في منطقة رأس العين ببلدة قصرة، جنوب نابلس، بقيت ثلاث عائلاتٍ فلسطينيةٍ معزولة عن محيطها لأكثر من خمسة أسابيع، بعد إقامة بؤرةٍ استيطانيةٍ قريبة في أغسطس/آب 2026، وبحسب توثيق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، فقد تزامن وجود المستوطنين والقوات الإسرائيلية مع قيودٍ شديدةٍ على الدخول والخروج، فلم يعد السكان يستطيعون عبور الحاجز العسكري بصورةٍ اعتيادية، وتعذر على طفلٍ في الخامسة الوصول إلى روضته وعلى معلمٍ من إحدى العائلات الانتظام في عمله.
يعني ذلك ببساطة، أن البؤرة المستحدثة أجبرت من سبقوها إلى الأرض على تغيير حياتهم، وربما مستقبلهم، لا بفعل وجودها كنتاج استيلاءٍ فقط، بل لأن لمؤسسها شريكًا يملك الحاجز والسلاح، وداعمًا يملك تخصيص الأرض والميزانية، وبين هؤلاء الثلاثة “المستوطن والجندي والسياسي الوزير” تتكامل الصورة وتتبادل الخدمات وتتداخل الهويات.
فالمستوطن جنديٌ بزيه وعتاده على الحاجز، “مدني إسرائيلي” بعتاده في البؤرة، والوزير مستوطنٌ انتقل بمشروعه من مراقبة الحقول الفلسطينية إلى إدارة الجهاز الذي يقرر مصيرها، أو سياسي يستعطف المستوطنين لإثبات نجاح خطابه.
هكذا يصبح تقسيم المشهد إلى مستوطن وجندي ووزير مدخلًا لفهم مواقعهم داخل مشروع واحد، يسعى للاستيلاء من مواقع مختلفة، التلة والثكنة والحكومة، وإن كان أصحابها لطالما تحركوا بمرونةٍ بين هذه المواقع، إلا أن الـ7 من أكتوبر أذاب حواجز التصريح بنقطة الالتقاء، وجعل من “خطاب الأمن الإسرائيلي” زاويةً له.
فالمستوطنة التي يريدها اليمين الديني لتثبيت السيطرة وإسقاط الدولة الفلسطينية، يقدمها مسؤولون آخرون بوصفها حماية للمدن الإسرائيلية، وما بين هؤلاء يتعزز واقعٌ على الأرض، دفع الباحث “الإسرائيلي” المختص بعلم الاجتماع السياسي ياغيل ليفي، في مقابلةٍ له مع مجلة +972 ، لوصف أجهزة الجيش التي يقودها المستوطنون، بأنها “الذراع الرمادية للضم”.
يختصر ليفي المسافة والزمن، فيقول إن “الصراع الداخلي بين القيادة العليا للجيش التي يتزايد ميلها نحو الاستيطان، والقيادة المؤسسية للمستوطنين، وبين المستوطنين المتطرفين -كأن هناك فرقًا بينهم! – ليس شرخًا، بل نتيجةً ثانوية لاندماج طويل المدى، بدأ من عام 2005، ولم يكبحه سوى تهديد السلطة العسكرية لـ”إسرائيل” في الضفة، أو تصدره لتدقيق دوليٍ “غير مرغوبٍ فيه”.
اليوم، وبعد ثلاثة أعوامٍ من التوسع الاستيطاني المهول في الضفة، تتجاوز العلاقة حدود التعاطف والكبح، إلى جملةٍ من الأدوات التي تبدأ بالتنظيم البشري للاستيطان عبر الجماعات الاستيطانية، فتوزيع السلاح وخصخصة الأرض عبر الحكومة، فتعزيز الأمن والسيطرة عبر الجيش، وصولًا إلى واقعٍ لا يبدو الرجوع عنه سهلًا، أو محتملًا.
المستوطن في بؤرته
على خارطة الضفة الغربية تمتد مناطق واسعة بدون تركزٍ سكانيٍ كثيف، بعضها مراعٍ بعضها بساتين، منها المتاخمة للمنازل الفلسطينية ومعظمها تمتد بين بلدةٍ وأخرى، على هذه المناطق الواسعة نشأت أرضية الاستيطان الذي وجد في بؤرٍ متناثرة بين أرضٍ وأخرى، بيدقًا لقطع طريق الفلسطينيين عن الحقول وطرق الرعي ومصادر المياه.
وفقًا لتقرير منظمتي بتسيلم وكيرم نافوت فإن العاملان الأساسيان لفقدان الوصول إلى الأرض الفلسطينية، هما؛ الأوامر العسكرية والعنف الاستيطاني، ومنذ 2023 أصبح العنف الاستيطاني يحتل الصدارة، في حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، وذلك عبر زيادة إنشاء بؤر هامشية تغدو منطلقًا لتنفيذ أعمال عنفٍ بحق الفلسطينيين، للدرجة التي تدفعهم لتجنب الوصول إلى أراضيهم اتقاءً لشر هذا العنف.
ليس هذا بمستجد، فوفقًا لـ بتسيلم، فمنذ عام 2021 بدأ الاستيلاء على أراضٍ زراعية ومزارع فلسطينية يتخذ طابع مضاعفة حجم البؤرة الاستيطانية، وفي إحدى الحالات “في ذلك العام” استولى المستوطنون على أكثر من 14 ألف دونم زراعيًا من الفلسطينيين، عبر الرعي في مناطق تتجاوز محيط بؤرتهم، ومنع المزارعين من حقولهم، لتمتلك مساحةُ ضئيلة من الأرض السيطرة على مساحات أكبر منها بكثير.
تكمن أهمية “قطع الطريق على الفلسطينيين” في العقلية الاستيطانية بتراكميته، إذ عندما يُحرم الفلسطيني من دخول أرضه يتغير الاستخدام الفعلي للأرض، فتتصل القدرة على الإيذاء بالقدرة على الانتفاع بما أخلاه ذلك الإيذاء، وعندما يُصار إلى تأكيد انتفاع المستوطنين بها في السجلات، تُحسم ملكيتها وفق مبدأ “الأرض لمن يحرثها ويعمل بها”.
يُعتبر ملف المستوطن “موشيه شرفيت” أمام المحكمة العُليا مثالًا على ذلك، إذ قدمت جمعيةٌ حقوقية التماسًا في يونيو/حزيران 2025 باسم 12 مزارعًا من منطقة وادي الفارعة في الأغوار، مُنعوا من الوصول إلى أراضيهم منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 بسبب مضايقات المستوطن الذي أسس مزرعةً له حملت اسم “عيمق تيرتسا”.
على مدى أشهرٍ كان الفلسطينيون بانتظار قرار المحكمة، فيما كان الجيش على الأرض يطالب المزارعين بقبول القيود التي يفرضها المستوطن، وعندما يرفضون يقوم بقمعهم بأدواته، بعدها وفي مارس/آذار 2026، أصدرت المحكمة أمرًا مؤقتًا بإبعاده والعاملين باسمه عن الأراضي موضوع الالتماس.
لكن القائد العسكري في المنطقة أغلق أراضي الملتمسين أمام أصحابها، والدفع بجيشه في اليوم التالي بمرافقة المستوطن والاعتداء على الأراضي وإتلاف الحقول بل واقتحام منازل المزارعين وتهديدهم، تبدو هذه النتيجة متسقةً نوعًا ما مع “ادعاءات الديمقراطية” التي يُصدرها القانون “الإسرائيلي” عن نفسه، لكنها أكثر اتساقًا مع الخطة السياسية العسكرية الأمنية التي قدمها “سيد الاستيطان” في الضفة الغربية “بتسلئيل سموتريتش” عام 2017، والمعروفة بخطة الحسم.
ذلك لأن الخطة، التي تُعد مشروعًا استيطانيًا ميدانيًا، تقوم على التوسع في جميع المساحات الفارغة بالضفة، وتثبيت الاستيطان ودفع الفلسطينيين للهجرة أو الخضوع، إنما جاءت من مستوطنٍ قبل أن تصدر عن سياسي، فبحسب التعريف المنشور على موقع حزبه، يقيم سموتريتش في مستوطنة كدوميم، كما أن دوره في منظمة ريغافيم تأسيسي، إلى جانب شراكته مع “يهودا إلياهو” المسؤول عن إدارة الاستيطان بوزارة الدفاع، وعلاقاته بمنظماتٍ استيطانية أخرى تعمل على الأرض بالتوازي مع خطته.
ما يجعل من “البؤرة” تطبيقًا ميدانيًا لخطته وأهدافه، فحتى وإن لم يعمل جميع منشئي البؤر وفق تعليمات حزبية مباشرة منه أو من سياسيين على شاكلته، فحين تدفع الاعتداءات السكان إلى الرحيل، وتُغلق المراعي والطرق أمام الباقين، تصبح الأرض المتاحة لاستيطان جديد أوسع، وتتقلص قدرة الفلسطينيين على وصل تجمعاتهم وممارسة سيطرة فعلية عليها، وهكذا تتراكم نتائج العنف داخل الخريطة التي يريدها السياسي.
ولتأكيد صلة العنف بالأفق الميداني السياسي، يكفي الإشارة إلى ما وثقته منظمة العفو الدولية في زنوتا، جنوب الخليل، بتقريرٍ عنوانه “التطهير العرقي في الضفة الغربية”، وثقت من خلاله اعتداءات مستوطني مزرعة ميتاريم على الفلسطينيين، ثم اقتحامهم للتجمعات البدوية المجاورة برفقة قوات الجيش وتهديد السكان إن لم يغادروا بدءًا من أكتوبر/تشرين 2023 وصولًا للاحتفاء بالتهجير في حفلٍ أقامه سموتريتش ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك في أبريل/نيسان 2025 في المزرعة، ووزعا خلاله 19 مركبة مخصصة للسير في التضاريس الوعرة وكاميرات ومعدات رؤية ليلية ممولة حكوميًا، على مستوطني بؤر في منطقة الخليل، لتعزيز عنفهم.
في الواقع لا تتوقف حدود الشراكة بين الحكومة والاستيطان عند شخصياتٍ مثل سموتريتش أو ستروك، بل تمتد إلى “العدالة في القضاء” التي يدعي الاحتلال توفيرها، إذ تكشف سجلات إنفاذ القانون مقدار الحماية التي توفرها الإجراءات القضائية، ففي بيانات منظمة ييش دين عن الأعوام 2005–2025، انتهى 93.6% من ملفات التحقيق في الجرائم التي ارتكبها “إسرائيليون” بحق فلسطينيين دون لائحة اتهام، وأفضت نسبة 3% منها فقط إلى إدانة كاملة أو جزئية، معظمها ألغي إثر الاستئناف.
يتقاطع ذلك مع الجيش بشكلٍ جلي، إذ وفقًا لمدير شعبة الاستيطان هوشعيا هراري، فإن الجيش مشارك نشط في تحديد المزارع المستفيدة والمعدات الممولة، بل إن موافقته من خلال ” قيادة المنطقة الوسطى” شرطية لتأسيس إحداثيات أعمدة الإنارة والكاميرات والبوابات، ومد الكهرباء والطاقة، وحتى نقل تجهيز من بؤرة إلى أخرى.
هنا أيضًا، يظهر الدور الحكومي من جديد، إذ يمر تمويل المجالس الاستيطانية في الضفة الغربية، من وزارة ستروك إلى شعبة الاستيطان بالمنظمة الصهيونية العالمية، ومنها إلى المجالس الاستيطانية، ووفقًا لحركة السلام الآن، مولت الوزارة 68 مزرعةً بـ 15 مليون شيكل عام 2023، ارتفعت إلى 39 مليونًا عام 2024.
يُبرر ذلك بشكلٍ كافٍ توسع سيطرة الاستيطان في العام الأخير، إذ أصبحت البؤر والمزارع الاستيطانية تسيطر على نحو مليون دونم، أي ما يقارب 18% من مساحة الضفة الغربية، منها نحو 750 ألف دونم استولى عليها المستوطنون منذ تشكيل الحكومة الحالية، في نهاية إبريل/ نيسان المنصرم، وبحسب تقارير العفو الدولية وصل عدد البؤر إلى 363 بؤرة.
أما هجمات المستوطنين التي انطلقت منها، وأسفرت عن إصابات أو أضرار، فقد بلغت حتى منتصف سبتمبر/أيلول المنصرم، 1600 هجومًا، طالت 275 تجمعًا فلسطينيًا، وتسببت بنزوح أكثر من 2600 فلسطيني، يُلاحظ هنا أن التقارير الأممية لا تحتسب الهجمات التي تترك آثارًا نفسية من قبيل الخوف أو الهلع أو التهديد، وإنما تُركز على الهجمات ذات الأضرار الملموسة!
الاستيطان على عتبة الثكنة
في يوليو/ تموز 2025 نشرت الصحافة “الإسرائيلية” خبر مقتل مستوطنٍ من مزرعة شاكيد بتلال يتسهار أثناء تشغيله الآليات الهندسية في غزة، المستوطن يُدعى “أبراهام أزولاي”، وفقًا لرئيس مجلس السامرة، فلأزولاي باعٌ طويل في “تجهيز المزارع وشق الطرق” واصفًا إياه بأنه من “بناة التلال”.
وفي قريوت جنوب نابلس، استُشهد فلسطينيان بإطلاق نار في 2 مارس/آذار 2026، أقدم عليه جندي، وصفه الجيش بأنه “احتياطي في الخدمة الفعلية” فسحب منه سلاحه وأحاله للتحقيق الجنائي العسكري، وأبعد العشرات من أفراد الوحدة أبعدهم إلى أين؟- بسبب اعتدائهم المتكرر على الفلسطينيين.
حادثةٌ أخرى تكشف الاشتباك بين الاستيطان والجيش في أواخر يوليو/ تموز من العام الحالي، حين تصدى الفلسطينيون في بلدة تل شمال الضفة الغربية لاعتداء المستوطنين، فاستشهد أربعة فلسطينيين، وقُتل مستوطنان مسلحان، ليكشف الجيش لاحقًا أن أحدهما ضابط يشغل منصب قائد وحدة في سلاح المدرعات والآخر جندي من “لواء القدس”.
تعبر هذه الحالات، عن مكانة الجيش في المشروع الاستيطاني، إذ يتجاوز دوره توفير الحماية، إلى اندماج المجتمع الاستيطاني نفسه في منظومة الجيش واستخدام القوة للاستيطان، تصاعد ذلك منذ عام 2014، حين كشفت منظمة “ييش دين الإسرائيلية” أن المستوطنين يتلقون السلاح والتدريب من الجيش، ويخضعون في محاكماتهم للقضاء العسكري، ويتمتعون بصلاحيات تشمل التفتيش والاعتقال واستخدام القوة، ما يزيد من قوة المستوطنات التي يمثلونها.
اتسع هذا التداخل بعد 7 أكتوبر2023، إذ وسع الجيش تشكيلات الدفاع الإقليمي التي تعمل في المستوطنات “الهجمار” ليرتفع عددها خلال أيامٍ من 1500 إلى 8000 فردٍ انتشروا في 201 مستوطنةٍ ومزرعة، وتمتعوا بامتياز السماح لهم بالاحتفاظ بالسلاح الشخصي بعد انتهاء خدمة الاحتياط.
تفاعل ذلك مع قبولٍ مجتمعي لانتهاكات المستوطنين بحق الفلسطينيين، إذ عبر نائب قائد وحدة بينيامين، يهودا كوهين، عن نظرته لانخراط المستوطن المُجند باعتداءات بحق الفلسطينيين قائلًا: “أن تكون جنديًا في الدفاع الإقليمي يعني أن تكون مقاتلًا في المكان الذي تسكن فيه”، بينما ذكر قادة آخرون تضاعف أعداد المجندين من المستوطنين، إذ صرّح نائب قائد وحدة يهودا بأن عدد أفراد وحدته ارتفع ستة أضعاف، وأن ذلك أتاح لهم تعزيز الحراسة وتنفيذ عملياتٍ هجومية وأنشطةً أخرى في المنطقة.
تصف المنظمات الحقوقية “الإسرائيلية” التقاطع بين المستوطن والجندي بأنه “مستوطنٌ في الزي العسكري”، وتفضل في تقاريرها الفصل بين ثلاث فئات؛ منهم جنودًا مستوطنين يتجاوزون صلاحياتهم أثناء الخدمة، ومنهم جنود في الإجازة يتصرفون خارج المهام الرسمية، والفئة الثالثة مستوطنون يرتدون الزي ويتحركون بمبادرة ذاتية.
لا تُميّز الانتهاكات بين هذه الفئات، لكن المنظمات الحقوقية “الإسرائيلية” والخطاب الرسمي الموجه للعالم، يفضل دائمًا الفصل بين الفئة الأولى والأخيرة، للإشارة إلى فعلٍ يُتبرأ منه، وتجاهل نتيجةٍ يتم تبنيها بالإجماع.
تعتمد المنظمة في إسنادها، لعدم قانونية الدمج بين المستوطن والجندي، إلى أن الفلسطينيين، يصعب عليهم التمييز بين جندي دفاع إقليمي وعضو فريق استجابة ومستوطن ارتدى الزي بنفسه، أو معرفة إن كان المسلح في خدمة الاحتياط فعلًا، وهو ما يتسبب في كثيرٍ من الأحيان بخسارتهم عند تقديم الشكاوى، ويتيح للمنظومة القضائية التنصل من مسؤولية التحقيق.
اللافت أن هذه التفاصيل ونقاط التمايز، تصب لصالح المستوطن والجندي وليس لصالح الفلسطيني، فالقول إن 30 اعتداءً جماعيًا منظمًا فقط، أقدم عليها جنود أو شرطة، ما بين 2023 و2026 يؤكد رواية الحكومة أن المستوطنين “يتصرفون بدون تنظيم وأنهم عشوائيون”، لكنها لا تؤكد الواقع الذي يعرفه كل فلسطيني، وهو أن الاحتلال بمجمله مجتمع عسكري.
لا يتعلق الأمر بالجُبة العسكرية وحدها، بل يمتد للبيئة الدينية القومية التي تضاعف وزنها العسكري إبان السابع من أكتوبر، من 14.7% للرجال اليهود من الفئة العمرية 21-44 عامًا، إلى 27.4% عام 2024، ترتبط الأرقام أيضًا بتمثيلٍ أكبر في الأدوار القتالية، خاصةً في وحدات المشاة والمدرعات.
تشمل هذه الأرقام متدينين قوميين يقيمون داخل إسرائيل أيضًا، لكنها توضح وزن البيئة التي تغذي جزءًا مهمًا من الحركة الاستيطانية، عبر تأمين إجماعٍ عسكري واتفاقٍ سياسي مصحوبٍ بموارد معززة، من قبيل العلاقات والنفوذ والوصولية المؤسساتية، وقدرة على تقديم مطالبهم باعتبارها صادرة عن مجتمع يحمل عبء القتال.
بالمحصلة، يُنتج الاندماج بين المستوطن والجندي، مستوطنًا في موقعين متزامنين، أحدهما صاحب مصلحة في توسيع المستوطنة، والآخر حامل صلاحيةٍ أمنية تجاه الفلسطينيين في محيطها، وعندما تُصبح حماية المشروع وظيفة عسكرية يؤديها مستوطنٌ بزي جندي، أما في الوضع المعتاد فالجندي مستوطن.
كما يؤمن الموقع المزدوج جزءًا من القوة الرسمية داخل المجتمع الاستيطاني نفسه، فالمستوطن الذي يعرف طرق القرية وحقولها يمكن أن يكون الشخص المخول بممارسة سلطات أمنية في محيطها، والسلطة التي يمنحها الزي تزيد من صعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن محاسبة مرتديه.
الاستيطان على مكتب الوزير
لم يبدأ الدعم الرسمي للبؤر الاستيطانية مع سموتريتش، لكنه كان السياسي الأكثر ضجيجًا بحيث لفت الأنظار إلى نفسه، ففي تقريرٍ حكومي صدر عام 2005، تظهر وزارة الإسكان وقسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية والإدارة المدنية ووزارة الدفاع أطرافًا في إنشاء البؤر غير المرخصة.
وثّق التقرير خدماتٍ من قبيل تمويل البنية التحتية والمباني العامة وتخصيص أراضٍ، وشراء منازل متنقلة، ورصد وجود 90 منزلًا متنقلًا في بؤر غير مرخصة، من بين 140 كانت قد وُضعت في الأراضي المحتلة، وتحدث عن منازل وُضعت في المواقع قبل نشر مناقصة إنتاجها، حمل التوثيق لهجةً سياسية تبحث عن مشروعٍ لتبنيه، إذ أقر عدم إنفاذ القانون، وإبقاء آلاف أوامر الهدم الخاصة بالمنازل المؤقتة دون تنفيذ.
تمنح هذه التفاصيل مفهوم الدعم الرسمي مضمونًا يمكن تتبعه على شكل ميزانيةٍ ومشترياتٍ وموافقاتٍ وأجهزةٍ متعددة مثل السيارات والمناظير وأجهزة الرصد والتتبع، وهي أيضًا تعبير عن “اعترافٍ تحت الطاولة” داخل المنظومة “الإسرائيلية” بالبؤرة، دون أن يمنحها هذا الاعتراف شرعيةً دولية.
فمحكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024، أقّرت مخالفة المستوطنات والنظام المرتبط بها للقانون الدولي، ما يعني أن “تسوية أوضاع البؤر” تتم بشكلٍ محلي وداخلي، دون أن تغير طبيعة الاستيطان في الأرض المحتلة مهما تبدل الاسم الإداري، هذه الجزئية بالذات لا تهم سموتريتش.
ففي فبراير/شباط 2023، ثُبّتت صلاحيات سموتريتش في الإدارة المدنية، وأُنشئت إدارة الاستيطان تحت سلطته في وزارة الدفاع، ثم شهد مايو/أيار 2024 تعيين هليل روث نائبًا مدنيًا لرئيس الإدارة المدنية، ومنحه صلاحيات واسعة، تظهر من خلال الأمر العسكري رقم 2195 الذي يفصل شؤون التفويض ومنها شؤون الأرض والتخطيط والاستملاك.
يشرح سموتريتش في خطابٍ له منتصف 2024، دور السياسة الوزارية في تقرير الطريقة المُثلى لاستخدام الأرض “الاستيطان”، دون الإخلال بالإطار العسكري القائم، إذ اقترح تأسيس نظامٍ مدني منفصل خاصٍ بالمستوطنين، مع إبقاء القائد العسكري في موقع صاحب السلطة رسميًا، لتسهيل تمرير التغيير سياسيًا وقانونيًا دون تقديمه باعتباره إعلان ضم، محددًا هدف التوسع وتقسيم الصلاحيات بمنع قيام دولةٍ فلسطينية.
في وقتٍ لاحق تحولت قنوات التمويل لتدعم هذه السياسة، إذ خُصص 75 مليون شيكل للبؤر غير القانونية وفق القواعد الإسرائيلية، بينها نحو 39 مليونًا للمزارع الرعوية، واعترفت وزارة سموتريتش -الحكومة- بـ 70 بؤرة بوصفها مؤهلة للتمويل والبنية التحتية، وربطتها بمخططات التطوير والتوسعة، من إمدادها بالماء والكهرباء وتشييد مبانٍ عامة فيها كجزءٍ من عمل مؤسسات الدولة، حتى قبل اكتمال تسوية وضعها.
استمر التوسع التمويلي والتشريعي للعام الحالي، فوفق تقارير إعلامية “إسرائيلية” أعلن الكابينت في 25 مارس/آذار نيته إقامة 34 مستوطنة، منها عشر بؤر يُراد تسويتها و24 مستوطنة جديدة، ورغم أن القرار لم يُنشر رسميًا، إلا أن إجراءات التخطيط والتسوية قائمة ومتواصلة حتى لحظة الموافقة السياسية الكاملة.
لا يقتصر ذلك على مناطق ج، التي تخلت عنها منظمة التحرير أمنيًا وإداريًا لصالح الاحتلال ومستوطنيه منذ أوسلو، إذ رصدت التقارير إنشاء 26 بؤرة في المنطقة ب، إلى جانب سحب صلاحيات فلسطينية وإصدار أوامر وضع يد في المنطقتين أ وب، ما يؤكد أن العمل الاستيطاني والحكومي يسيران جنبًا إلى جنب، حيث يتزامن امتداد الوجود الاستيطاني مع توسيع صلاحيات الأجهزة الإسرائيلية، وحماية الجيش وتوغلاته الأمنية، في الأماكن التي يُفترض أنها خاضعة لإدارة فلسطينية!
بالمحصلة، يعمل “الإسرائيلي” على مسرحيةٍ واحدة، وبسيناريو وخاتمةٍ واحدة، ولكن من خلال ثلاثة ممثلين، أولهم مستوطنٌ على التلة يرسم بعنفه حدود المكان، وثانيهم جندي ببزته يحمي حدود المستوطن ويتوسع معه فيها، وثالثهم سياسي يمهر العنف والمكان بتوقيعه ويُسبغ عليه من ميزانيته.
وبينما يُقدم السياسي المستوطن للعالم باعتباره خارجًا عن “إجماع ديمقراطية الشرق الأوسط الوحيدة”، فيما يظل المستوطن يلوم السياسي على “ليبراليته” التي لا مكان لها على الأرض المقدسة، يُبدل الجندي بزته بين الاستيطان والجيش ثم السياسة حتى ينضج المشروع، وتصل المسرحية إلى خاتمتها.
ما بين هؤلاء، فلسطيني فقَدَ السؤال عن “ماهية” مستعمره، و”خلفيته المهنية” فالتلة والثكنة والوزارة بالنسبة له أسماءٌ متعددة لفعلٍ واحد، وواقعٍ يُبنى بالتراكم ولا يُهدم بالإنكار، إنه نصٌ واحد يقرأ بالعين لا بخطابات الإدانة، وعلى الفلسطيني أن يستوعبه مبكرًا بخلفياته المهنية الثلاث، قبل أن تحل لعنة “الخاتمة” عليه.