• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

ثلاث سنوات من حرب غزة.. هل قدمت مصر كل ما تستطيع للفلسطينيين؟

فريق التحرير٩ أكتوبر ٢٠٢٦

لا شك أن من خطط لعملية السابع من أكتوبر ونفذها قبل ثلاث سنوات، كان يضع ضمن حساباته معادلات الإقليم وموازين القوى المحيطة، ويراهن، بدرجة أو بأخرى، على الدور الذي يمكن أن تضطلع به دول الجوار العربي والإسلامي في توفير حاضنة سياسية ولوجستية، لا سيما إذا ما تطورت المواجهة إلى مراحل أكثر صعوبة وتعقيدًا، وهو رهان انطلق من تصور يرى أن المعركة لم تكن فلسطينية–إسرائيلية فحسب، وإنما حلقة في صراع أوسع تتداخل فيه الأبعاد العربية والإسلامية والمسيحية في مواجهة المشروع الإسرائيلي وتداعياته على المنطقة.

وبحكم اعتبارات التاريخ والجغرافيا والسياسة، كانت مصر الوجهة الأهم التي اتجهت إليها الأنظار منذ الساعات الأولى لعملية «طوفان الأقصى»،  فالقاهرة ليست مجرد دولة جوار تشترك مع قطاع غزة في حدود مباشرة، وإنما تمثل، بحكم ثقلها العربي والإقليمي، أحد أهم الأطراف التاريخية الحاضرة في القضية الفلسطينية منذ عقود، فضلًا عن كونها الدولة الأكثر التصاقًا بتداعيات الصراع، والأكثر تأثرًا بأي محاولة لإعادة رسم خرائط النفوذ أو تغيير التوازنات الجيوسياسية على حدودها الشرقية وفي محيطها الإقليمي.

واليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، وبعد أن انقشعت مساحة واسعة من ضباب الأيام الأولى، وتراجعت الشعارات أمام اختبار الوقائع والميدان وحسابات المصالح والسياسة، يصبح الدور المصري خلال هذه الحرب جديرًا بإعادة القراءة الهادئة والنقاش الموضوعي والتقييم البناء، ومن هنا تبرز أسئلة عديدة حول ما فعلته القاهرة، وما كان بمقدورها أن تفعله.

ومن خلال خمسة تساؤلات رئيسية، نحاول تفكيك الموقف المصري وقراءة مساراته بعيدًا عن الشعارات والأحكام المسبقة، وصولًا إلى السؤال الأكثر أهمية وجدلية: هل قدمت مصر، خلال هذه الحرب الوحشية، كل ما كان في مقدورها تقديمه لنصرة الفلسطينيين وحماية قضيتهم، أم كانت هناك مساحات أخرى للفعل لم تُستخدم؟

كيف نظرت القاهرة إلى الحرب؟

بعد ساعات قليلة من انطلاق عملية السابع من أكتوبر، وما أعقبها من اندلاع المواجهة وبدء الرد الإسرائيلي، جاء الموقف المصري سريعًا عبر بيان أصدرته وزارة الخارجية صباح السبت 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حذرت فيه من «مخاطر وخيمة» للتصعيد الجاري بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ودعت إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتجنب تعريض المدنيين لمزيد من المخاطر، كما طالبت الأطراف الدولية الفاعلة والمنخرطة في جهود استئناف عملية السلام بالتدخل الفوري لوقف التصعيد، وحثت إسرائيل على وقف الاعتداءات والأعمال الاستفزازية ضد الشعب الفلسطيني، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني والمسؤوليات المترتبة عليها بصفتها القوة القائمة بالاحتلال.

ومنذ اللحظة الأولى، عكس البيان ملامح المقاربة التي اختارت القاهرة التحرك من خلالها؛ مقاربة بدت أقرب إلى التموضع في مساحة سياسية وسطية منها إلى الانحياز الصريح للمقاومة الفلسطينية أو تبني خطاب يستند إلى حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضهم، وهي مساحة تتحرك فيها السياسة المصرية في عدد من الملفات الإقليمية، بما فيها تلك المتقاطعة بصورة مباشرة مع مصالحها وأمنها القومي، إذ ترى القاهرة أن الاحتفاظ بمسافة من أطراف الصراع يمنحها هامشًا أوسع للمناورة السياسية، ويعزز قدرتها على لعب دور الوسيط عند اشتداد الأزمات.

لكن تطورات الأيام التالية سرعان ما كشفت بصورة أكثر وضوحًا عن جوهر المقاربة المصرية للحرب؛ إذ تعاملت القاهرة معها، إلى جانب أبعادها الفلسطينية والإنسانية والسياسية، باعتبارها مسألة تمس الأمن القومي المصري بصورة مباشرة، ومن هنا احتل ملف تهجير سكان قطاع غزة موقعًا متقدمًا في أولويات الموقف المصري، وتحول رفض نقل الفلسطينيين إلى سيناء إلى أحد أكثر الخطوط الحمراء وضوحًا وثباتًا في الخطاب الرسمي.

فالرفض المصري للتهجير لم يكن منفصلًا عن التضامن مع الفلسطينيين ورفض تصفية قضيتهم، لكنه ارتبط كذلك، وربما بصورة أكثر إلحاحًا من منظور الدولة المصرية، بحسابات أمنية واستراتيجية مباشرة، إذ كانت القاهرة تنظر إلى انتقال مئات الآلاف، وربما أكثر، من سكان القطاع إلى سيناء باعتباره سيناريو قد يبدأ تحت عنوان «النزوح المؤقت»، قبل أن يتحول بمرور الوقت إلى واقع دائم يصعب التراجع عنه، بما يحمله ذلك من تداعيات ديموغرافية وأمنية وسياسية واقتصادية ترى الدولة المصرية أنها لا تستطيع تحملها.

وجاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع المستشار الألماني أولاف شولتس في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي بعد أحد عشر يومًا فقط من اندلاع الحرب، لتقدم واحدة من أكثر الإشارات وضوحًا إلى طبيعة الحسابات المصرية تجاه ملف التهجير، ففي معرض رفضه نقل الفلسطينيين إلى سيناء، طرح السيسي صحراء النقب داخل إسرائيل بديلًا افتراضيًا لنقل سكان غزة إليها، إذا كان الهدف الإسرائيلي المعلن هو إبعاد المدنيين بصورة مؤقتة إلى حين انتهاء العمليات العسكرية.

ولم تكن الإشارة إلى النقب مجرد اقتراح جغرافي بقدر ما كشفت عن جوهر الاعتراض المصري، المشكلة بالنسبة إلى القاهرة لم تكن فقط في إخراج الفلسطينيين من منازلهم، وإنما أيضًا في أن تتحول الأراضي المصرية إلى الوجهة التي تستقبل هذا النزوح وتتحمل تداعياته، بما قد ينتهي إلى تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأمن القومي المصري، وبهذا المعنى، بدأت ملامح المقاربة المصرية للحرب تتضح مبكرًا، حماية الحدود والأمن القومي ومنع فرض واقع ديموغرافي وسياسي جديد في سيناء، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القضية الفلسطينية ومنع تصفيتها.

غير أن اختزال الموقف المصري في الاعتبارات الأمنية وحدها يظل قراءة غير مكتملة، فالقاهرة أبدت كذلك حرصًا واضحًا على منع تصفية القضية الفلسطينية، انطلاقًا من إدراكها أن سقوط غزة وتهجير سكانها خارج القطاع لن يمثل مجرد تحول في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وإنما قد يقود إلى تغيير استراتيجي واسع في موازين القوى الإقليمية لمصلحة إسرائيل.

فغزة، من هذا المنظور، ليست فقط جزءًا من الأرض الفلسطينية، وإنما تمثل كذلك أحد مكونات البيئة الجيوسياسية المحيطة بمصر، ومن ثم فإن تفريغ القطاع من سكانه أو إنهاء وضعه الفلسطيني قد يفضي إلى واقع استراتيجي جديد على الحدود الشرقية لمصر، ويضع القاهرة أمام ترتيبات أمنية وسياسية مختلفة جذريًا عن تلك التي استقرت لعقود.

وهكذا تداخل في الموقف المصري منذ الأيام الأولى للحرب مساران يصعب الفصل بينهما،  رفض تصفية القضية الفلسطينية من جهة، وحماية الأمن القومي المصري ومنع انتقال تداعيات الصراع إلى داخل سيناء من جهة أخرى،  وربما كان هذا التداخل تحديدًا هو المفتاح الأهم لفهم الكثير من المواقف والتحركات المصرية التي توالت خلال السنوات التالية من الحرب.

كيف كان التحرك؟

انطلاقًا من هذه المقاربة، برز المسار الدبلوماسي باعتباره الأداة الرئيسية، وربما شبه الوحيدة، التي اختارت القاهرة التحرك من خلالها في إدارة تداعيات الحرب، وذلك من خلال ثلاثة محطات رئيسية شكلت ملامح هذا التحرك، وعكست في الوقت نفسه طبيعة الدور الذي أرادت مصر أن تضطلع به منذ اندلاع المواجهة.

جاءت المحطة الأولى بعد نحو أسبوعين من بدء الحرب، حين دعت القاهرة إلى عقد «قمة القاهرة للسلام» في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في محاولة لنقل الأزمة من منطق المواجهة العسكرية المفتوحة إلى فضاء التحرك السياسي والدبلوماسي الدولي، حيث سعت إلى الربط بين وقف التصعيد وحماية المدنيين وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وبين معالجة جذورها السياسية عبر إحياء مسار التسوية وصولًا إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، مع تجديد التأكيد على رفضها التام  أن تنتهي الحرب إلى «تصفية القضية الفلسطينية على حساب أي دولة في المنطقة»، في إشارة مباشرة إلى مخاوفها من سيناريوهات التهجير وإعادة رسم الواقع الديموغرافي والسياسي المحيط بقطاع غزة.

أما المحطة الثانية، فجاءت خلال هدنة نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حين انتقلت القاهرة من حشد المواقف السياسية إلى ممارسة دور الوسيط بصورة أكثر مباشرة، بالتعاون مع قطر والولايات المتحدة، وأثمرت هذه الجهود عن التوصل إلى هدنة إنسانية مؤقتة، تخللها تبادل للمحتجزين والأسرى وزيادة في تدفق المساعدات إلى القطاع.

لكن المحطة الثالثة والأبرز في هذا المسار جاءت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عندما استضافت شرم الشيخ المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق إنهاء الحرب في غزة، في إطار وساطة شاركت فيها مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا، وبعد ذلك بأيام، استضافت المدينة «قمة شرم الشيخ للسلام» برئاسة مشتركة للسيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، وبمشاركة دولية واسعة، في محاولة لتثبيت الاتفاق ونقله من تفاهم بين أطراف الحرب إلى مسار يحظى بغطاء سياسي ودولي أوسع.

وقد ساعد القاهرة على احتلال هذه المساحة شبكة العلاقات وقنوات الاتصال التي حافظت عليها مع مختلف الأطراف طوال سنوات الصراع،  فمن ناحية، ترتبط مصر بعلاقات رسمية وتفاهمات أمنية وسياسية ممتدة مع إسرائيل، ومن ناحية أخرى حافظت على قنوات اتصال مباشرة مع حركة حماس، رغم الخلافات السياسية والأيديولوجية العميقة بين الطرفين، بالتوازي مع علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة والقوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة.

هذه المعادلة منحت القاهرة ميزة نسبية قلما توافرت لطرف إقليمي آخر، وأهلتها للعب دور الوسيط القادر على نقل الرسائل واستضافة المفاوضات والمشاركة في صياغة التفاهمات بين أطراف يصعب جمعها بصورة مباشرة، غير أن القدرة على القيام بدور الوسيط شيء، والقدرة على تحويل الوساطة إلى نتائج سياسية مستدامة شيء آخر؛ وهي مسألة تظل مرتبطة بمآلات هذا الدور وحدوده ومدى نجاحه الفعلي، وهو ما ستتم مناقشته لاحقًا.

هل كان هذا كل ما يمكن القيام به؟

لا يمكن تجاهل أو إنكار الدور الدبلوماسي الذي اضطلعت به مصر طوال سنوات الحرب، سواء في جهود خفض التصعيد والوساطة، أو في التصدي لمخططات تهجير الفلسطينيين خارج قطاع غزة، بصرف النظر عن دوافع المقاربة المصرية وحساباتها، غير أن الاعتراف بهذا الدور لا يلغي السؤال الأكثر إلحاحًا وجدلية: هل كان المسار الدبلوماسي هو أقصى ما تستطيع القاهرة تقديمه للفلسطينيين وهم يواجهون واحدة من أكثر الحروب دموية وقسوة في تاريخهم الحديث؟ وهل لم تكن الدولة المصرية تمتلك أدوات أخرى يمكن توظيفها وهي تشاهد شعبًا يُقتل ويُحاصر ويُجوّع على مرأى ومسمع من العالم، وعلى بعد أمتار قليلة من حدودها؟

واقع الأمر أن الدبلوماسية لم تكن الأداة الوحيدة التي تملكها القاهرة، فبحكم ثقلها الجغرافي والسياسي، وطبيعة علاقاتها بإسرائيل، تمتلك مصر مجموعة من الأوراق السياسية والاقتصادية والأمنية التي لم تلجأ إلى استخدامها بأقصى درجاتها، أو حتى التلويح الجدي ببعضها، ومن هنا برزت طوال الحرب انتقادات ترى أن توظيف جانب من هذه الأوراق كان من الممكن أن يرفع كلفة استمرار العمليات العسكرية بالنسبة إلى إسرائيل، ويوفر مستوى إضافيًا من الضغط ربما كان يسهم في التعجيل بوقف الحرب وإنقاذ أرواح آلاف الفلسطينيين.

في مقدمة هذه الأوراق تأتي معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، التي طالب نشطاء وقوى سياسية وقطاعات من الرأي العام العربي والإسلامي باستخدامها، أو على الأقل التلويح بمراجعة بعض مستويات العلاقات المرتبطة بها، باعتبارها إحدى أدوات الضغط السياسي على إسرائيل، كما طُرحت تساؤلات بشأن قناة السويس وعبور السفن المرتبطة بإسرائيل، فضلًا عن مستويات التنسيق الأمني والعلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، باعتبارها جميعًا مساحات كان يمكن، وفق هذا الطرح، توظيفها بدرجات متفاوتة لزيادة الضغط على الحكومة الإسرائيلية.

وتزداد المفارقة حدة عند الانتقال إلى الجانب الاقتصادي، ففي الوقت الذي كانت فيه صور القتل والدمار والجوع تتدفق من غزة، وتصاعدت عربيًا وإسلاميًا حملات المقاطعة الاقتصادية باعتبارها إحدى الأدوات الشعبية لعزل إسرائيل والضغط عليها، أظهرت مؤشرات التجارة استمرار العلاقات الاقتصادية، بل وارتفاع قيمة التبادل التجاري بين إسرائيل ومصر وعدد من الدول العربية خلال فترات من الحرب.

وهنا برز واحد من أكثر أوجه التناقض إثارة للجدل في الموقف الإقليمي عمومًا والمصري خصوصًا، فمن جهة، خطاب سياسي رسمي يندد بالانتهاكات الإسرائيلية، ويرفض التهجير، ويطالب بوقف الحرب وإدخال المساعدات؛ ومن جهة أخرى، علاقات اقتصادية وتجارية استمرت رغم اتساع رقعة العمليات العسكرية وارتفاع أعداد الضحايا.

وقد غذّى هذا التناقض شعورًا واسعًا بالخذلان لدى قطاعات من الفلسطينيين والرأي العام العربي، الذين رأوا أن استمرار العلاقات الاقتصادية في ذروة الحرب يقوض عمليًا جانبًا من الرسالة السياسية المعلنة، ويضعف محاولات فرض عزلة اقتصادية وسياسية على إسرائيل.

كما وضع هذا التباين القاهرة في مرمى انتقادات حادة، وألقى بظلاله على تقييم الجهود الدبلوماسية التي بذلتها، وعزز خطابًا يرى أن التحرك المصري تجاه غزة انطلق، في جانب أساسي منه، من أولوية حماية الأمن القومي المصري ومنع انتقال تداعيات الحرب إلى سيناء، أكثر مما انطلق من استعداد لتحمل كلفة سياسية واقتصادية مباشرة دفاعًا عن الفلسطينيين، ومن هنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاوزه عند تقييم الموقف المصري: إلى أي مدى يمكن الجمع بين إعلان دعم الحقوق الفلسطينية والمطالبة بوقف الحرب، وبين استمرار العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الطرف الذي تخوض معه القاهرة في الوقت نفسه معركة دبلوماسية لوقف عملياته العسكرية؟

فالمعضلة لم تكن يومًا في غياب أوراق القوة بقدر ما كانت في حدود الاستعداد لاستخدامها، وفي حجم الكلفة التي كانت القاهرة مستعدة لتحملها من أجل تحويل موقفها السياسي المعلن إلى ضغط مادي مباشر على إسرائيل، وهنا تحديدًا تكمن المسافة بين الدبلوماسية التي تسعى إلى إدارة الأزمة، والسياسة التي تستخدم أدوات القوة لتغيير مسارها.

اتفاق شرم الشيخ.. حل أم فخ؟

مع وصول الحرب إلى مستويات غير مسبوقة من التصعيد، وارتفاع أعداد الشهداء والمصابين، واتساع نطاق النزوح الداخلي والتجويع والدمار، واقتراب العمليات العسكرية الإسرائيلية من الحدود المصرية ومحور فيلادلفيا، فضلًا عن وقوع حوادث طالت أهدافًا مصرية، سواء كانت مقصودة أو متعمدة، وجدت القاهرة نفسها أمام مأزق متزايد التعقيد، لم يعد من الممكن التعامل معه بالأدوات والوتيرة نفسيهما.

فاستمرار الحرب على هذا النحو لم يعد يمثل أزمة إنسانية وسياسية داخل قطاع غزة فحسب، وإنما بدأ يقترب بصورة مباشرة من المجال الحيوي للأمن القومي المصري، ومن هنا أصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا للتوصل إلى اتفاق يوقف الحرب، أو على الأقل يفرض عليها فترة من التهدئة تسمح بخفض منسوب التصعيد، واحتواء احتمالات الانفجار الإقليمي، وخلق مساحة يمكن البناء عليها سياسيًا في مرحلة لاحقة.

في هذه الأجواء، كثفت القاهرة تحركاتها الدبلوماسية واتصالاتها مع واشنطن وإدارة ترامب، بحثًا عن صيغة تضع حدًا لمسار الحرب المتصاعد، وجاء ذلك في وقت كان فيه المزاج الشعبي العربي قد وصل إلى مستويات مرتفعة من الغضب، ليس فقط تجاه السياسات الإسرائيلية والدعم الأمريكي لها، وإنما أيضًا تجاه أداء الحكومات العربية، وفي مقدمتها مصر بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي ودورها المباشر في ملف غزة.

كانت الأطراف المختلفة، كل لأسبابه وحساباته، بحاجة إلى لحظة لالتقاط الأنفاس، احتاج ترامب إلى إنجاز يستطيع تقديمه باعتباره اختراقًا في واحدة من أكثر الأزمات حضورًا وتأثيرًا على الساحة الدولية، بما يعزز صورته باعتباره «صانع سلام»، واحتاجت مصر إلى وقف التصعيد المتاخم لحدودها، وتثبيت موقعها باعتبارها الوسيط الإقليمي الرئيسي والمضيف للمفاوضات، أما الفلسطينيون، فكانوا في أمسّ الحاجة إلى هدنة توقف، ولو مؤقتًا، آلة القتل والقصف المستمر، وتمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس بعد شهور طويلة من الحرب والحصار والاستنزاف.

غير أن المعضلة الأساسية تمثلت في أن الطريق إلى شرم الشيخ بدأ قبل أن تنضج جميع عناصر الاتفاق بصورة تكفل معالجة جذور الأزمة وضمان استدامة وقف الحرب، وهنا تحديدًا بدأ ما قُدّم باعتباره بوابة للحل يحمل في داخله بذور أزمة لاحقة، بل ويتحول، وفق القراءة الأكثر تشاؤمًا، من فرصة لإنهاء الحرب إلى فخ سياسي مؤجل الانفجار.

فالأطراف لم تتوجه إلى شرم الشيخ وهي تحمل الهدف نفسه، وإنما التقت عند نقطة مؤقتة فرضتها مصالح متباينة، إسرائيل دخلت المسار وفي مقدمة أولوياتها استعادة ما تبقى من رهائنها وإنهاء هذا الملف بأقل قدر ممكن من التنازلات الاستراتيجية،  وذهب ترامب باحثًا عن إنجاز سياسي ودبلوماسي كبير يستطيع تقديمه للعالم بوصفه نجاحًا شخصيًا في القضية الأكثر حضورًا على الأجندة الدولية آنذاك، أما القاهرة، فكانت تسعى إلى إطفاء بؤرة الاشتعال على حدودها الشرقية، ومنع المزيد من الانزلاق نحو مواجهة تمس أمنها القومي بصورة مباشرة، بالتوازي مع منح الفلسطينيين مساحة لإعادة ترتيب أوراقهم والاستعداد للنقاش الأكثر تعقيدًا حول «اليوم التالي» للحرب.

وبذلك لم تكن شرم الشيخ، في جوهرها، تعبيرًا عن تطابق في الرؤى بقدر ما كانت نقطة التقاء مؤقتة لمصالح متعارضة،  نجح كل طرف من خلالها في انتزاع جزء مما يريده، بينما جرى ترحيل القضايا الأكثر حساسية إلى مراحل لاحقة، وهنا كانت المعضلة حيث تحولت الهدنة من مدخل إلى السلام إلى مجرد استراحة بين جولتين؛ وهو الاختبار الحقيقي الذي كان ينتظر الاتفاق منذ لحظة ولادته والذي يبدو أن الجميع سقط فيه ما عدا الكيان المحتل.

هل نجحت مصر في القيام بدور الضامن؟

قبل اتفاق شرم الشيخ، كان الدور المصري يتحرك في الأساس تحت مظلة «الوسيط»؛ طرف يسعى إلى تقريب وجهات النظر، ونقل الرسائل، وطرح المبادرات واستضافة جولات التفاوض دون أن يتحمل، بالضرورة، مسؤولية مباشرة عن التزام الأطراف بما يتم التوصل إليه،  لكن انخراط القاهرة المباشر في الاتفاق نقلها، نظريًا على الأقل، إلى موقع مختلف؛ فلم تعد مجرد وسيط بين طرفين متحاربين، وإنما أصبحت أحد الضامنين الرئيسيين للاتفاق وشريكًا أساسيًا في مسار تثبيته وضمان تنفيذ مراحله واستحقاقاته.

غير أن حصيلة العام الأول من الاتفاق تطرح تساؤلات جدية بشأن الفجوة بين هذا الدور المفترض وما جرى فعليًا على الأرض، فعلى مدار عام كامل، استمرت الانتهاكات الإسرائيلية بصورة شبه يومية، وسقط أكثر من 1400 فلسطيني منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في الوقت الذي ظل فيه أكثر من 1.2 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من الجوع، بالتوازي مع استمرار التمدد العسكري الإسرائيلي داخل القطاع وفرض السيطرة الفعلية على مساحات واسعة منه تجاوزت ثلثي أراضي غزة.

والمفارقة هنا أن هذه التطورات لم تقع في غياب اتفاق سياسي أو من دون وجود أطراف ضامنة له، وإنما جرت بينما كان الاتفاق قائمًا، وضامنوه حاضرون، والتزامات أطرافه معلنة، وهو ما ينقل السؤال من مجرد رصد الانتهاكات الإسرائيلية إلى مساءلة قدرة الضامنين أنفسهم على فرض احترام ما ضمنوه، وفي مقدمتهم مصر بحكم موقعها الجغرافي ودورها المركزي في المفاوضات.

ورغم استمرار هذه الخروقات، بقي التحرك المصري محصورًا، إلى حد بعيد، داخل الأدوات الدبلوماسية التقليدية، بيانات إدانة وتحذير، واتصالات سياسية، وتحركات في المحافل الأممية والإقليمية، فضلًا عن لقاءات مكثفة مع قيادات الفصائل الفلسطينية وحركة حماس على وجه الخصوص، والتي أبدت خلال مراحل التفاوض قدرًا كبيرًا من المرونة، وصل في بعض الملفات إلى تقديم تنازلات مؤلمة أملاً في تثبيت وقف الحرب ووضع حد لمعاناة سكان القطاع.

لكن هذه المرونة لم تقابل، وفق هذه القراءة، باستجابة إسرائيلية مماثلة، كما لم تنتقل القاهرة في المقابل إلى مستوى آخر من الضغط يوظف ما لديها من أوراق سياسية واقتصادية وعلاقات مباشرة مع إسرائيل من أجل رفع كلفة استمرار الخروقات أو الدفع نحو تنفيذ بقية استحقاقات الاتفاق، وهنا تعود المعضلة نفسها التي رافقت الدور المصري منذ بداية الحرب، ولكن بصورة أكثر حدة:  إذا كان من الممكن تفهم محدودية أدوات الوسيط، فإلى أي مدى يمكن تفهم محدودية أدوات الضامن؟

فالضمان، في النهاية، لا يكتسب قيمته السياسية بمجرد التوقيع على الاتفاق أو استضافة المفاوضات، وإنما بامتلاك القدرة والإرادة للدفاع عنه عندما يتعرض للانتهاك، وإذا ظل الرد على الخروقات محصورًا في البيانات والاجتماعات والاتصالات، من دون الانتقال إلى أدوات ضغط أكثر تأثيرًا، يصبح الفارق بين «الوسيط» و«الضامن» فارقًا في التوصيف أكثر منه في الممارسة.

ومن ثم، وبعد عام من الاتفاق، وقبلها عامين من حرب الإبادة،  ظلت الصورة على الأرض بعيدة عن الأهداف التي قُدّم شرم الشيخ باعتباره مدخلًا لتحقيقها، انتهاكات مستمرة، أزمة إنسانية خانقة، تمدد إسرائيلي داخل القطاع وخارجه أقرب للابتلاع، وتعثر في تنفيذ الاستحقاقات السياسية، وابتزاز ليل نهار من الإسرائيلي،  من دون اختراق حقيقي يعيد الاتفاق إلى مساره أو يحول الضمانات المقدمة له إلى قوة قادرة على فرض التنفيذ.

تجربة وثلاثة مراحل واختبار

في الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، يمكن اختزال مسار التجربة المصرية في التعامل مع حرب غزة في ثلاث مراحل رئيسية، لكل منها حساباتها وأدواتها واختباراتها المختلفة، الأولى هي مرحلة الاحتواء خلال العام الأول من الحرب، حين انصبّ الجهد المصري بصورة أساسية على منع تمدد المواجهة إلى الداخل المصري، والتصدي لمخططات تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بالتوازي مع محاولة خفض التصعيد والتوصل إلى هدن مؤقتة وصفقات لتبادل الأسرى والمحتجزين بين الطرفين، وفي تلك المرحلة، تحركت القاهرة باعتبارها وسيطًا يسعى إلى تطويق تداعيات الحرب ومنع تحولها إلى أزمة إقليمية أوسع تمس أمنها القومي بصورة مباشرة.

أما المرحلة الثانية، فيمكن توصيفها بأنها مرحلة صناعة التسوية، حين انتقلت القاهرة خلال العام الثاني إلى انخراط أكثر عمقًا في صياغة ترتيبات وقف الحرب، والمشاركة في مفاوضات التهدئة، ومناقشة تصورات «اليوم التالي»، وإعادة إعمار قطاع غزة، وصولًا إلى اتفاق شرم الشيخ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، الذي مثّل ذروة الدور الدبلوماسي المصري ومحاولة الانتقال من إدارة الأزمة إلى المشاركة في صياغة مخرج سياسي لها.

ثم جاءت المرحلة الثالثة، وربما الأصعب، وهي مرحلة اختبار الضمان خلال العام الثالث، والأول بعد اتفاق وقف إطلاق النار، وهنا لم يعد الاختبار متعلقًا بقدرة القاهرة على جمع الأطراف حول طاولة المفاوضات أو الوصول إلى اتفاق، وإنما بقدرتها على حماية هذا الاتفاق وضمان تنفيذ استحقاقاته عندما يبدأ أحد أطرافه في تجاوزه.

وفي هذا الاختبار تحديدًا، تعثرت القاهرة بصورة واضحة. فبرغم النجاحات الدبلوماسية التي حققتها، واستمرار قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، فإن انعكاس هذا الدور على الأرض ظل محدودًا أمام استمرار الانتهاكات الإسرائيلية وتعثر تنفيذ عدد من بنود الاتفاق، لتثبت مصر بعد ثلاث سنوات من الحرب أنها وسيط يصعب تجاوزه في أي تسوية تخص غزة، لكنها لم تثبت حتى الآن أنها ضامن يمتلك الأدوات الكافية لفرض الاتفاق عندما يتعرض للانتهاك.

وفي المحصلة، يُحسب للقاهرة نجاحها في إفشال سيناريو تصفية القضية الفلسطينية عبر بوابة سيناء، وتمسكها برفض تهجير سكان غزة رغم الضغوط السياسية التي تعرضت لها، كما نجحت في المساهمة في خفض مستوى الحرب مقارنة بما كانت عليه قبل أكتوبر/تشرين الأول 2025، حتى وإن لم تنجح في إنهائها فعليًا أو وقف الانتهاكات بصورة كاملة.

لكن في المقابل، وانطلاقا من سياسة مسك العصا من المنتصف وتجنب خسارة أي من الأطراف،  لم تتمكن حتى الآن من تحويل ثقلها السياسي ودورها كضامن إلى قدرة فعلية على فرض رؤيتها أو إلزام إسرائيل باستحقاقات الاتفاق، وهو ما يترك فجوة واضحة بين حجم الدور الدبلوماسي المصري وبين نتائجه الميدانية، خاصة في ظل ما تمتلكه من أوراق تتجنب استخدامها حتى اليوم وهو ما يفتح الباب أمام الكثير من التساؤلات.

ومع ذلك، لم يُغلق هذا الاختبار بعد، فاستمرار التحركات المصرية لإعادة إسرائيل إلى الالتزام الكامل بالاتفاق يمنح القاهرة فرصة جديدة لإعادة تعريف دورها، والانتقال من وسيط لا يمكن تجاوزه إلى لاعب قادر على التأثير في الوقائع وفرض كلفة على تعطيل التسوية، وسيظل الحكم النهائي على نجاح هذا التحول مرهونًا بعدد من المؤشرات الميدانية الواضحة والتي ستحدد طبيعة الدور المصري في المرحلة المقبلة: هل تستطيع القاهرة الدفع نحو وقف الانتهاكات الإسرائيلية اليومية؟ وهل تنجح في فرض الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي سيطر عليها داخل القطاع؟ وهل تستطيع نقل ملف إعادة الإعمار من الوعود والخطط إلى التنفيذ الفعلي، مع ضمان بقاء الفلسطينيين على أرضهم ومنع التهجير؟

مواضيعالتطبيع ، الحرب على غزة ، السياسة المصرية ، طوفان الأقصى

قد يعجبك ايضا

سياسة

كيف تضيّق “إسرائيل” مساحة العمل السياسي أمام فلسطينيي الداخل؟

سندس بعيرات٨ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

السعودية بعد حرب غزة: من اندفاعة التطبيع إلى التحوط الإستراتيجي

محمد مصطفى جامع٨ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

من غزة إلى سوريا.. كيف اتسعت الخصومة التركية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر؟

فيصل الحجي٨ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑