أعاد قرار السلطات الأذربيجانية المتعلق بزيّ الطالبات في المدارس، وما رافقه من منع محجبات من دخولها، إلى الواجهة إحدى أكثر الصفحات حساسية في الذاكرة السياسية التركية، مرحلة 28 شباط/فبراير 1997، حين فُرضت قيود واسعة على ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية والوظائف العامة.
استحضرت المشاهد القادمة من أذربيجان تجربة عاشها الأتراك قبل نحو ثلاثة عقود، واكتسبت وقعًا خاصًا بفعل العلاقة بين البلدين، التي طالما لخّصها الشعار الشهير: “شعب واحد في دولتين”، فكيف يمكن لأنقرة أن تتعامل مع سياسات تذكّر جزءًا من مجتمعها بإحدى أبرز معارك الحريات الدينية في تاريخها الحديث، حين تصدر عن دولة تعدّها حليفة وشقيقة؟
حسابات التحالف
تأتي الأزمة في وقت تسعى فيه تركيا إلى الحفاظ على تحالفاتها الإقليمية وتجنّب جبهات توتر جديدة، حيث تحتل أذربيجان موقعًا مهمًا في هذه الحسابات، بما يربط البلدين من مصالح سياسية وأمنية واقتصادية، تشمل الطاقة ومشاريع البنية التحتية، وهنا يجد أردوغان نفسه أمام معضلة تتجاوز الموقف من الحجاب إلى كيفية حماية التحالف، وحدود الكلفة التي يمكنه تحمّلها داخل قاعدته المحافظة.
فقد شكّلت مواجهة القيود على المحجبات محورًا مهمًا في مسيرته السياسية، وتُوّجت سنوات الكفاح والتغييرات التدريجية برفع قيود الحجاب في المؤسسات العامة عام 2013، في خطوة أصبحت أحد أبرز رموز التحول الذي قاده حزب العدالة والتنمية في تركيا. لذلك، كان متوقعًا أن تطالبه أصوات من الحاضنة الشعبية المحافظة بموقف واضح من الإجراءات الأذربيجانية.
وكان أردوغان قد انتقد حظر الحجاب في المدارس خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول/سبتمبر 2026، قائلًا: “نرى أن حظر الحجاب الذي تطبّقه بعض الدول في المدارس اعتداء على أبسط حقوق النساء”، وجاء كلامه ضمن حديثه عن تصاعد العداء للإسلام والتمييز ضد المسلمات، من دون تسمية أذربيجان.
أما مستشاره أوكتاي سارال، فاختار مخاطبة باكو مباشرة، ففي منشور على منصة “إكس” يوم 12 تشرين الأول/أكتوبر، قال: “حرمان الطالبات المحجبات من حق التعليم في أذربيجان أمر غير مقبول”، وأضاف: “نتوقع أن تتراجع أذربيجان عن هذا الخطأ في أقرب وقت”.
واعتبر منع طالبة من دخول المدرسة بسبب التزامها الديني منافيًا للعدل والضمير، ورفض إخضاع حق التعليم للإملاءات الأيديولوجية، وردّ حزب أذربيجان الجديدة الحاكم باتهامه ونواب من العدالة والتنمية بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.
تداخل السجال بشأن الحجاب مع خلافات أخرى، في مقدمتها العلاقة بإسرائيل، فقد أشار صحفي مقرب من الحزب الحاكم في أذربيجان إلى أن التوتر يعود، من وجهة نظر باكو، إلى احتجاجات استهدفت مقر شركة النفط الأذربيجانية “سوكار” في إسطنبول عام 2024، رفضًا لتصدير النفط إلى إسرائيل، واعتبر أن عدم اتخاذ السلطات التركية إجراءات كافية ضد المحتجين أسهم في تعميق الخلاف.
وفي قراءة أعمق لجذور الخلاف، يرى الباحث سام هارشبارغر، في مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي”، أن أزمة الحجاب كشفت عن تباين جوهري في نظرة البلدين إلى طبيعة تحالفهما، إذ تتعامل النخبة الحاكمة في أنقرة مع أذربيجان باعتبارها جزءًا من مجال النفوذ التركي، فيما يسعى علييف إلى ترسيخ استقلالية بلاده ورفض أي علاقة تضعها في موقع الشريك الأصغر.
ويعيد الباحث جذور هذه الحساسية إلى محاولة الانقلاب على حيدر علييف عام 1995، التي شاركت فيها أطراف تركية، مشيرًا إلى أن مخاوف باكو من التدخل التركي استمرت رغم التقارب الذي بلغ ذروته بعد حرب قره باغ عام 2020. ومن هذا المنظور، يعكس التصعيد الأذربيجاني محاولة لرسم حدود النفوذ التركي داخل البلاد، خصوصًا مع قلق السلطة من تأثير التيارات الإسلامية والقومية التركية في الداخل الأذربيجاني.
وفي 14 أكتوبر، وصل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى باكو للمشاركة في قمة مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا “سيكا”، على متن رحلة تجارية تابعة للخطوط الجوية الأذربيجانية عبرت الأجواء التركية، في ظل قيود أنقرة على عبور الطائرات الحكومية الإسرائيلية، ما أضاف إلى الجدل بشأن تقارب باكو مع إسرائيل، واختلاف حساباتها عن حسابات حليفتها التركية.
في اليوم التالي، مثّل وزير الخارجية هاكان فيدان تركيا في القمة السابعة لـ”سيكا” في باكو، والتقى علييف، وخلال حديثه للصحفيين، عبّر بوضوح عن ترتيب أولويات أنقرة، قائلًا: “مهما كانت الظروف، فإن الطبيعة الاستراتيجية للعلاقة بين تركيا وأذربيجان تتقدم على سائر القضايا”.
وأوضح أنه تلقّى تعليمات أردوغان قبل الزيارة، وأنه ناقش مع علييف اختلاف وجهات النظر وسبل التعامل معه، وشدّد على معالجة الخلافات بالحوار، محذرًا من تحويلها إلى مادة للدعاية عبر وسائل التواصل والإضرار بالعلاقة الثنائية.
واستمر التصعيد الإعلامي بعد الزيارة، ففي 17 أكتوبر، نشر موقع “قفقاز إنفو”، المقرب من السلطة الأذربيجانية، اتهامات لفيدان بعقد لقاءات سرية والتدخل في الشؤون الداخلية، ضمن مزاعم عن أنشطة تستهدف استقرار البلاد، وحُذفت المادة لاحقًا، فيما ردّت السفارة التركية في باكو ببيان رفضت فيه هذه الاتهامات، وعدّتها محاولة للإضرار بالعلاقات بين البلدين.
الكلفة الداخلية
مع اتساع الوقفات والانتقادات التركية، اتخذت باكو خطوات زادت حساسية الأزمة، ففي 21 أكتوبر، أعلنت منع 31 شخصية تركية من دخول أراضيها، بينهم رئيس حزب الرفاه الجديد فاتح أربكان، والنائب عن حزب الديمقراطية والمساواة الشعبية عمر فاروق غرغرلي أوغلو، ورجل الدين محمد بوينوكالن.
كما نقلت تقارير صحفية مطالبتها بإقالة سارال واتخاذ إجراءات ضد أشخاص اتهمتهم بالإساءة إلى علييف.
وفي اليوم نفسه، اتصل أردوغان بعلييف وبحث معه العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية، ودعاه إلى قمة منظمة الدول التركية في أنقرة، وأكد حرصه على تطوير التعاون بين البلدين، فيما خلا البيان المنشور من الإشارة إلى مناقشة قيود الحجاب أو طلب التراجع عنها.
ثم اتخذت مساعي الاحتواء خطوة أكثر حساسية داخل أنقرة، ففي 25 أكتوبر، أكد سارال للصحفي طلعت أتيلا أنه غادر منصبه بتعليمات من أردوغان، وحين سأله أتيلا: “هل كان ذلك بسبب تصريحاتك المتعلقة بأذربيجان؟”، أجاب: “نعم، يبدو الأمر كذلك”.
في اليوم التالي، أعلن تقديم استقالته، مؤكدًا تمسّكه بالقيم التي يدافع عنها واستمراره إلى جانب أردوغان، كما نقلت عنه صحيفة “نفَس” اعتباره اتخاذ بعض القرارات أمرًا طبيعيًا في ضوء حساسية العلاقة مع أذربيجان، مع إقراره بأنه لم يكن مطّلعًا على جميع تفاصيل القرار.
وأثار إبعاده انتقادات من الأوساط المحافظة، كان من أبرزها موقف فاتح أربكان، الذي اتهم أردوغان بالتضحية بمستشاره استجابةً لرغبة علييف، وهكذا انتقل الجدل إلى الثمن الداخلي الذي تدفعه الحكومة لحماية العلاقة مع باكو، ومدى اتساقه مع المبادئ التي استند إليها خطابها لسنوات.
اتسعت التداعيات مع اتخاذ إجراءات في تركيا بحق بعض منتقدي الحكومة الأذربيجانية، فقد أُوقف محمد أمين يلدريم، ممثل مؤسسة “كوكلو ديغيشيم” الإعلامية في إسطنبول، يوم 26 أكتوبر، واستُدعي فاتح أرشاهين للتحقيق، ثم أُفرج عنهما.
وفي اليوم التالي أُوقف ممثل المؤسسة في هاتاي أحمد صابا، وربطت التغطية الصحفية التحقيقات بمنشورات تناولت علييف وسياساته.
وفي خضم الأزمة، رحّبت الخارجية الأذربيجانية، في 27 أكتوبر، بترشيح الإمارات لانا نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، في وقت كانت فيه أنقرة تدرس ترشيح وزير خارجيتها الأسبق فريدون سينيرلي أوغلو.
وبحلول قمة منظمة الدول التركية في أنقرة، يوم 30 أكتوبر، كان اختبار التهدئة قد وصل إلى مستوى الرئيسين، فقد غاب علييف رغم دعوة أردوغان، ومثّله وزير خارجيته جيحون بيراموف، وعزت وكالة “ريبورت” الأذربيجانية غيابه إلى ارتباطات مقررة سلفًا، بينها المشاركة في حفل ختام بطولة كأس العالم لكرة القدم تحت 15 عامًا وتوزيع الجوائز في باكو، بالتزامن مع القمة.
تقرأ الكاتبة التركية مروة شبنم أوروتش هذا الغياب في ضوء الخلاف بشأن إسرائيل، فهي تربطه باحتمال الرد على غياب أردوغان عن قمة باكو، وانسحاب الوفد التركي حين بدأ هرتسوغ كلمته فيها، وترى أن أنقرة اتخذت خطوات احتواء الخلاف بشأن الحجاب، وأن استمرار التوتر يشير إلى محاولة أذربيجانية للتأثير في موقفها من إسرائيل.
وتتيح الوقائع أيضًا قراءة إبعاد سارال باعتباره تنازلًا سياسيًا محدودًا لباكو، فقد لبّى مطلبًا نقلته تقارير صحفية عن الجانب الأذربيجاني، وتحمّل أردوغان انتقادات داخل معسكره بسببه، وتظل هذه القراءة ممكنة حتى مع الرواية التي تربط القرار بمخالفة المستشار تعليمات تنظّم التصريحات.
وتكتسب هذه الكلفة وزنًا في ظل وجود منافس محافظ استطاع استقطاب ناخبين من العدالة والتنمية، ففي الانتخابات البلدية عام 2024، حلّ حزب الرفاه الجديد ثالثًا على مستوى الأصوات، مستفيدًا من الاستياء من سياسات الحكومة، ومن انتقاده استمرار التجارة مع إسرائيل، وتمنحه أزمة أذربيجان قضية أخرى لمخاطبة الجمهور نفسه.
بهذا المعنى، تبدو السياسة التركية أقرب إلى احتواء نشط للخلاف، شمل التواصل الدبلوماسي وإبعاد مستشار رئاسي، مع الإبقاء على الموقف العام الرافض لقيود الحجاب، وتكمن معضلتها في أن الخطوة التركية الأوضح تحققت داخل أنقرة، فيما ظل التراجع الأذربيجاني المطلوب خارج النتائج المعلنة، وجاء غياب علييف عن القمة ليزيد صعوبة إظهار مكسب مباشر لهذا النهج.
وهكذا، يجد أردوغان نفسه أمام معادلة سياسية صعبة، فكلما طال أمد الخلاف من دون تنازلات أذربيجانية ملموسة، ازدادت كلفة التهدئة داخليًا، وتحولت مرونته من محاولة للحفاظ على تحالف استراتيجي إلى نقطة ضعف قد يستثمرها خصومه للتشكيك في قدرة أنقرة على التأثير في قرارات أقرب حلفائها.