على عمق غير محسوم داخل جبال وسط إيران، تقبع منشأة تحت الأرض يُعتقد ارتباطها بالبرنامج النووي الإيراني، تحولت إلى واحدة من أكثر نقاط المواجهة حساسية بين واشنطن وطهران، بعدما بقيت خارج نطاق الضربات التي طالت منشآت التخصيب الإيرانية خلال عامي 2025 و2026.
بينما تتحدث تقديرات استخباراتية إسرائيلية عن نقل آلاف أجهزة الطرد المركزي إلى جبل بيكاكس، تكشف أحدث صور الأقمار الصناعية عن مداخل مغلقة ونشاط محدود، وسط غموض يحيط بما تخفيه الأنفاق، وبمدى قدرة أي هجوم أمريكي على تدميرها وإنهاء ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني.
تزداد خطورة المشهد مع حديث الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون عن ضغوط يمارسها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استخدام سلاح نووي ضد الجبل بحلول 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، بالتزامن مع تحركات إسرائيلية لاستئناف الهجمات ومفاوضات تقودها قطر لتجنب مواجهة جديدة.
تطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن الأهمية الفعلية للمنشأة، وجدوى تدميرها في ظل استمرار الغموض حول مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم الإيراني المخصب، والتداعيات العسكرية والاقتصادية والبيئية لهجوم قد تتجاوز آثاره حدود إيران.
ما أهمية جبل بيكاكس في البرنامج النووي الإيراني؟
يقع الجبل المعروف بالفارسية باسم “كوه كلنغ گزلا”، في محافظة أصفهان وسط إيران، على بعد نحو كيلومترين جنوب مجمع نطنز النووي، أحد أهم مواقع تخصيب اليورانيوم في البلاد.
بدأت طهران تطوير المنشأة الجبلية عام 2020، عقب تعرض منشأة لتجميع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة في نطنز لعملية تخريب نُسبت إلى “إسرائيل”، إذ أعلن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك علي أكبر صالحي إنشاء منشأة بديلة تحت الأرض لحماية عمليات تجميع الأجهزة، بعدما ألحق انفجار يوليو/تموز من العام نفسه أضرارًا واسعة بالمنشأة السابقة التي افتُتحت عام 2018.
تضم المنطقة شبكة من الأنفاق المحفورة في الصخور الجرانيتية، بأربعة مداخل رئيسية موزعة على الجانبين الشرقي والغربي للجبل، إلى جانب طرق داخلية وسياج أمني ومنشأة أنفاق أقدم بدأ تطويرها عام 2007.
وفي دراسة نشرها معهد العلوم والأمن الدولي “ISIS”، وهو مركز أبحاث أمريكي متخصص في قضايا الانتشار النووي، يوم 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أظهرت القياسات وجود فرق ارتفاع يبلغ نحو 100 متر بين المداخل الغربية وقمة الجبل، ويصل إلى نحو 150 مترًا عند المداخل الشرقية، بينما يفصل نحو 50 مترًا بين مجموعتي المداخل، ما يفتح احتمال وجود مستويات متعددة للمنشأة أو اتصال الأنفاق بممرات داخلية مائلة.
وأشار الباحثان سارة بوركهارد وسبنسر فاراغاسو، المتخصصان في تحليل المنشآت النووية وصور الأقمار الصناعية لدى المعهد، إلى وجود منفذ محتمل للتهوية شمال قمة الجبل، يرتبط بخط كهرباء وطريق وصول، وربما يوفر مدخلًا إضافيًا إلى الشبكة الداخلية.

تكشف هذه التفاصيل تعقيد تصميم المنشأة، مع بقاء عمق المرافق الفعلية ومسارات الأنفاق مجهولين، إذ تمثل قياسات الـ100 والـ150 مترًا فروقًا في الارتفاع بين قمة الجبل والمداخل، دون أن تحدد عمق المنشآت الموجودة تحته.
وشهد الموقع مراحل متعاقبة من التحصين بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025، إذ استكملت إيران سياجًا أمنيًا مزدوجًا وعززت مداخل الأنفاق، قبل أن تتسارع أعمال تعبيد الطرق وإزالة مخلفات الحفر وتدعيم المداخل خلال عام 2026.
وفي تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي “CSIS” يوم 9 سبتمبر/أيلول، رصد باحثون زيادة ملحوظة في النشاط الإنشائي خلال العام الجاري، استنادًا إلى صور فضائية تغطي ست سنوات، بينها صور التُقطت في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2026.
ورجّحوا انتقال العمل من الحفر إلى التجهيزات الداخلية، مع استمرار تعزيز التحصينات الخارجية، لكن صورًا أحدث التقطتها شركة فانتور الأمريكية المتخصصة في تقنيات التصوير الفضائي يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول أظهرت تطورًا مختلفًا.
إذ كشف تحليل نشره معهد العلوم والأمن الدولي في 16 أكتوبر/تشرين الأول استمرار إغلاق المداخل الشرقية بالتراب، وبقاء الحواجز الترابية أمام المداخل الغربية منذ أغسطس/آب، وهو ما دفعه إلى ترجيح توقف العمليات وأعمال الإنشاء الكبيرة خلال تلك الفترة، مع احتمال احتفاظ إيران بمعدات ومواد ذات قيمة داخل الجبل.
وتتصل هذه الاحتمالات بما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية في يوليو/تموز 2026، عن مسؤولين مطلعين على تقديرات استخباراتية إسرائيلية، تفيد بأن إيران نقلت آلاف أجهزة الطرد المركزي ومكوناتها إلى بيكاكس خلال خريف 2025.
وأوضح مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن صور الأقمار الصناعية تعجز عن تأكيد هذه التقديرات، وأن طبيعة النشاط المرصود ترجح عدم جاهزية المنشأة للتخصيب آنذاك.
ويفسر الاهتمام بالمعدات المحتملة داخل الجبل إدراجه ضمن الأهداف الأمريكية، إذ تحدث ترامب في يوليو/تموز 2026 عن احتمال استهداف بيكاكس قريبًا وبقوة، وعاد في مقابلة مع شبكة “نيوزماكس” الأمريكية منتصف أكتوبر/تشرين الأول ليؤكد أن واشنطن تدرس ضرب المنشأة ضمن جهود منع إيران من امتلاك سلاح نووي، رغم استمرار الغموض بشأن وجود عمليات تخصيب داخلها.
هل تُنهي واشنطن البرنامج النووي بتدمير الجبل؟
تواجه أي عملية عسكرية تستهدف بيكاكس تحديات تتعلق بطبيعة الصخور الجرانيتية وامتداد الأنفاق وتعدد مداخلها، وهي عوامل تفسر الاهتمام بالقنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات، وفي مقدمتها “جي بي يو-57” التي يبلغ وزنها 13.6 طنًا، وصُممت لاختراق المنشآت المدفونة قبل الانفجار.
استخدمت الولايات المتحدة 14 قنبلة من هذا الطراز خلال عملية “مطرقة منتصف الليل” في يونيو/حزيران 2025، بواقع 12 قنبلة على منشأة فردو لتخصيب اليورانيوم وقنبلتين على نطنز، بينما استُهدفت منشآت أصفهان بصواريخ توماهوك.
وأوضح مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في تحليل سبتمبر/أيلول 2026 أن القنبلة الأمريكية، التي تشير تقديرات علنية إلى قدرتها على اختراق نحو 60 مترًا من الأرض، قد تواجه صعوبات إضافية في الجبل الإيراني، مع احتمال امتداد بعض مرافقه إلى أعماق أكبر داخل الصخور.
ولفت الباحثون إلى أن استهداف منشأة فردو عام 2025 اعتمد على ضربات متتابعة لنقاط محددة، بهدف إيصال آثار الانفجار إلى مستويات أعمق، فيما يتطلب تدمير بيكاكس معلومات استخباراتية دقيقة عن مواقع المرافق الداخلية وخصائص الصخور وتصميم الأنفاق.
وطرح معهد العلوم والأمن الدولي إمكانية الجمع بين القنابل الخارقة للتحصينات واستهداف البنية التحتية المساندة، مع الاستفادة من التجارب العسكرية السابقة ضد منشآت إيرانية محصنة.
لكن حجم الأضرار التي قد تلحق بالمرافق الداخلية سيظل مرتبطًا بطبيعة تصميمها والمعدات الموجودة فيها، خصوصًا أن تعطيل المنشأة عبر تدمير تجهيزاتها الخارجية يختلف في نتائجه عن تدمير مرافقها المدفونة داخل الصخور.
ودخل الخيار النووي إلى النقاش بصورة أكثر حدة بعد منشور الصحفي كارلسون الذي تحدث فيه عن أن نتنياهو يضغط على ترامب لاستخدام سلاح نووي ضد الجبل، باعتباره الوسيلة الوحيدة القادرة على الوصول إلى منشأة محصنة تحت نحو 300 قدم من الصخور، أي ما يعادل 91 مترًا تقريبًا.
وأضاف أن القرار قد يُتخذ بحلول 7 نوفمبر/تشرين الثاني، وأن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس والمبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف يدفعان باتجاه اتفاق مع طهران.
وفي مقابلة “نيوزماكس”، استبعد ترامب استخدام الأسلحة النووية ضد إيران، مؤكدًا أن واشنطن تمتلك خيارات تقليدية كافية، وتحدث عن قنبلة “جي بي يو-43” المعروفة باسم “أم القنابل”، وهي سلاح تقليدي شديد الانفجار تختلف آلية تأثيره عن القنابل المصممة لاختراق التحصينات العميقة.
كما يطرح الحديث عن الأسلحة النووية الخارقة للأرض، ومنها القنبلة الأمريكية “بي-61-11″، تساؤلات بشأن فعاليتها ضد الأنفاق المحصنة، إذ أوضحت دراسة أصدرتها الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم عام 2005 أن تأثير هذه الأسلحة يتوقف على قوة الانفجار وعمق الهدف والخصائص الجيولوجية، مع مخاطر كبيرة لانتشار المواد المشعة إذا وقع الانفجار بالقرب من سطح الأرض.
وتتجاوز مسألة تدمير الجبل قدرات السلاح المستخدم إلى مصير البرنامج النووي الإيراني نفسه، خصوصًا أن المنشآت والمعدات والمواد النووية موزعة على مواقع متعددة.
ففي إحاطة قدمها المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أمام مجلس الأمن الدولي يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أكد أن الوكالة لم ترصد منذ يونيو/حزيران 2025 أعمالًا لإصلاح أو إعادة بناء المنشآت النووية المتضررة من الضربات العسكرية خلال عامي 2025 و2026.
لكنه حذر من استمرار عجز المفتشين عن التحقق من مواقع المواد النووية الإيرانية وكمياتها وطبيعتها، بعدما تعطلت أنشطة التفتيش المعتادة، باستثناء عمليات محدودة في محطة بوشهر للطاقة النووية.
وكان آخر تقدير موثق للوكالة، قبل ضربات يونيو/حزيران 2025، قد أظهر امتلاك إيران نحو 440.9 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي درجة قريبة من مستوى 90% المستخدم في إنتاج المواد الانشطارية للأسلحة النووية.
وتكفي هذه الكمي بعد رفع تخصيبها إلى درجة التسليح، لإنتاج مواد انشطارية لنحو عشرة أسلحة نووية وفق المعايير التي تستند إليها الوكالة، بينما تتطلب صناعة سلاح قابل للاستخدام مراحل تقنية إضافية، تشمل تصنيع المكونات النووية وتطوير منظومة التفجير ووسيلة الإيصال. وتؤكد طهران الطابع السلمي لبرنامجها، فيما سبق للوكالة أن أوضحت افتقارها إلى مؤشرات موثوقة على وجود برنامج منسق لتطوير أسلحة نووية.
وفي 9 مارس/آذار 2026، قدّر غروسي أن أنفاق أصفهان كانت تحتوي، قبل الضربات، على أكثر من 200 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، مرجحًا استمرار وجودها هناك، مع احتمال بقاء كميات أخرى في نطنز ومواقع مختلفة.
وأكد في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن أن الوكالة لم تتمكن من تحديد الوضع الحالي لهذا المخزون، كما تعذر عليها التحقق من منشأة تخصيب جديدة أعلنت إيران إنشاءها في أصفهان قبل هجمات يونيو/حزيران 2025، بعدما حال اندلاع المواجهة دون زيارة مفتشيها للموقع.

وتوضح هذه المعطيات حدود النتائج التي يمكن أن تحققها ضربة ضد بيكاكس، إذ يعتمد حجم الضرر على طبيعة التجهيزات الموجودة داخله، سواء كانت مخازن لأجهزة الطرد المركزي أو خطوط إنتاج أو منشأة تخصيب مكتملة.
وقد تؤدي إصابة المعدات إلى تعطيل قدرة إيران على استعادة جزء من عمليات التخصيب، فيما سيبقى مصير اليورانيوم المخزن في مواقع أخرى والخبرة التقنية المتراكمة لدى العلماء والمهندسين عاملين مؤثرين في قدرة طهران على إعادة بناء البرنامج.
في هذا السياق، خلص الباحثون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن استمرار قصف المنشآت النووية الإيرانية بصورة متكررة يعجز عن توفير حل دائم يمنع تطوير السلاح النووي، داعين إلى تسوية دبلوماسية قابلة للتحقق. وهو موقف يتقاطع مع ما أكده غروسي أمام مجلس الأمن بشأن أهمية إعادة المفتشين واستعادة الرقابة الدولية على المنشآت والمواد النووية باعتبارها أساسًا لأي تسوية مستدامة.
ما تداعيات الهجوم على إيران والمنطقة؟
تأتي التهديدات باستهداف بيكاكس في مرحلة تشهد خلافات داخل واشنطن بشأن استئناف الحرب على إيران، التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026، بالتزامن مع حسابات سياسية إسرائيلية وأمريكية مرتبطة بالانتخابات.
ففي تقرير نشره موقع “أكسيوس” الأمريكي يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول، نقل الصحفيان باراك رافيد ومارك كابوتو عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين أن ترامب ونتنياهو ناقشا تنفيذ عملية عسكرية جديدة ضد منشآت نووية وعسكرية إيرانية، وسط قلق إسرائيلي من احتمال استخدام بيكاكس لاستعادة التخصيب، لكن مسؤولًا في البيت الأبيض نفى للموقع بحث استئناف العمليات العسكرية بين الرئيسين.
وكشف التقرير أن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث وقيادة القوات المركزية الأمريكية كانا من أبرز مؤيدي استئناف الضربات، بينما فضّلت غالبية مستشاري ترامب مواصلة العقوبات والضغوط الاقتصادية.
وأشار إلى أن نتنياهو كان يسعى إلى التحرك قبل الانتخابات الإسرائيلية، فيما أثارت احتمالات الرد الإيراني الواسع مخاوف من تأثير التصعيد على الاستحقاقين الانتخابيين في “إسرائيل” والولايات المتحدة.
وفي تقرير آخر نشره “أكسيوس” مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، نقل رافيد عن مصدر أمريكي وآخر إسرائيلي أن اتصالًا جرى بين ترامب ونتنياهو يوم 31 أكتوبر تناول المفاوضات مع إيران وتوقيت العودة إلى العمليات العسكرية.
إذ ضغط نتنياهو لاستئناف الهجمات بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، بينما فضّل ترامب منح المفاوضات مزيدًا من الوقت. وأشار التقرير إلى أن الرئيس الأمريكي تحدث عن وجود خطة جاهزة للتعامل سريعًا مع بيكاكس، مؤكدًا قدرة واشنطن على تنفيذ العملية خلال وقت قصير.
وامتدت التحركات الإسرائيلية إلى دول الخليج، إذ أكدت وكالة الأنباء الإماراتية في 28 سبتمبر/أيلول زيارة نتنياهو إلى أبوظبي في اليوم السابق ولقاءه رئيس الدولة محمد بن زايد آل نهيان، مشيرة إلى بحث العلاقات الثنائية.
وقال ثلاثة مسؤولين إسرائيليين كبار لوكالة رويترز إن اللقاء استمر 6 ساعات وتركز على إيران، فيما قال كارلسون إن نتنياهو حاول إقناع الإمارات بدعم هجوم نهائي على طهران، لكنها رفضت بسبب المخاوف من التداعيات الاقتصادية والأمنية.
وتعكس تصريحات المسؤولين الإماراتيين حساسية الموقف الخليجي تجاه تجدد التصعيد، إذ أكد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، أن بلاده تأمل في نجاح الوساطة الدبلوماسية لتجنب جولة جديدة من المواجهة، مع استعدادها لحماية أمنها ومصالحها إذا استؤنفت العمليات العسكرية.
جاءت تصريحاته بالتزامن مع استمرار المباحثات غير المباشرة التي تتوسط فيها قطر لإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف التفاوض بين واشنطن وطهران.
في اليوم نفسه، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استمرار الاتصالات مع الوسطاء القطريين، مؤكدًا أن التوصل إلى اتفاق يتطلب استجابة واشنطن للمقترحات الإيرانية، فيما نقل “أكسيوس” عن مصادره أن المحادثات تستهدف تهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات المباشرة بين الجانبين.
ويزيد احتمال استهداف بيكاكس تعقيد هذه الجهود، خصوصًا مع ارتباط أي تسوية أوسع بمستقبل البرنامج النووي والعقوبات الأمريكية وأمن الملاحة في الخليج.
وتعزز التحذيرات الإيرانية السابقة احتمالات اتساع نطاق الرد إلى دول الخليج، إذ قال مسؤول إيراني كبير لم تكشف وكالة رويترز هويته، في تقرير نشرته يوم 6 أغسطس/آب 2026، إن طهران حذرت من احتمال استهداف منشآت النفط والكهرباء والمياه والنقل والبنية التحتية الاستراتيجية في دول المنطقة، إذا استأنفت الولايات المتحدة ضرباتها ضد إيران.
وأكد مسؤولون إيرانيون ومصادر خليجية ودبلوماسية أن عراقجي نقل رسائل بهذا المعنى خلال اتصالات مع مسؤولين في السعودية وقطر وتركيا وباكستان، ضمن محاولة لدفع دول المنطقة إلى الضغط على واشنطن لتجنب التصعيد.
وتزيد أهمية البنية التحتية الخليجية في حسابات الرد الإيراني بسبب ارتباطها بأسواق الطاقة العالمية، ولا سيما مضيق هرمز الذي عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته خلال عام 2025، بما يعادل نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية.
وأوضحت الوكالة في دراسة نشرتها يوم 22 يونيو/حزيران 2026 أن تدفقات النفط عبر المضيق تراجعت إلى متوسط 2.7 مليون برميل يوميًا خلال الأشهر الثلاثة السابقة، بعدما أدت المواجهة إلى اضطراب واسع في الملاحة، فيما حاول المنتجون تعويض جزء من النقص عبر خطوط الأنابيب والموانئ البديلة وزيادة الإمدادات من خارج المنطقة.
أما المخاطر البيئية والصحية، فتتوقف على طبيعة السلاح المستخدم وحجم الأضرار التي قد تصيب المواد الموجودة داخل المنشأة، إذ قد يؤدي القصف التقليدي لموقع يحتوي على مواد نووية إلى انتشار ملوثات كيميائية أو مشعة بحسب طبيعة المواد وحالة المنشأة، بينما يحمل استخدام قنبلة نووية مخاطر أكبر تتعلق بالإشعاع والتساقط المشع وانتقال الجزيئات الملوثة مع الرياح.
وتكتسب المخاوف المتعلقة بالمياه أهمية إضافية بسبب اعتماد دول الخليج بدرجات متفاوتة على محطات تحلية مياه البحر، وما قد تتعرض له هذه المنشآت من اضطرابات إذا امتدت المواجهة إلى شبكات الكهرباء والطاقة والموانئ.
وتختلف التداعيات المحتملة لاستهداف بيكاكس عن تلك التي قد تنجم عن ضرب مفاعل نووي عامل مثل بوشهر، حيث تتباين أنواع المواد المشعة ومخاطر انبعاثها، فيما يظل استخدام سلاح نووي ضد الجبل سيناريو بالغ الخطورة من حيث التأثير المباشر والتلوث والنتائج السياسية الدولية.
وفي حال تنفيذ ضربة نووية أمريكية، ستكون المرة الأولى التي يُستخدم فيها سلاح ذري خلال العمليات الحربية منذ عام 1945، وهو تطور قد ينعكس على حسابات الردع النووي ومواقف القوى الكبرى ومستقبل الجهود الدولية لمنع الانتشار.
كما قد تتأثر الخيارات الإيرانية بحجم الأضرار العسكرية وطبيعة الرد السياسي، بين استمرار تراجع القدرات الصناعية للبرنامج وتصاعد الدعوات داخل مؤسسات الدولة إلى امتلاك وسائل ردع أقوى، في وقت تعجز فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن التحقق من مصير اليورانيوم المخصب.
يضع ذلك واشنطن أمام معضلة تتجاوز تدمير منشأة شديدة التحصين، إذ سيظل نجاح أي هجوم مرتبطًا بما يحتويه بيكاكس فعلًا، وما يمكن أن يبقى من معدات ومواد نووية في أصفهان ونطنز ومواقع أخرى، بينما تحمل المواجهة الجديدة احتمالات تعطيل المفاوضات واتساع الهجمات على البنية التحتية والطاقة والمياه.
وفي ظل هذه الحسابات، تبقى قدرة الضربة العسكرية على إنهاء البرنامج النووي الإيراني موضع خلاف بين التقديرات العسكرية والفنية، مع مخاطر إقليمية ودولية قد تستمر آثارها بعد انتهاء العملية نفسها.