تسعى سوريا إلى استعادة موقعها في الاقتصاد الرقمي العالمي بعد سنوات من العقوبات والعزلة التقنية، مستفيدة من موقعها الجغرافي بين أوروبا والخليج وآسيا، ومن الانفتاح المتزايد لشركات الاتصالات والتكنولوجيا على سوقها.
وتراهن دمشق على تحويل أراضيها إلى ممر دولي لنقل البيانات، في وقت تتنافس فيه دول المنطقة على استقطاب استثمارات الكابلات البحرية والشبكات البرية، وتأمين طرق بديلة لحركة الاتصالات العالمية.
تبرز في هذا المسار استثمارات سعودية واسعة في مشروع “سيلك لينك”، الذي يستهدف إنشاء شبكة ألياف ضوئية تربط سوريا بمحيطها الإقليمي، بالتوازي مع اتفاقيات لتطوير كابلات بحرية تصل الساحل السوري بقبرص والشبكات الأوروبية، بمشاركة شركات أمريكية وأوروبية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2026، اتسعت التحركات لتشمل مباحثات رسمية مع شركة “ميتا” الأمريكية، المالكة لمنصات فيسبوك وإنستغرام وواتساب، بشأن استعادة خدمات الإعلانات والأعمال، وإمكانية الاستفادة من الممر السوري في نقل البيانات.
وتفتح هذه المشروعات أسئلة بشأن المصالح الاقتصادية للشركات الدولية في السوق السورية، والعائدات التي يمكن أن تجنيها دمشق من حركة البيانات العابرة للحدود، فضلًا عن ملكية الشبكات الجديدة وحقوق تشغيلها، خصوصًا مع وجود ممرات منافسة عبر العراق وتركيا، وتفاوت مراحل المشروعات السورية بين اتفاقيات موقعة وخطط تنتظر التنفيذ.
من يملك الممر السوري الجديد للبيانات؟
بدأت ملامح المشروع تتشكل في 13 مايو/أيار 2025، عندما أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية طرح طلب معلومات للشركات الإقليمية والعالمية بشأن إنشاء شبكة وطنية من الألياف الضوئية، ضمن خطة لتحويل سوريا إلى مركز إقليمي للاتصالات ونقل البيانات الدولية.
شملت التصورات الأولية ربط دمشق وحلب بمراكز تحويل في تدمر والمنطقتين الشرقية والجنوبية، إلى جانب محطة إنزال الكابلات البحرية في طرطوس، وإنشاء نقاط اتصال مع دول الجوار، على أن يُنفذ المشروع بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يتيح للشركات الدولية المشاركة في التمويل والتطوير والتشغيل.
وفي 7 فبراير/شباط 2026، أعلنت مجموعة الاتصالات السعودية “إس تي سي”، إحدى أكبر شركات الاتصالات في المنطقة، فوزها بالمنافسة الخاصة بتنفيذ مشروع “سيلك لينك”، بالشراكة مع الصندوق السيادي السوري، ضمن استراتيجية المجموعة لتوسيع استثماراتها في البنية التحتية العابرة للحدود وربط الأسواق العربية والآسيوية والأوروبية.

ويطرح دخول الصندوق السيادي السوري شريكًا في المشروع تساؤلات بشأن طبيعة مساهمته وحقوقه التشغيلية. وكان الصندوق قد أُنشئ بموجب مرسوم رئاسي عام 2025، بوصفه مؤسسة اقتصادية ذات استقلال مالي وإداري ترتبط برئاسة الجمهورية، وتتولى استثمار الموارد والأصول وإقامة المشروعات التنموية.
يقوم اتفاق “سيلك لينك” على انتقال ملكية البنية التحتية إلى الدولة السورية فور إنشائها، مع احتفاظ الشركة المشتركة بحق تشغيلها والانتفاع الاقتصادي منها لمدة 15 عامًا، قابلة للتمديد خمس سنوات. وتتمتع الشركة بحق حصري لتوريد السعات إلى مشغلي الاتصالات ومزودي الخدمات لمدة سبع سنوات ونصف، وفق ضوابط للتسعير، دون البيع المباشر للمستخدمين.
وتتضمن الشروط المعلنة تقاسم صافي إيرادات العبور الدولي بنسب تصاعدية تبدأ من 7.5% خلال السنوات الثلاث الأولى، وترتفع إلى 20% بعد السنة الخامسة، إضافة إلى رسوم تنظيمية ومساهمة في صندوق الخدمة الشاملة بنسبة 1.5%.
وفي تحليل نشره يوم 16 يونيو/حزيران 2026، أوضح المحامي السوري علي الخيّر، المدير السابق للشؤون القانونية والحكومية في شركة “سيريتل” للاتصالات، أن حقوق المستثمر الاقتصادية تعتمد على اتفاق التشغيل والضمانات القانونية والتنظيمية التي تحكم علاقته بالدولة السورية.
وبالتوازي مع الشبكة البرية، اتجهت دمشق إلى تطوير منافذ بحرية جديدة، ففي 11 أغسطس/آب 2026، أعلنت شركة “يونيفاي كوميونيكيشنز” الأمريكية، المتخصصة في الاتصالات الدولية والبنية التحتية الرقمية، توقيع اتفاق مع المؤسسة السورية للاتصالات وهيئة الاتصالات القبرصية “سايتا”، لإنشاء وصيانة كابل “أوغاريت 2“، بعدما وُقع الاتفاق في دمشق يوم 28 يوليو/تموز.
يستهدف المشروع إنشاء كابل بحري بطول 240 كيلومترًا بين طرطوس ومحطة بنتاسكيناوس في قبرص، يضم 24 زوجًا من الألياف الضوئية، بسعة أولية تبلغ 31 تيرابت في الثانية، قابلة للتوسع إلى 370 تيرابت، على أن يدخل الخدمة مطلع عام 2028.
وكشفت الشركة أنها تتولى دور المقاول الرئيسي وتمتلك حصة تبلغ 5% من المشروع، وحصلت على ترخيص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، وتصريح تصدير من مكتب الصناعة والأمن الأمريكي. وأُسند توريد الكابل إلى شركة “إن إس دبليو” التابعة لمجموعة “بريسميان” الإيطالية، وأعمال التركيب البحري إلى شركة “إليترا”، ومعدات النقل الضوئي إلى شركة “نوكيا” الفنلندية.
وفي 13 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت وزارة الاتصالات السورية توقيع اتفاقية مشروع “إيبلا” بالمواصفات الفنية والشركاء والمسار وموعد التشغيل ذاتها، ما يرجح ارتباط التسميتين بالمنظومة البحرية نفسها، موضحة أن الكابل سيوفر اتصالًا مباشرًا بالشبكات الأوروبية عبر قبرص، فيما ستتولى شبكة “سيلك لينك” توزيع السعات داخل سوريا وربطها بمراكز البيانات والمشغلين والمعابر الحدودية.
ويمتد التوجه السوري إلى مشروع بحري آخر يحمل اسم “ميدوسا“، تطوره “إيه إف آر-آي إكس تيليكوم”، وهي شركة اتصالات وبنية تحتية مقرها برشلونة، أعلنت نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2025، إبرام اتفاق مع المؤسسة السورية للاتصالات لإنشاء نقطة إنزال للكابل في طرطوس.
يستهدف “ميدوسا” إنشاء شبكة اتصالات بحرية عالية السعة تربط دول البحر المتوسط، وتوفر مسارات إضافية بين أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. كما أعلنت الشركة شراكة مع شركة “اتحاد سلام” السعودية لتوسيع الربط نحو المملكة عبر العقبة الأردنية، في إطار مشروعات تستهدف وصل البحر المتوسط بشبه الجزيرة العربية.
وفي مطلع سبتمبر/أيلول 2026، تحدث وزير الاتصالات عبد السلام هيكل عن توجه سوري أردني سعودي لإنشاء بوابة جديدة لنقل البيانات بين البحر المتوسط وآسيا، مرورًا بالأراضي السورية والأردنية والسعودية. ويرتبط تحقيق هذا التصور بتكامل الشبكات البرية والبحرية، وإتمام اتفاقيات العبور والربط مع الدول المجاورة، واستقطاب شركات الاتصالات والحوسبة السحابية لشراء السعات واستخدام المسارات الجديدة.
وكان هيكل قد أوضح في أغسطس/آب 2025، أن خطة الوزارة تتضمن مشروعين متكاملين، هما “سيلك لينك” لإنشاء الشبكة الرئيسية ونقل البيانات بين أوروبا وآسيا، و“برق نت” لمد الألياف الضوئية إلى المنازل والمؤسسات. وأشار إلى أن تحسين خدمات الإنترنت للمستخدمين يرتبط أيضًا بتحديث شبكات الاتصال المحلية ومعالجة مشكلات الكهرباء والبنية التحتية، التي تؤثر في جودة الخدمة واستقرارها.
وتكتسب مسألة تنويع المسارات أهمية عملية في ضوء ما شهدته الشبكة السورية في 15 يونيو/حزيران 2026، عندما تعرض الكابل البحري بين طرطوس والإسكندرية لعمل تخريبي قرب الساحل السوري، أدى إلى خروج جزء كبير من السعات الدولية من الخدمة وتراجع جودة الإنترنت في محافظات عدة. واضطرت المؤسسة السورية للاتصالات إلى الاستعانة بمسارات بديلة عبر قبرص وتركيا، قبل إصلاح الكابل وإعادة تشغيله.
وتواجه المشروعات السورية منافسة إقليمية متزايدة، خصوصًا من العراق الذي يستقطب استثمارات في شبكات الألياف الضوئية العابرة لأراضيه، مستفيدًا من موقعه بين الخليج وتركيا. وتتباين مراحل هذه المشروعات بين شبكات دخلت التشغيل التجاري وأخرى أعلنت خططًا استثمارية تمتد لسنوات، فيما تحمل سوريا تجربة سابقة في هذا القطاع تعثرت بعد اندلاع الثورة.

وفي تقييم لفرص نجاح المشروع السوري، حذر الباحث في الشؤون الاقتصادية باسل كويفي، من أن مهلة تنفيذ “سيلك لينك” المقدرة بين 18 و24 شهرًا تبدو متفائلة في ظل تحديات الكهرباء والأمن والتنسيق الحدودي.
وشدد على ضرورة ضمان عدالة تسعير السعات وإتاحتها للمشغلين، وحماية الأمن السيبراني، معتبرًا أن استقطاب حركة بيانات دولية منتظمة يتطلب بيئة تشغيلية مستقرة تمنح شركات الاتصالات العالمية الثقة باستخدام المسار السوري.
ومن جانبه، رأى الخبير الاقتصادي حسن غرة، أن مشروع “سيلك لينك” يمنح سوريا فرصة للاستفادة من موقعها بين آسيا وأوروبا، لكنه ربط نجاحه بتطوير شبكات الاتصالات المحلية وقدرتها على استيعاب حركة البيانات وتوزيعها.
وأشار إلى تقدم السعودية والإمارات والأردن وتركيا في البنية التحتية الرقمية، مؤكدًا أهمية تحديث شبكات الهاتف المحمول والإنترنت بالتوازي مع الممر الدولي لتعزيز استفادة الاقتصاد السوري من المشروع.
وتبرز في هذا السياق علاقة تجارية قائمة بين “ميتا” والمستثمر السعودي في “سيلك لينك”، إذ تشارك الشركة الأمريكية مع “سنتر 3″، ذراع البنية التحتية الرقمية التابعة لمجموعة “إس تي سي”، في مشروع الكابل البحري العملاق “تو أفريكا”.
وفي 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت “ميتا” اكتمال البنية الرئيسية للمشروع، الذي يربط 33 دولة في أفريقيا وأوروبا وآسيا، ويصل طوله الإجمالي مع امتداداته إلى نحو 45 ألف كيلومتر. وتضم الشراكة شركات اتصالات دولية، بينها “إم تي إن” الأفريقية عبر شركتها “بايوباب”، و”أورنج” الفرنسية، و”فودافون” البريطانية، و”المصرية للاتصالات”.
ويعكس المشروع توجه شركات التكنولوجيا الكبرى للاستثمار المباشر في الكابلات البحرية وتأمين السعات اللازمة لخدماتها، فيما يوفر التعاون السابق بين “ميتا” و”إس تي سي” أساسًا تجاريًا قائمًا بين الشركتين، مع بقاء استخدام الشبكة السورية مرهونًا باتفاقيات جديدة وملاءمة المسار لاحتياجات الشركة الأمريكية.
ما الذي يجذب شركات التكنولوجيا إلى سوريا؟
بدأ التحول في البيئة القانونية المحيطة بقطاع التكنولوجيا السوري خلال عام 2025، مع سلسلة قرارات أوروبية وأمريكية رفعت جانبًا كبيرًا من القيود الاقتصادية والتجارية التي عطلت الاستثمارات والتعاملات مع الشركات العالمية.
شملت التغييرات المؤسسات المالية وقطاعات البنية التحتية والاتصالات، مع استمرار العقوبات على أشخاص وكيانات محددة، والضوابط المتعلقة بتصدير بعض التقنيات الحساسة.

وساهم تخفيف القيود في فتح المجال أمام عودة الخدمات الرقمية والاستثمارات الأجنبية، لكن شركات التكنولوجيا ما زالت تواجه إجراءات مرتبطة بالامتثال القانوني ووسائل الدفع وتفعيل المنتجات التجارية داخل السوق السورية.
في قطاع الإعلانات الرقمية، أعلن فارس عقاد، المدير الإقليمي لـ”ميتا” بالشرق الأوسط وأفريقيا في أكتوبر/تشرين الأول 2025 إتاحة استهداف الجمهور السوري عبر مدير إعلانات الشركة، معتبرًا الخطوة فرصة لرواد الأعمال والمبدعين والمشروعات الصغيرة للوصول إلى أسواق أوسع.
وأثار الإعلان تساؤلات بشأن إمكانية إنشاء الحسابات الإعلانية وإدارة الحملات والدفع من داخل البلاد، فيما أظهرت اختبارات نشرتها منصة “سوريا بدون قيود”، وهي مبادرة مجتمعية ترصد إتاحة الخدمات الرقمية العالمية، استمرار القيود على عدد من أدوات “ميتا”، إلى جانب صعوبات في استخدام الخدمات الإعلانية وخيارات الدفع التابعة لشركات أخرى، بينها “غوغل” الأمريكية.
وفي 11 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بحث وزير الاتصالات عبد السلام هيكل مع فارس عقاد، استعادة الخدمات التجارية على فيسبوك وإنستغرام وواتساب، بما يشمل أدوات الإعلان وحلول الأعمال، إلى جانب فرص استفادة الشركة من مشروع “سيلك لينك” في تنويع مسارات نقل البيانات عبر سوريا، وتحسين موثوقية الاتصال وتقليل زمن الاستجابة للمستخدمين في المنطقة.
وأبدى عقاد اهتمامًا بالفرص التي يمكن أن توفرها منصات الشركة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، خصوصًا في الوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية والجاليات السورية بالخارج، فيما اتفق الطرفان على متابعة الملفات المطروحة ومعالجة العقبات أمام استعادة الخدمات التجارية، دون إعلان موعد محدد لتفعيلها.

وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول، اجتمع عقاد مع وزير الإعلام السوري خالد زعرور، حيث تناول اللقاء تطوير التواصل الرقمي بين المؤسسات الحكومية والمواطنين، واستخدام منصات “ميتا” في إيصال المعلومات والخدمات، وتعزيز سلامة المستخدمين والحد من انتشار المعلومات المضللة، بمشاركة معاون وزير الإعلام لشؤون الإعلام الرقمي والتطوير محمد طفران.
وامتدت الاتصالات إلى شركات تكنولوجية أخرى، ففي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بحث هيكل مع سامر الجيوسي، مدير قطاع الذكاء الاصطناعي في شركة “ديل تكنولوجيز” الأمريكية المتخصصة في الحواسيب والخوادم ومراكز البيانات، تذليل العقبات القانونية والإجرائية أمام عودة منتجات الشركة وخدماتها.
كما بحث الطرفان التعاون في تطوير مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الاستفادة من شبكات “سيلك لينك” لتوفير الاتصال المطلوب.
وتشمل المصالح التجارية المحتملة لهذه الشركات سوق الإعلانات والخدمات الرقمية للمستهلكين وتطوير شبكات الاتصالات المحلية واستضافة البيانات ومعالجتها ونقلها دوليًا. ويرتبط توسع الأنشطة الإعلانية والتجارية بوسائل الدفع والتحقق من الحسابات والقوة الشرائية، فيما تتطلب مراكز البيانات استثمارات في الكهرباء والتبريد والأمن والحوسبة والاتصال الدولي.
وتظهر أهمية السوق السورية في الأرقام التي نشرتها منصة “داتا ريبورتال”، المتخصصة في تحليل الاستخدام الرقمي عالميًا، ضمن تقريرها لعام 2026. فقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في سوريا نحو 9.25 ملايين شخص، بنسبة انتشار 35.8% من السكان، مقابل نحو 16.6 مليون شخص خارج الإنترنت، فيما بلغ عدد اتصالات الهاتف المحمول النشطة 20.1 مليون اتصال.
وبحسب التقرير، بلغت السرعة الوسيطة لتنزيل البيانات عبر الإنترنت الثابت نحو 3.35 ميغابت في الثانية، مقابل 24.69 ميغابت عبر الإنترنت المحمول، ما يعكس حاجة السوق إلى تحديث الشبكات وتحسين الخدمات، ويكشف حجم الفجوة مقارنة بأسواق إقليمية أكثر تقدمًا في البنية التحتية الرقمية.
وبدأت شركات الاتصالات الإقليمية التحرك للاستفادة من هذه السوق، ففي 30 يونيو/حزيران 2026، أعلنت مجموعة “زين” الكويتية فوزها برخصة لتشغيل خدمات الاتصالات الخلوية في سوريا مقابل 747 مليون دولار، ضمن امتياز مدته 20 عامًا قابل للتمديد خمس سنوات.
وستمتلك المجموعة 75% من شركة التشغيل الجديدة، مقابل 25% لجهة حكومية سورية، مع خطة لاستثمار أكثر من 800 مليون دولار في تطوير الشبكة وإدخال تقنيات الجيل الخامس خلال العقد المقبل، واستهداف إطلاق خدمات “زين سوريا” في الربع الأول من عام 2027.
ويتضمن المشروع تولي الشركة الجديدة تشغيل الشبكة القائمة التي كانت تديرها “إم تي إن”، مجموعة الاتصالات الأفريقية، خلال فترة انتقالية تمتد ستة أشهر، بما يضمن استمرارية الخدمات لنحو 6.3 ملايين مشترك.
وقال بدر الخرافي، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة “زين”، إن الشركة تعتزم توظيف خبراتها في تشغيل الشبكات وتقديم الخدمات الرقمية العابرة للحدود، وتطوير قطاع الأعمال والشركات الناشئة في سوريا.
وتتصل فرص عودة الشركات العالمية أيضًا بإصلاح القطاع المالي، ففي 6 أغسطس/آب 2026، وافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي، المؤسسة المالية الدولية المعنية بتمويل التنمية، على منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي السوري.
وأوضح البنك أن الاعتماد الواسع على النقد وضعف البنية الرقمية للمدفوعات يرفعان تكلفة المعاملات ويحدان من قدرة الأفراد والشركات على الوصول إلى الخدمات المالية والأسواق الدولية.
ويستهدف المشروع تطوير أنظمة الدفع والبنية التقنية للمصرف المركزي والمؤسسات المالية، بما يساعد على توسيع المدفوعات الإلكترونية وتحسين الرقابة والاستقرار المالي، وهي متطلبات أساسية للشركات السورية الراغبة في استخدام الإعلانات المدفوعة والتجارة الإلكترونية ودفع قيمة الخدمات وتحصيل الإيرادات.
وتطرح الاستثمارات الجديدة مسألة السيادة الرقمية، خصوصًا مع دخول شركات أجنبية في ملكية شبكات الاتصالات ومراكز البيانات، واتساع تعامل المؤسسات الحكومية مع المنصات العالمية. وتتعلق هذه المسألة بحقوق إدارة البنية التحتية، وحماية بيانات المستخدمين، وتحديد مواقع تخزين المعلومات ومعالجتها، والضمانات القانونية المنظمة للوصول إلى البيانات.
وفي 24 يوليو/تموز 2026، دعت منظمة العفو الدولية إلى تعليق العمل بقانون الجرائم الإلكترونية السوري رقم 20 لعام 2022 إلى حين إصلاحه، بعدما وثقت حالات احتجاز لصحفيين وناشطين بسبب تعبيرهم عن آرائهم عبر الإنترنت.
وقالت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، إن استمرار تطبيق أحكام القانون يعرض منتقدي السلطات لخطر الملاحقة بسبب التعبير السلمي، رغم الضمانات الواردة في الإعلان الدستوري.
وكانت وزارة العدل السورية قد أعلنت خلال يونيو/حزيران 2026 مراجعة القانون، وأصدرت لاحقًا تعليمات لضبط إجراءات التحقيق والتوقيف في قضايا الجرائم المعلوماتية. وتبقى البيئة التشريعية عاملًا مؤثرًا في مستقبل الاستثمار الرقمي، إلى جانب تنظيم المنافسة وحماية البيانات وحقوق المشغلين والمستخدمين.
فارس عقاد.. قائد عودة “ميتا” إلى سوريا
برز فارس عقاد في واجهة الانفتاح التقني السوري خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعدما مثّل شركة “ميتا” في مباحثات رسمية مع وزارتي الاتصالات والإعلام بدمشق، مستفيدًا من مسيرة مهنية امتدت نحو عقدين في الاستشارات والإعلام الرقمي والتكنولوجيا، وصولًا إلى إدارة أعمال الشركة الأمريكية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وُلد عقاد في سوريا وتلقى تعليمه العالي في الولايات المتحدة، حيث درس إدارة الأعمال في كلية مارشال التابعة لجامعة جنوب كاليفورنيا، وتشير سيرته المهنية إلى امتلاكه مؤهلات في إدارة الأعمال ونظم المعلومات والتكنولوجيا الحيوية، فيما يقيم ويعمل في دبي.
بدأ مسيرته في الاستشارات الإدارية بين عامي 2008 و2012، من خلال العمل لدى شركات دولية بينها “بوز آند كومباني”، و”بوسطن كونسلتينغ غروب”، و”كي بي إم جي”، قبل انتقاله إلى “إم بي سي” السعودية، حيث تولى مسؤوليات في تطوير التوزيع والأعمال الرقمية بين عامي 2012 و2017.
وخلال عمله في المجموعة، شارك عقاد في توسيع أعمال منصة “شاهد” للبث الرقمي، بالتزامن مع تحول المؤسسات الإعلامية العربية نحو خدمات المشاهدة عبر الإنترنت.
وتحدث في مقابلة مع شركة “ستراتيجي آند” للاستشارات الإدارية عن تجربته في الانتقال من الاستشارات إلى قطاع الإعلام والتكنولوجيا، ومشاركته مع زملاء سابقين في تأسيس شركة “غلام بوكس”، وهي مشروع للتجارة الإلكترونية يعتمد على الاشتراكات في منتجات التجميل.
انضم عام 2017 إلى “فيسبوك” قبل تغيير اسم الشركة الأم إلى “ميتا” في 2021، ليتولى إدارة الشراكات الإعلامية في الشرق الأوسط وأفريقيا وتركيا.
ثم انتقل بين عامي 2020 و2022 إلى إدارة الشراكات الإعلامية في الأسواق الناشئة، بما فيها آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا، وهي مسؤوليات شملت التعامل مع المؤسسات الإعلامية والناشرين والشركاء التجاريين في أسواق متعددة.
في فبراير/شباط 2022، أعلنت الشركة ترقيته إلى منصب المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، اعتبارًا من مارس/آذار من العام نفسه، قبل اتساع نطاق مسؤولياته ليشمل الشرق الأوسط وأفريقيا، إضافة إلى الإشراف على أنشطة المراسلة والخدمات المؤسسية في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.

وبحسب قائمة القيادات التكنولوجية التي نشرتها مجلة “فوربس الشرق الأوسط” في 9 فبراير/شباط 2026، يشغل عقاد كذلك عضوية مجلس إدارة شركة “بن غاطي” الإماراتية للتطوير العقاري، ومنصة “كافو” لخدمات المركبات والطاقة، إضافة إلى عضوية المجلس الاستشاري لشركة “أليف كابيتال”، المتخصصة في الاستثمار بالشركات.
وتشمل مسؤولياته الحالية داخل “ميتا” إدارة الأعمال والشراكات التجارية والتواصل مع الحكومات والجهات التنظيمية، فضلًا عن تطوير الخدمات المؤسسية المرتبطة بمنصات الشركة، ومنها حلول واتساب للأعمال.
وقال عقاد في 25 يونيو/حزيران 2026، إن أكثر من مليار محادثة نشطة تجري يوميًا بين الشركات والعملاء عبر واتساب وماسنجر وإنستغرام، مشيرًا إلى اتساع اعتماد المؤسسات على تطبيقات المراسلة لتقديم الخدمات.
وتفسر طبيعة منصبه مشاركته في مباحثات إعادة الخدمات التجارية إلى سوريا، فيما تخضع القرارات المتعلقة بإتاحتها وشروط الامتثال والتوسع في البنية التحتية للإجراءات القانونية والتجارية والفنية داخل الشركة.
وسبق اجتماعات عقاد مع المسؤولين السوريين حضوره فعاليات تكنولوجية جمعت خبراء وشركات وكفاءات سورية من داخل البلاد وخارجها، إذ شارك في 11 أبريل/نيسان 2026 بمؤتمر “سينك سبرينغ” الافتراضي، الذي تنظمه منظمة “سينك” الهادفة إلى ربط العاملين السوريين في قطاع التكنولوجيا بالشركات والخبرات العالمية.
خلال المؤتمر الذي شارك فيه أيضًا وزير الاتصالات عبد السلام هيكل، قدّم عقاد جلسة تناولت مستقبل الذكاء الاصطناعي والمحتوى الرقمي والفرص الاقتصادية على المنصات العالمية.
وبعد ستة أشهر، ظهر عقاد ضمن المتحدثين في مؤتمر “سينك 2026″، الذي استضافته دار الأوبرا بدمشق يومي 9 و10 أكتوبر/تشرين الأول، بمشاركة شركات وخبراء من داخل سوريا وخارجها. وأعقبت المؤتمر مباحثاته الرسمية مع وزيري الاتصالات والإعلام، بعد عام من الإعلان عن إعادة إتاحة استهداف الجمهور السوري عبر منظومة إعلانات “ميتا”.
ويمنح ارتباط عقاد بسوريا هذه الاجتماعات أهمية خاصة، بعدما أمضى معظم مسيرته المهنية في مؤسسات إعلامية وتكنولوجية دولية، قبل أن يعود ممثلًا لإحدى أكبر شركات المنصات الرقمية العالمية في محادثات تستهدف استعادة خدماتها إلى بلده الأصلي.
ومع تقدم الاتفاقيات الخاصة بشبكات الألياف الضوئية والكابلات البحرية، واستمرار مباحثات دمشق مع شركات التكنولوجيا الدولية، سيعتمد نجاح الممر السوري على استكمال البنية التحتية واتفاقيات الربط مع دول الجوار، وقدرته على استقطاب شركات تشتري السعات وتستخدم الشبكة في نقل البيانات بين أوروبا والخليج وآسيا.
ورغم احتفاظ الدولة بملكية البنية التحتية وفق شروط “سيلك لينك”، فإن حجم العائدات الاقتصادية سيتحدد بإيرادات العبور الفعلية وكفاءة التشغيل، وقدرة المسار السوري على المنافسة مع الشبكات الإقليمية الأخرى.