200 مليون دولار أمريكي، هي القيمة الإجمالية لاتفاقية إعادة تأهيل وتشغيل معمل إسمنت المسلمية في حلب، والتي وقّعت مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026، بين المؤسسة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت ومواد البناء “عمران” ومجموعة “سانكو” العالمية عبر شركتها “تشيمكو” (CEMCO) التركية، وفق صيغة “BOT”.
وجاء العقد عقب مذكرة تفاهم أُبرمت في أغسطس/آب 2026، وعقب منافسة شملت أكثر من 10 شركات من تركيا، العراق، الأردن، والسعودية، إلى جانب شركات محلية بشراكات دولية.
يحتل قطاع صناعة الإسمنت في سوريا موقعًا استراتيجيًا متقدمًا على خريطة الاقتصاد الوطني، باعتباره العصب الأساسي لمشاريع إعادة الإعمار والبناء. وفي ظل التحولات الهيكلية التي شهدتها السياسات الاقتصادية والتوجهات الحكومية، تبرز تساؤلات حول قدرة هذا الاستثمار على تلبية الطلب المتزايد وسدّ فجوة مواد الإعمار، ومدى تفرده مقارنة بالعقود الأخرى في قطاع الإسمنت، إضافة إلى آليات وضمانات تحصينه ضد التحديات الاقتصادية والتشغيلية القائمة.
تفاصيل مشروع المسلمية
تبلغ مساحة الأرض المخصصة للمعمل 1,589,781 مترًا مربعًا، بينما تصل المساحة الإجمالية للموقع إلى 2,229,469 مترًا مربعًا، ودمر بشكل كامل خلال سنوات الحرب السورية، ويعتمد هذا العقد على نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) لمدة 30 عامًا، بقيمة إجمالية تبلغ 200 مليون دولار.
يركز المشروع على معالجة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمعمل وأخرجته من الخدمة طوال السنوات الـ 15 الماضية عبر إنشاء خط إنتاج جديد بطاقة تصميمية تبلغ 5 آلاف طن كلنكر يوميًا، نحو 1.5 مليون طن سنويًا من الكلنكر، وما يعادل مليوني طن إسمنت سنويًا، وذلك خلال مدة تنفيذ أقصاها 36 شهرًا من تاريخ العقد.
وينص الاتفاق على تولي مؤسسة “عمران” مهام الإشراف مع الحصول على حصة ثابتة من الإنتاج، وتخصيص 20% من إجمالي العمالة للمؤسسة، إلى جانب توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لدعم الاقتصاد وسلاسل التوريد المحلية.
ويرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة، في حديثه لـ”نون بوست” أن هذه المدة الطويلة ليست شاذة في الصناعات الثقيلة، فمعمل الإسمنت يتطلب استثمارات ضخمة ودورة استرداد تتراوح بين 15 و20 عامًا، ما يجعل 30 عامًا كافية لتوزيع التكاليف وتحقيق عائد معقول، لكن المشكلة ليست في المدة بحد ذاتها، بل في قابلية العقد للتعديل.
كيف سينعكس على السوق السورية؟
ويرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية باسم كويفي، في حديثه لـ”نون بوست”، أن مشروع “المسلمية” يحمل إمكانات حقيقية لخفض فاتورة الاستيراد، وتقليص تكاليف النقل، وتأمين مادة حيوية لإعادة الإعمار، لكن نجاحه يتوقف على تأمين الطاقة ومراعاة الآثار البيئية، فإذا تحققت هذه الشروط، ستشكل عودة المعمل علامة فارقة في التعافي الصناعي لحلب وسوريا.
واستند في رأيه إلى عدة عوامل أهمها:
- خفض تكاليف إعادة الإعمار: إذ يعاني الشمال من اعتماد مكلف على النقل البري من المعامل الوسطى والجنوبية أو الاستيراد، ويلغي إنتاج “المسلمية” محليًا تكاليف النقل الطويلة، ويقلص الفجوة بين سعر المصنع والسعر النهائي للمستهلك، لكن الإنتاج وحده لا يغلق الفجوة (الطلب نحو 9 ملايين طن سنويًا مقابل إنتاج محلي 4 ملايين طن، ما يعني أن المشروع يقلص الاستيراد (أكثر من 4.1 مليون طن في 2025) دون إلغائه).
- ضبط الأسعار وحماية المستهلك: مع منح المستثمر مرونة تسويقية، تبقى الحماية الأفضل في زيادة العرض. ويحظر قانون حماية المستهلك رفض البيع أو حجب المواد أو الامتناع عن النشاط المعتاد، كما أن تخفيض رسم الكلنكر من 13 إلى 7 دولارات يمنح المصانع المحلية هامش مناورة، بينما يبقي الضغط الإستيرادي رادعًا لأي ممارسات احتكارية إقليمية.
- المعايير البيئية: صناعة الكلنكر كثيفة الانبعاثات، وتؤكد “عمران” التزام المعامل الجديدة بالمعايير الحديثة، مع استخدام بدائل للوقود التقليدي، ومشاركة وزارة الطاقة والمؤسسة العامة للجيولوجيا كشريكين في العملية الإنتاجية توفر إطارًا رقابيًا، لكن فعالية الرقابة تعتمد على الموارد المخصصة.
- استدامة المواد الخام: يشير مدير “عمران” في تصريحاته إلى أن موقع المسلمية “يمتلك عوامل نجاح الصناعة”، مع مشاركة المؤسسة العامة للجيولوجيا لضمان استدامة التوريد، لكن ضمان 30 عامًا يتطلب تحديد الاحتياطي المؤكد وخطة إدارة موارد واضحة.
تحديات تعيق التنفيذ
تمرّ سوريا بمرحلة تحوّل اقتصادي، ويشير الدكتور عبد الرحمن محمد في حديثه لـ”نون بوست” إلى أنه إذا لم يتضمن العقد آليات لربط الأسعار بتكاليف الطاقة، وحدودًا دنيا للإنتاج، وبنودًا للخروج المبكر، فإن مدة 30 عامًا ستتحول إلى قيد يفقد الدولة مرونتها؛ فالعدالة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في توزيع المخاطر.
كما أن بقاء الأصول ملكًا للدولة يشكّل طبقة حماية أولى، لكن الضمانة الفعلية تحتاج إلى منظومة متكاملة:
- على المستوى الفني، تحديد معايير صيانة إلزامية وتدقيق سنوي مستقل
- على المستوى المالي، تكوين احتياطي صيانة أو تقديم ضمانات مصرفية تغطي كامل دورة العقد
- على مستوى الأداء، ربط مؤشرات الإنتاج والكفاءة بحق التجديد أو بمعدلات العائد
إلا أن ما أُعلن حتى الآن من متابعة فنية وضبط جودة وحفظ أصول يبقى عامًا، وفي غياب بنود جزائية وآليات تنفيذ واضحة، يظل التصميم المؤسسي ناقصًا.
في المقابل، يحدد كويفي ثلاثة تحديات رئيسية أمام المشروع: تحدي الطاقة، إذ إن ارتفاع تكلفة الفيول دفع “عمران” سابقًا لاعتبار استيراد الكلنكر أوفر من تصنيعه، ما يعني أن إعادة التشغيل لا تضمن تلقائيًا قدرة تنافسية.
كما أن هناك التحدي اللوجستي، فالجدول الطموح عرضة للتأخير في بيئة ما بعد الصراع، وأيضًا تحدي التنافسية مع الإسمنت المستورد إذا حافظت دول الجوار على تكاليف طاقة منخفضة.
التحول نحو عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)
انتقلت سياسة إدارة معامل الإسمنت الحكومية من الاحتكار الإداري البيروقراطي إلى عقود الشراكة الحديثة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، التي تبرمها وزارة الاقتصاد والصناعة بالتنسيق مع المؤسسة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت ومواد البناء “عمران”.
ويقارن محمد، استثمار “المسلمية” مع معمل إسمنت طرطوس، معتبرًا أن المشروعين يخدمان منطقين مختلفين، ففي الوقت الذي يقوم فيه استثمار معمل طرطوس مع “QZ” الإماراتية على استبدال الاستيراد بالطحن المحلي، مما يعني رأس مال أقل وسرعة في التنفيذ، إلا أنه يبقى مرتبطًا بسلسلة توريد خارجية وبإنفاق العملة الصعبة على الكلنكر المستورد، مع قيمة مضافة محدودة.
أما “المسلمية” مع “تشيمكو”، فهو إعادة بناء للقدرة الإنتاجية؛ أي استثمار أكبر، لكنه ينتج الكلنكر محليًا، ويخلق قيمة مضافة حقيقية، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويبني قدرة تقنية وطنية في ظل احتياجات إعادة الإعمار الهائلة وندرة العملة الصعبة، وهو ما يجعل استثمار “المسلمية” أكثر جدوى للاقتصاد الكلي، مع الإقرار بأن استثمار “طرطوس” ربما يُمثّل حلًا انتقاليًا سريعًا.
جدول مقارنة عقود استثمار وتأهيل معامل الإسمنت في سوريا
| اسم المعمل / المنشأة | شكل العقد والشريك | طبيعة العمل وآلية التشغيل | الموقف الميداني والبيانات الرقمية |
|---|---|---|---|
| 1. معمل إسمنت طرطوس |
|
|
|
| 2. معمل إسمنت عدرا (ريف دمشق) |
|
|
|
| 3. معمل إسمنت حماة |
|
|
|
| 4. شركة إسمنت البادية (خاصة/ مساهمة مغفلة) |
|
|
|
| 5. المعامل الأخرى (الرستن، المعمل العربي، ودير الزور) |
|
|
|
هل تتحول سوريا إلى مصدر للإسمنت؟
يمكن أن تسهم هذه العقود في الانتقال إلى التصدير الإقليمي، وفقًا لأستاذ التمويل في جامعة حماة، لاسيما إذا نفذت المشاريع الأخرى (مثل مشروع الرقة مع الجانب الصيني)، فقد تتحول سوريا من مستورد صافٍ إلى مكتفٍ ذاتيًا مع فائض قابل للتصدير.
لكن الطاقة الإنتاجية لا تعني القدرة التنافسية، فتكاليف الوقود المرتفعة، وعدم استقرار الكهرباء، وتردي البنية اللوجستية، قد ترفع كلفة الإنتاج السوري فوق كلفة المنافسين الأتراك والمصريين، والتصدير مرهون بسياسات دعم الطاقة، واستقرار سعر الصرف، واستعادة الممرات التجارية الإقليمية، لا طاقة الإنتاج وحدها.
وتنسجم اتفاقية معمل “المسلمية”، في اتجاهها العام، مع التحول الضروري من إطفاء الحرائق بالاستيراد إلى إعادة بناء القدرة الإنتاجية، ونموذجها المتكامل يتفوق اقتصاديًا على نموذج الطحن البحت.