تحت وطأة القنص والقذائف العشوائية التي تطال كل متحرك، وفي ظل حصار يقيّد حركة السكان ويعرقل وصول سيارات الإسعاف إلى بعض المناطق، يواجه أهالي القرى في صبر محافظة تعز مخاطر متزايدة عند محاولة إنقاذ المصابين وانتشال الضحايا، فقد تحولت الطرق المؤدية إلى مواقع الإصابات إلى مسارات محفوفة بالمخاطر، فيما يضطر السكان، رجالا ونساء، إلى نقل الجرحى والجثامين على الأكتاف، عبر طرق وعرة ولمسافات طويلة، في ظل تعذر وصول وسائل النقل المعتادة.
في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أفادت وكالة الأنباء اليمنية “سبأ“ باستهداف سيارة إسعاف في منطقة الشقب بمديرية صبر الموادم، أثناء نقلها الفتاة طيبة عبدالرقيب عبده عبدالله، البالغة من العمر 18 عامًا، والتي أُصيبت برصاص قناص. ووفقًا للمصدر المحلي الذي استندت إليه الوكالة، أسفر الحادث عن مقتل الفتاة وسائق الإسعاف، وإصابة الطبيب المرافق، وتدمير المركبة.
الإسعاف في مواجهة المخاطر
في منطقة العاوات غرب الشقب، التابعة لمديرية صبر الموادم، تعرضت سيارة إسعاف للاستهداف، الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول، أثناء توجهها لإسعاف مدني مصاب. وأسفر الحادث، بحسب شهاب الشقب، أحد سكان المنطقة، عن إصابة ثلاثة أشخاص، بينهم أحد أفراد طاقم الإسعاف، فضلًا عن تضرر السيارة بما أعاقها عن مواصلة العمل.
وأوضح الشقب في حديثه لـ”نون بوست” أن الحادثة هي الثانية من نوعها خلال أسبوع، مشيرًا إلى أن صعوبة الوصول إلى موقع السيارة حالت دون نقل المصابين فورًا، قبل أن يتمكن فريق من إجلائهم باستخدام حمّالات يدوية بعد حلول الظلام.
ولا تقتصر الصعوبات التي تواجه سيارات الإسعاف على حوادث الاستهداف، إذ تعترض تحركها مخاطر القنص والقصف في مناطق المواجهات، فضلًا عن صعوبة الطرق المؤدية إلى بعض القرى.
وقال صفوان محمد سعيد، رئيس قسم حركة الطوارئ والإسعافات في هيئة مستشفى الثورة بمحافظة تعز، لـ”نون بوست” إن المستشفى يمتلك سيارتي إسعاف عاملتين، تستجيبان لبلاغات طوارئ المستشفى أو عبر عمليات طوارئ مكتب الصحة.
وأوضح أن سيارات الإسعاف تعمل في الجبهات ومناطق الاشتباكات، وتواجه مخاطر القنص وقذائف الهاون والطائرات المسيّرة، مشيرًا إلى أن الحوادث التي تتعرض لها سيارات الإسعاف والطواقم الطبية تؤثر في سرعة الاستجابة ونقل المصابين. وأضاف أن الوصول إلى المناطق الصعبة يتطلب مراعاة سلامة الطواقم واختيار طرق أكثر أمانًا.
وتتمتع وسائل النقل الطبي، بما فيها سيارات الإسعاف، بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، إذ تنص المادة (11) من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف لعام 1977 على وجوب احترام الوحدات ووسائل النقل الطبي وحمايتها في جميع الأوقات، وعدم جعلها هدفًا للهجمات. ولا يجوز أن تفقد هذه الوسائل حمايتها إلا إذا استُخدمت، خارج وظيفتها الإنسانية، في ارتكاب أعمال عدائية، على أن يسبق ذلك توجيه إنذار، وتحديد مهلة معقولة عند الاقتضاء.
الأهالي يحملون المصابين
مع تعذّر وصول سيارات الإسعاف إلى بعض مواقع الإصابات، يجد السكان أنفسهم أمام مهمة نقل الجرحى بأنفسهم، في ظل استمرار القنص وسقوط القذائف وخطورة الطرق. ولم تقتصر هذه المهمة على الرجال، إذ شاركت نساء في حمل المصابين والجثامين على الأكتاف والسير بهم لمسافات طويلة.
ومن بين هذه الحالات قصة مشيرة النقيب ووالدها محمد، اللذين قُتلا في قصف استهدف قرية العدن بمنطقة النيداني، التابعة لمديرية صبر الموادم جنوب شرقي تعز.
وتروي افتكار قاسم النقيب، عمة مشيرة وشقيقة والدها محمد، أن المواجهات تجددت بعد ساعات من الهدوء، وسقطت سبع قذائف على القرية. وكان شقيقها قد انتقل إلى منزل ابنته برفقة أقارب آخرين، اعتقادًا بأنه أكثر أمانًا وأقل تعرضًا للنيران، لكونه محاطًا بمنازل أخرى.
ومع سقوط القذائف، لم يجرؤ أفراد الأسرة على الخروج خشية القصف والقنص، وخاطرت افتكار بالتنقل بين المنازل لتفقد أفراد العائلة، حتى وصلت إلى منزل مشيرة، حيث وجدت شقيقها وابنة أخيها قد فارقا الحياة.
وحاولت الاستعانة بالأقارب والأهالي لانتشال الجثمانين، لكن الخوف من إطلاق النار والقصف حال دون استجابة أحد. ومع حلول المساء غادرت المكان، ثم عادت قرابة التاسعة ليلًا برفقة زوجها، ووضعت أغطية على الجثمانين قبل أن تغادر مجددًا بسبب استمرار المخاطر.
في صباح اليوم التالي، مُنعت الأسرة، بحسب رواية افتكار، من دفن الجثمانين في مقبرة القرية من قبل جماعة الحوثيين. ومع تعذر الدفن، اضطرت الأسرة إلى حملهما باتجاه منطقة ذي رحبة، واستغرقت الرحلة نحو ثلاث ساعات سيرًا على الأقدام. حملت افتكار جثمان مشيرة، فيما حمل آخرون جثمان والدها.
تراجعت بعض النساء اللواتي شاركن في بداية الرحلة خوفًا من المخاطر، بينما واصلت نساء الأسرة حمل الجثمانين حتى الوصول إلى ذي رحبة. لكن الأسرة لم تتمكن من دفنهما هناك، ما اضطرها إلى نقلهما إلى مستشفى الثورة في مدينة تعز.
لا تقتصر معاناة الأهالي على الحالات التي تنتهي بالوفاة، إذ يواجه المصابون أحيانا انتظارا طويلًا قبل وصول المساعدة حيث قال عمر النقيب، أحد سكان قرى صبر، في حديثه لـ”نون بوست” إن مخاطر القنص وصعوبة الوصول إلى المصابين تسببت في بقائهم أحيانًا أيامًا دون إسعاف. وأشار إلى حالة المواطن جميل محمد عبدالغني الحميري، من قرية النيداني، الذي أُصيب بشظايا وظل يعاني إصابته نحو أربعة أيام قبل أن يتمكن من تلقي المساعدة.
وأضاف النقيب أن امرأة تُدعى حياة عبدالرقيب، في أواخر العقد الخامس من عمرها، بقيت هي الأخرى أربعة أيام مصابة بشظايا، دون أن تتمكن من الحصول على الإسعاف، بسبب عدم توفر سيارة إسعاف والخشية من تعرض من يحاول الوصول إليها للاستهداف.
وفي قرية العمد بعزلة الأقروض، التابعة لمديرية المسراخ جنوب تعز، أُصيبت فاكهة عبدالجليل سفيان برصاص قناص، مساء الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول. ونُقلت إلى المركز الطبي الميداني المتقدم في قرية دُبّة، حيث فارقت الحياة.
وأفاد فتحي القريضي، وهو أحد أبناء منطقة الأقروض، في حديثه لـ”نون بوست” أن استمرار القنص وكثافته حالا دون تمكّن الأهالي من إسعاف المصابين، في ظل الخطر الذي يهدد حياة المدنيين داخل قراهم ومنازلهم. وبسبب تعذّر الوصول إلى قرية العمد، أوضح القريضي أن أسرة فاكهة لم تتمكن من دفنها في قريتها، واضطرت إلى مواراتها الثرى في قرية دُبّة، خشية تعرض أفرادها للقنص أثناء نقلها.
ولا تقتصر الحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني على وسائل النقل الطبي والطواقم الطبية، بل تمتد إلى الجرحى والمرضى، بمن فيهم المدنيون، إذ تنص المادة (7) من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف لعام 1977 على وجوب احترامهم وحمايتهم ومعاملتهم معاملة إنسانية، وتقديم الرعاية الطبية التي تتطلبها حالتهم بأسرع ما تسمح به الظروف، دون تمييز إلا لأسباب طبية.
كما تلزم المادة (8) أطراف النزاع باتخاذ التدابير الممكنة، دون تأخير، للبحث عن الجرحى والمرضى وجمعهم وتقديم الرعاية اللازمة لهم.
المستشفى أمام تداعيات الحرب
لا تنتهي صعوبات إنقاذ المصابين عند نقلهم من مواقع الاشتباكات، إذ يواجه القطاع الصحي في تعز تحديات تتعلق بقدرة المرافق الطبية على استقبال الحالات والتعامل معها، في ظل تداعيات الحرب ومحدودية الإمكانات وتأخر وصول بعض المصابين.
مدير مكتب الصحة العامة والسكان في تعز، الدكتور فهد النظاري، قال في حديثه لـ”نون بوست ” إن المواجهات والقصف والقنص وإغلاق الطرق واستهداف سيارات الإسعاف والطواقم الطبية تعيق وصول الفرق الإسعافية وتؤخر استجابتها. وأوضح أن الفرق تضطر أحيانًا إلى تأخير التحرك أو تغيير مساراتها أو انتظار توافر ظروف أكثر أمانًا، الأمر الذي يؤخر تقديم الإسعافات الأولية ويزيد من احتمالات حدوث مضاعفات، خصوصًا لدى الحالات الحرجة.
وأشار النظاري إلى أن مكتب الصحة رصد أكثر من 15 حادثة استهداف مباشر لسيارات الإسعاف، قال إن بعضها أسفر عن إصابات ووفيات بين المسعفين.
وأضاف أن نقص سيارات الإسعاف واتساع النطاق الجغرافي ونقص الوقود والصيانة تحد من قدرة القطاع الصحي على تغطية الاحتياجات والاستجابة للبلاغات، ولفت إلى أن المكتب استحدث نقاطًا إسعافية متقدمة، ونظم إحالة المصابين منها إلى المراكز الاستقرارية ثم المستشفيات المرجعية، بحسب شدة الإصابة والإمكانات المتاحة.
كما أوضح أن المكتب درّب عاملين صحيين بالقرب من مناطق المواجهات وزود بعضهم بحقائب إسعافية، ويشغّل غرفة عمليات على مدار الساعة لتلقي البلاغات وتحديد المواقع ومتابعة تحركات سيارات الإسعاف، بالتنسيق مع الجهات المعنية والمجتمع المحلي لإيجاد مسارات بديلة وآمنة.
وطالب النظاري بتوفير ثلاث سيارات إسعاف مجهزة، وتأمين الوقود والصيانة، وضمان ممرات آمنة تتيح للطواقم الطبية الوصول إلى المصابين ونقلهم.