ترجمة وتحرير: نون بوست
في يونيو/حزيران، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقترحًا استثنائيًا للتعامل مع حزب الله: أن تدخل سوريا إلى لبنان وتقضي على الجماعة. ولم يكن هناك قادة كثيرون لديهم أسباب تدفعهم إلى تلبية هذا الطلب أكثر من الرئيس السوري أحمد الشرع.
فقد قاتل حزب الله سنوات إلى جانب قوات بشار الأسد. وحتى بعد سقوط الأسد، واصلت الجماعة بثّ الاضطراب عبر الحدود الغربية لسوريا. كانت لدى دمشق أسباب كثيرة لتصفية الحساب، لكن الشرع رفض ذلك رغمًا عنها. وأكد أن حكومته تسعى إلى التعاون مع جارتها، لا إلى خوض حرب جديدة.
بعد أربعة أشهر، يبدو أن الشرع يدرس التدخل في نزاع خارجي، هذه المرة على مسافة تزيد على ألف ميل من بلاده. فبعد اجتماع الشرع في 6 أكتوبر/تشرين الأول مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الرياض، أفادت “أكسيوس” و”رويترز” بأن السعودية تسعى للحصول على مساعدة عسكرية سورية ضد الحوثيين في اليمن، حيث تخوض قوات مدعومة من السعودية معارك مع الجماعة منذ مطلع سبتمبر/أيلول.
وأشارت هذه التقارير إلى أن الشرع قد يكون مستعدًا، بموافقة أمريكية، لقبول الطلب السعودي وإرسال ما يصل إلى 20 ألف جندي، بينهم قوات للمشاركة في عمليات هجومية. ويُقال إن واشنطن وافقت على الخطة. وادعت مصادر أخرى أن نحو 1,500 مقاتل سوري وصلوا بالفعل إلى السعودية، وأن مشغّلين سوريين للطائرات المسيّرة موجودون في مدينة عدن الساحلية جنوب اليمن.
من غير المرجح أن يغيّر الجيش السوري المنقسم والمحدود التجهيزات مسار الحرب في اليمن. لكن مشاركته قد تخلّف عواقب عميقة في الداخل: إذ قد تعرّض دمشق لردّ إيراني ومن حلفاء طهران الإقليميين، وتقوّض تعهّد الحكومة بإبقاء سوريا خارج الصراعات الخارجية، وتهدد التعافي الاقتصادي للبلاد. فارتفاع أسعار الطاقة يؤجج بالفعل احتجاجات داخلية، فيما لا تزال سوريا في أمسّ الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية. والمفارقة أن الدول التي تستثمر في سوريا قد تدفعها الآن إلى حرب يمكن أن تهدد استقرارها.
تكون دمشق عرضة لهذا النوع من الضغوط لأن تعافيها من حرب أهلية استمرت أكثر من عقد يعتمد على حسن نية شركائها. وقد برزت السعودية بوصفها أحد أهم داعمي سوريا السياسيين والماليين، وتعهدت باستثمارات بمليارات الدولارات. كما يقدّم شركاء الرياض في “اتفاق مكة” الدعم الذي تحتاج إليه دمشق بشدة. وتساعد تركيا في إعادة بناء الجيش السوري، فيما أصبحت باكستان، وفق تقارير، مورّدًا للأسلحة لتعويض ترسانة دمّرتها الضربات الإسرائيلية بعد سقوط الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وقد ساعدت هذه الشراكات الشرع على استعادة مكانة سوريا الإقليمية، لكنها جعلت دمشق تعتمد على هذه الدول أكثر فأكثر.
منذ وصوله إلى السلطة، ركزت سياسة الشرع الخارجية على موازنة القوى الإقليمية. فتتقارب سوريا مع السعودية، لكنها تحافظ في الوقت نفسه على علاقة قوية مع الإمارات العربية المتحدة. وتعزز سوريا تعاونها العسكري مع تركيا، فيما توجّه إلى إسرائيل إشارات بأنها تريد اتفاق سلام شاملًا. ومنطق دمشق هو استمالة القوى المتنافسة من دون الانضمام إلى معسكر واحد. وهي تسعى في الوقت نفسه إلى الاستفادة من هذه العلاقات من دون التورط في خصومات تلك القوى.
لكن الحفاظ على هذه المرونة يزداد صعوبة، مع بدء الدول التي تموّل تعافي سوريا وإعادة بناء جيشها توقّع مقابل لذلك. وبالنسبة إلى الرياض، يمكن أن يكون إرسال قوات سورية إلى اليمن اختبارًا لمدى استعداد الشرع لدعم المصالح الأمنية السعودية. فبعدما استثمرت الرياض قدرًا كبيرًا من رأسمالها السياسي والاقتصادي في سوريا، تتوقع الآن من دمشق أن تُظهر اصطفافها إلى جانب المصالح الأمنية الإقليمية السعودية، واستعدادها لردّ ما تلقته من دعم.
ولدى السعودية أيضًا حسابات عسكرية وراء إشراك سوريا في القتال باليمن. فعلى الرغم من تفوق القوات المدعومة من السعودية في الأسلحة والموارد، وامتلاكها نحو 300 ألف مقاتل، فإنها عجزت عن إبعاد الحوثيين عن معاقلهم أو تحقيق مكاسب إقليمية حاسمة. وقد يقدّم المقاتلون السوريون، ولا سيما التشكيلات المتمرّسة في القتال التي قادت الهجوم على الأسد، ما افتقرت إليه القوات المدعومة من السعودية.
لكن الانتصار في حرب داخل سوريا لا يعني معرفة كيفية خوض حرب في اليمن. فالمقاتلون الذين أسقطوا الأسد كانوا يقاتلون على أرض يعرفونها، في مواجهة جيش محبط المعنويات. أما في اليمن، فسيواجهون حركة حوثية تقاتل منذ سنوات على أرضها، وقد تحصّنت في معاقل جبلية. ولا تملك القوات السورية خبرة مماثلة في اليمن، كما تفتقر إلى قدر كبير من المعدات الثقيلة اللازمة لحملة عسكرية طويلة، وستواجه خصمًا يتمتع بتفوق حاسم تتيحه له طبيعة الأرض.
قد يكون أول ضحايا التدخل السوري ضبط النفس في السياسة الخارجية، وهو النهج الذي تبناه الشرع منذ سقوط الأسد. فبعد سنوات من الحرب الأهلية، وعدت القيادة شعبها بأنها ستبقى “خارج أي صراع”.
وجّهت هزيمة الأسد إلى إيران واحدة من أكبر نكساتها الاستراتيجية. فبعد إنفاق 50 مليار دولار لدعم النظام، خسرت طهران موطئ قدمها الاستراتيجي في سوريا، وتعرّض ممرّها الحيوي لنقل الأسلحة إلى حزب الله للخطر. ومنذ ذلك الحين، سعى الشرع إلى إبقاء سوريا خارج مواجهة مباشرة مع إيران ووكلائها، تفاديًا لصدام قد يمنحهم ذريعة لزعزعة استقرار بلاده. ومن المرجح أن تؤدي مشاركة سوريا في الحملة التي تقودها السعودية ضد الحوثيين إلى إعادتها إلى مرمى إيران.
في مارس/آذار، حذّرت “لجنة تنسيق المقاومة العراقية”، وهي مظلة تضمّ ميليشيات مدعومة من إيران، الشرع من أن مشاركة سوريا في مواجهة حلفاء إيران ستعادل “إعلان حرب على محور المقاومة بأكمله”. وهددت الجماعة بتحويل سوريا إلى “ساحة معركة مفتوحة”. وفي يوليو/تموز، ذهب مسؤول إيراني سابق إلى أبعد من ذلك، محذرًا من أن التدخل ضد حزب الله في لبنان سيستجلب هجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على سوريا.
المصدر: فورين بوليسي