لم يكن البحر يومًا سوى أفق مفتوح للصيادين ومصدر رزق لسكان الساحل الغربي، الذين اعتادوا النزوح برًا نحو لحج وعدن وأبين وتعز ومناطق أخرى داخل اليمن. لكنه تحول، مع تقدم جماعة الحوثي وسيطرتها على مناطق واسعة من الساحل الغربي خلال سبتمبر/أيلول الماضي، إلى ممر إجباري للنجاة، بعدما ضاقت السبل واتسعت رقعة المواجهات.
لم تكن الرحلة عبر البحر بحثًا عن مغامرة أو هجرة تقليدية، بل هروبًا من جحيم قصف لم يستثنِ شيئًا، بعدما أصبحت الطرق البرية نفسها جزءًا من المخاطر التي يواجهها السكان أثناء محاولتهم مغادرة مناطق القتال.
وأمام خيارين أحلاهما علقم، إما البقاء تحت وطأة المواجهات أو ركوب أمواج البحر المجهولة نحو الضفة الأخرى، اختار الآلاف أن يلقوا بأنفسهم في قوارب الموت، ليكتشفوا أن البحر قد يحمل لهم مصيرًا أشد قسوة من البر الذي فروا منه.
سبع ساعات في عرض البحر
مع تصاعد المواجهات على الساحل الغربي لليمن خلال الأشهر الأخيرة، اضطرت آلاف الأسر إلى مغادرة مناطقها، وبينما اتجه نازحون إلى محافظات يمنية أخرى، اختار آخرون عبور البحر نحو جيبوتي، رغم المخاطر التي تحيط بالرحلة.
وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد النازحين داخل اليمن، منذ مطلع سبتمبر/أيلول وحتى 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نحو 217,303 أشخاص، يمثلون 36,216 أسرة.
من بين هؤلاء علي محمد، الذي غادر مع أسرته منطقة يختل بساحل واحجة، جنوب المخا، بعدما تصاعدت المواجهات والضربات الجوية في المنطقة.
يقول علي في حديثه لـ”نون بوست” إنه تردد في مغادرة المنطقة عبر الطريق البري، خشية تعرضه للقطع أو القصف، لكنه قرر الرحيل قبل أن تصبح حركة الخروج أكثر صعوبة.
هذه المرة، لم يتجه علي إلى منطقة أخرى داخل اليمن، بل اختار جيبوتي، التي سبق أن نزح إليها، وساعدته معرفته بالبلد على اتخاذ قرار العودة إليها مع أسرته.
بدأت الرحلة من ساحل واحجة، واستغرقت نحو سبع ساعات، إذ غادروا صباحًا ووصلوا إلى جيبوتي مساءً، بتكلفة بلغت، بحسب علي، نحو ثلاثة آلاف ريال سعودي له ولأسرته.
لم تخلُ الرحلة من المخاطر، فقد اشتدت الرياح والعواصف أثناء العبور، فيما كان على متن القارب نساء وأطفال، بينهم رضيع لم يتجاوز عمره شهرًا. ويصف علي المفاضلة بين الطريقين قائلًا: “البر كان خوفًا وهلعًا علينا جميعًا، لكن البحر واجهنا بأشد المخاطر”.
ورغم قسوة الرحلة، كان البحر بالنسبة إليه السبيل المتاح للنجاة. ويقول إنه كان يتمنى لو وجد طريقًا بريًا إلى جيبوتي، إذ كان سيشعر بقدر أكبر من الأمان.
طرق النزوح تحت وطأة المعارك
يقول مدير مديرية المخا، سلطان عبد الله محمود، إن التصعيد والاشتباكات أثّرا في عدد من الطرق البرية التي تربط المخا بالمناطق والمحافظات الأخرى، أبرزها طريق المخا–الكدحة–تعز شرقًا، والطرق المؤدية إلى طور الباحة بمحافظة لحج جنوبًا.
ويضيف في حديثه لـ”نون بوست” أن لحج وعدن كانتا الوجهتين الرئيسيتين للنازحين مع بداية التصعيد، إذ اتجهت الغالبية نحو لحج، قبل أن تعرقل الاشتباكات على المحاور المؤدية إلى ذباب وطور الباحة والطرق المتصلة بها حركة النزوح.
وبحسب عبد الله، سلك بعض النازحين طريق المخا–مفرق البرح وصولًا إلى الحوبان، ومنها توزعت وجهاتهم بين مأرب وصنعاء ومدينة تعز، فيما اضطر آخرون إلى البقاء في الحوبان لصعوبة مواصلة الطريق إلى تعز في ظل الاشتباكات.
البحر طريق اضطراري
يقول مدير إعلام السلطة المحلية في المخا، سلطان أبو زايد، لـ”نون بوست”، إن الأسر بدأت مع تصاعد المواجهات بالنزوح إلى محافظات ومناطق مجاورة، بينها عدن ولحج وأبين وتعز والتربة.
ويشير إلى أن يومي 9 و10 سبتمبر/أيلول 2026 شهدا أكبر موجة نزوح، إذ اكتظ الطريق الرابط بين المخا وعدن بالمركبات، التي اصطفّت في مسارين باتجاه واحد منذ عصر الأربعاء وحتى مغرب الخميس، ما أدى إلى توقف حركة المرور في منطقة رأس العارة بمحافظة لحج.
ويوضح أن الازدحام عند نقاط التفتيش في رأس العارة، إلى جانب القصف المتواصل الذي طال المنطقة، حال دون تمكن الأسر التي تأخرت في مغادرة مناطقها من مواصلة الطريق نحو عدن، ما دفع بعضها إلى البحث عن مسارات بديلة، بينها العبور بحرًا إلى جيبوتي.
ويقول مدير مديرية المخا، سلطان عبد الله، إن السلطة المحلية لا تملك بيانات دقيقة عن أعداد المغادرين بحرًا، إذ جرت عمليات العبور عبر مبادرات فردية وعلى متن قوارب، وكان معظم من سلكوا هذا المسار من منطقة يختل.
وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى تزايد حركة النزوح البحري نحو جيبوتي بالتزامن مع التصعيد العسكري على الساحل الغربي.
ففي 6 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت المنظمة وصول أكثر من 3700 لاجئ من اليمن إلى جيبوتي خلال ثلاثة أسابيع، بعد رحلة وصفتها بالخطيرة عبر البحر الأحمر، وأشارت إلى أن جيبوتي تواجه ضغوطًا إنسانية أخرى مرتبطة بحركة الهجرة على المسار الشرقي.
معاناة بعد النجاة
في مدينة أوبخ الساحلية شمال جيبوتي، يقيم أحمد (اسم مستعار)، وهو نازح يمني يقول إنه التقى خلال الفترة الأخيرة أسرًا قدمت من مناطق عدة في الساحل الغربي، بينها ذوباب وباب المندب والمخا ويختل.
ويوضح في حديثه لـ”نون بوست” أن القصف الجوي وصعوبة النزوح إلى مناطق أخرى داخل اليمن، بسبب انقطاع الطرق وعدم القدرة على تحمل تكاليف الانتقال، دفعا بعض الأسر إلى اللجوء إلى جيبوتي، بمساعدة محسنين تكفلوا بنفقات نقلها.
ويصف أحمد أوضاع النازحين بأنها صعبة، في ظل نقص الغذاء ومياه الشرب والأدوية ومواد الإيواء، وتدهور الخدمات الصحية وانتشار حالات الإسهال والقيء. ويقول إن تسعة نازحين توفوا خلال نحو شهر لأسباب لم تُعرف بعد، مشيرًا إلى اكتظاظ الخيام وعدم حصول جميع الأسر على المساعدات، التي يُوزع بعضها خلال ساعات الظهيرة.
ويتهم أحمد السلطات الجيبوتية بمنع بعض النازحين من مغادرة المخيم والتوجه إلى عدن، مضيفًا أن محاولات المغادرة قوبلت بالضرب والاحتجاز، وأن قوات الأمن فرّقت تجمعًا احتجاجيًا للنازحين.
ولم يتمكن “نون بوست” من التحقق بصورة مستقلة من هذه الادعاءات، وحاولت المنصة التواصل مع السفير اليمني لدى جيبوتي وعدد من المعنيين للحصول على تعليق، لكنها لم تتلقَّ ردًا حتى وقت إعداد التقرير.
تكشف حركة النزوح من الساحل الغربي إلى جيبوتي عن تقلص خيارات النجاة أمام المدنيين، فالوجهة التي تبدو متاحة مع بداية القتال قد تصبح مستحيلة بعد ساعات، والطريق الذي اعتادت الأسر سلوكه قد يتحول إلى مصدر خطر، ما يجعل قرار المغادرة مرهونًا بتطورات الوضع الميداني.
ويفسر ذلك تعدد مسارات النزوح وتفاوت أعداد النازحين بين التقديرات المحلية والبيانات الأممية، إذ تتغير حركة النزوح تبعًا لمسار المواجهات والطرق المتاحة وقدرة الأسر على تحمل تكاليف المغادرة.
ولا يعني الوصول إلى جيبوتي نهاية المعاناة، فقد نجت أسر من القصف ومخاطر الطريق، لتجد نفسها أمام ظروف إنسانية قاسية ومستقبل مجهول، من دون أن تعرف متى ستتمكن من العودة إلى ديارها.