والهند أظهرت أهمية الاعتراف بالضحايا وبناء الروابط اليومية بين الجماعات المتنازعة، لكنه يؤكد أن هذه الأدوات لا تعمل وحدها، إذ يجب أن يحدث اللقاء بين الجماعات المتخاصمة في ظروف من المساواة، وحول مصالح مشتركة، وبدعم واضح من المؤسسات.
من يضع قواعد العودة؟
من جانبه، يرى الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة محمد السكري أن معالجة التفكك المجتمعي تحتاج إلى سياسات أوسع بكثير مما هو قائم خلال هذه الفترة، مشيراً إلى أن هناك، في دول ما بعد النزاع عموماً، “تتجه نحو عودة السكان”، إذ إن أي سلطة سياسية ستسعى إلى عودة السكان لما يحققه ذلك من رصيد سياسي.
لكنه يشدد في حديثه لـ”نون بوست” على أهمية ألا يكون هذا الرصيد على حساب عودة السكان في ظل وجود إشكاليات مجتمعية كبيرة بحاجة إلى المعالجة، لا سيما ما يتعلق بملفات العدالة الانتقالية والملكية والمساءلة والمصالحات والعدالة المكانية.
ويقول السكري إن هذه الإشكاليات “مركبة وعديدة” وتحتاج إلى عدة قنوات للتعامل معها، في مقدمتها “بنية تشريعية واضحة” فيما يتعلق بهذه الملفات، معتبراً أن ملف التفكك المجتمعي يجب أن يكون “أولوية قصوى” خلال الفترة القادمة، وبنفس أهمية الملف الأمني، لأن التفكك المجتمعي قد ينتج ديناميات أمنية تتحول إلى اقتتال طائفي أو استخدام للعنف على أساس الإثنية أو المنطقة والجغرافيا.
ويحذر من ترك ملف العودة خاضعاً للتفاهمات أو الأعراف المحلية، معتبراً أن الاعتماد على البؤر المحلية “قد يفيد في بعض المستويات، لكنه لن يؤدي إلى استدامة هذه السياسات”، إذ يبقى السؤال المجتمعي هاجساً أمنياً في غياب قوى منظمة، سواء كانت مدعومة حكومياً أو مدنياً.
ويرى أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يتم عبر قنوات رسمية، من خلال هيئات المصالحة والعدالة الانتقالية، وأن تتوسع هذه الهيئات من مراكز المحافظات إلى المناطق التي قد تنتج فيها إشكاليات مجتمعية تتحول إلى إشكاليات أمنية.
كما يرى السكري أن للمجتمع المدني دوراً في هذا الملف يتجاوز المساعدات الإنسانية والإغاثية ودعم الشباب والنساء، ليشمل العمل على “ملف التفكك المجتمعي نفسه”، عبر مساعدة المجتمعات الخارجة من النزاع على إدارة هذه المرحلة.
ويشير إلى أن هذا الدور ما يزال غائباً لأسباب تتعلق بطبيعة المجتمع المدني وحضوره السياسي والمدني وأولوياته، فضلاً عن ارتباطه في كثير من الأحيان بسياسات الدعم الدولية.
ويضيف أن ضعف البنية التشريعية والقانونية، وضعف الموارد المادية في ملف العدالة الانتقالية، والاعتماد على المجتمعات المحلية بدلاً من مؤسسات مدنية أكثر تقدماً، كلها عوامل تجعل معالجة التفكك المجتمعي أكثر صعوبة، وقد تنتج، على المدى المتوسط، إشكاليات أمنية.
ويرى أن التعامل مع هذا الواقع يحتاج إلى تراكم على مستوى المؤسسات والبنى التشريعية والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية نفسها.
وفي ما يتعلق بالمساءلة، يرى السكري ضرورة توسيع دائرة المحاكمات المرتبطة بالشخصيات المتورطة في جرائم الحرب في سوريا خلال فترة حكم الاستبداد، بحيث تنتقل من مستوى المركز إلى الأطراف، ولا سيما في المناطق التي كانت لها “رمزية إشكالية هوياتية وطائفية عالية جداً”.
ويقول إن وجود محاسبة لشخصيات “مركزية ورمزية” في عمليات التطهير في بعض المدن يمكن أن يساعد في تجاوز أي انقسام مجتمعي قد يحصل خلال الفترة المقبلة، على أن تُدار لاحقاً الإشكاليات الأمنية والمجتمعية عن طريق المؤسسات والمرجعيات القانونية المعتمدة في الدولة والحكومة.

