منذ ظهورها للعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2024، توسّع نشاط شركة “اكتفاء للاستثمار الزراعي” المُعلن ليشمل معظم المحافظات السورية، توسعٌ يثير أسئلة عن حماية حقوق مالكي الأراضي وشفافية إدارة عائداتها، فيما تفتح صلات الشركة بكيانات زراعية سابقة في إدلب أسئلة أخرى عن كيفية انتقالها من نشاط محلي إلى شركة يقول مسؤول فيها إنها تتبع قطاعًا في الصندوق السيادي السوري.
تناولت تقارير صحفية اتهامات تتعلق بطريقة إدارة “اكتفاء” أراضٍ غاب أصحابها في ريف حماة، من بينها “إبرام عقود استثمار في ظروف قال بعض المالكين إنها قيّدت قدرتهم على الرفض”، إضافة إلى غموض يحيط بعائدات المحاصيل وبآليات حماية حقوق المالكين.
في ردّه على هذه الاتهامات، قال مدير فرع الشركة في حماة لموقع “تلفزيون سوريا”، إن “اكتفاء” تتبع قطاع الزراعة والثروة الحيوانية في الصندوق السيادي، وإنها بدأت عملها في مناطق شهدت غيابًا ملحوظًا لأصحاب الأراضي بعد تحرير المحافظة في ديسمبر/كانون الأول 2024.
غير أن اسم الشركة لم يظهر من فراغ، إذ سبقت ظهوره العلني في أكتوبر/تشرين الأول 2024 منشورات باسم شركتي “الخضراء” و”غراس”، اللتين نشطتا منذ عام 2022 في إدلب ومناطق أخرى كانت تحت سيطرة حكومة “الإنقاذ”.
تكشف مراجعة إعلانات المزادات وعناوين المكاتب عن تداخل في بعض مواقع إجراء المزادات، وتكرار عناوين وأماكن محددة، إلى جانب استمرار ظهور أنماط متشابهة من الأنشطة الزراعية في إعلانات الشركات الثلاث.
وتشير هذه المعطيات إلى احتمال وجود استمرارية تشغيلية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات اندماج قانوني أو انتقال ملكية الأصول والعقود.
يتتبع هذا التقرير، اعتمادًا على مصادر مفتوحة، مسار انتقال النشاط الزراعي من كيانات محلية في إدلب إلى شركة يقول مسؤول فيها إنها تتبع قطاعًا في الصندوق السيادي السوري.
ويسعى إلى تحديد ما تكشفه الأدلة المتاحة عن العلاقة بين “اكتفاء” و”الخضراء” و”غراس”، والأساس القانوني والإداري الذي استند إليه انتقال النشاط، ومدى وضوح هذه العملية وشفافيتها.
شركة تتبع الصندوق السيادي؟
لا يرتبط الجدل الدائر حول “اكتفاء” بنوعية الاستثمارات التي تشرف عليها فقط، بل يطال أيضًا المرحلة التي تولى إدارتها باسل السويدان، وزير الزراعة الحالي ورئيس لجنة الكسب غير المشروع، الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب الوزير بالتزامن مع مناصب أخرى عدة.
وكان السويدان أوضح حينها لموقع “زمان الوصل” في 11 فبراير/شباط 2026، أن الشركة تمثل قسم الاستثمار في الحكومة، ولها هيكلية إدارية تضم مديرًا تنفيذيًا وماليًا وإداريًا، مشيرًا إلى أنه يتقاضى راتبًا واحدًا فقط، ومؤكدًا عدم حصوله على أي مبالغ إضافية أو بدل سفر أو امتيازات أخرى.
وبحسب السيرة الذاتية التي نُشرت عنه حين صدور مرسوم رئاسي بتعيينه في منصب الوزير في 9 مايو/أيار 2026، شغل السويدان منصب مدير عام شركات “اكتفاء” و”الخضراء” و”غراس” للاستثمار الزراعي، كما شغل منصب مدير قطاع الزراعة والثروة الحيوانية في الصندوق السيادي، إلى جانب رئاسته لجنة “مكافحة الكسب غير المشروع”.
وفي 18 فبراير/شباط 2026، نشر السويدان، عبر صفحته الشخصية في “فيس بوك” رسالة شكر لكادر “اكتفاء”، تمنى فيها لمحمد حنوف النجاح والتوفيق “في مهمته مديرًا عامًا للشركة ومديرًا للقطاع الزراعي في الصندوق السيادي السوري”.
ولم يذكر المنشور استقالةً ولا أسباب مغادرته، لكن “زمان الوصل” كان قد نقل عن مصادر خاصة استقالته من الموقعين.
وتشير هذه المعطيات، مع تصريح مدير فرع الشركة في حماة، منذر الزهوري، لموقع “تلفزيون سوريا” في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بأنها تتبع قطاع الزراعة والثروة الحيوانية في الصندوق، إلى ارتباط إداري بين الشركة والقطاع، ويرجّح انتقال المنصبين معًا من شخص إلى آخر أنهما مرتبطان تنظيميًا.
لكنها، وجميعها تصريحات ومنشورات، لا تحدد الوضع القانوني للشركة: هل هي مملوكة للصندوق، أم تابعة له إداريًا، أم كيان حكومي يُدار عبر قطاعه؟ ولم يعثر نون بوست في المصادر المفتوحة على وثيقة تجيب عن هذا السؤال، كما لم يجد، حتى تاريخ إعداد هذا التقرير في موقع الصندوق ما يتناول وضع الشركة.
تاريخ الشركات وهويتها القانونية
لفهم خلفية شركة “اكتفاء” وكيف ظهرت بصورتها الحالية، تتبع نون بوست موقعها الإلكتروني، قبل الانتقال إلى قناتها على “تلغرام” ومراجعة منشوراتها المؤرشفة.
وقادت مراجعة القناة إلى منشورات مرتبطة بشركتي “غراس” و”الخضراء” للاستثمار الزراعي، وهما شركتان سبق أن تحدثت تقارير إعلامية عن اندماجهما تحت اسم “اكتفاء”.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، تتبّع نون بوست الأرشيف الإلكتروني للشركات الثلاث، وقارن بين منشوراتها وتواريخ ظهورها وأسماء المشاريع والمزادات والمواقع الواردة فيها، بحثًا عن أدلة تساعد على فهم طبيعة الصلة بينها، وما إذا كان ظهور “اكتفاء” قد رافقه انتقال في النشاط الزراعي أو المشاريع أو البنية الإدارية من الكيانات السابقة.
تظهر الشركة على موقعها الإلكتروني باسم “شركة اكتفاء للاستثمار الزراعي” (Iktifaa)، ولا يتضمن قسم “من نحن” تاريخًا للتأسيس، فيما يذكر القسم الرسالة والرؤية والأهداف، وأبرزها “تعزيز الأمن الغذائي في الشمال السوري والمنطقة للوصول إلى نسب اكتفاء عالية ووفرة كبيرة في المنتجات الزراعية”.
غير أن الموقع لا يحدد بوضوح نطاق عمل الشركة الجغرافي، فعبارة “الشمال السوري” غير مُعرَّفة، ولا يتضح ما المقصود بـ”المنطقة”: هل هي مناطق محددة داخل سوريا، أم سوريا عمومًا.
كما أن عبارة “الشمال السوري” كانت تُستخدم قبل زوال النظام البائد للإشارة إلى مناطق سيطرة المعارضة في إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي واللاذقية، وهي المناطق التي أُعلن عن مزادات “غراس” و”الخضراء” فيها قبل ظهور “اكتفاء”.
ولا يحسم هذا التقاطع الجغرافي ما إذا كان التعريف المنشور قد بقي دون تحديث، أم أنه يعكس استمرارًا في الهوية التعريفية للكيانات السابقة، أو إذا كانت عبارة “الشمال السوري” استُخدمت بمعناها العام دون قصد جغرافي محدد.
في المقابل، قال مدير فرع الشركة في حماة وحمص لموقع “ميدل إيست آي” إنها تعمل حاليًا في جميع المحافظات السورية باستثناء الحسكة والسويداء، ما يشير إلى اتساع نطاق عملها مقارنة بما يظهر في تعريفها المنشور.
ووفقًا لبيانات تسجيل النطاق المتاحة عبر خدمة ICANN Lookup، سُجّل النطاق الإلكتروني لموقع الشركة (iktifaa-syria.com) لأول مرة في 23 يونيو/حزيران 2024، فيما تشير البيانات إلى انتهاء فترة تسجيله الحالية في 23 حزيران 2028، ولا تحدد هذه البيانات تاريخ تأسيس الشركة أو بدء نشاطها، كما لا تكفي وحدها للكشف عن الهوية الفعلية لمالك النطاق.
ويعرض الموقع الإلكتروني للشركة بيانات تحت عنوان “حجم العمل خلال عام 2023″، رغم أن نطاقه سُجّل للمرة الأولى في يونيو/حزيران 2024 كما أشرنا، ما يطرح تساؤلًا حول مصدر هذه البيانات، وما إذا كانت تعكس نشاط الشركة قبل ظهورها الإلكتروني، أم أنها تستند إلى إحصاءات أو أعمال سابقة لشركتي “غراس” و”الخضراء” قبل ظهور “اكتفاء” بصورتها الحالية.
كذلك، يحدد الموقع عنوان الشركة في محافظة إدلب، من دون أن يوضح ما إذا كان هذا العنوان يمثل مقرها الرئيسي فقط أم نطاق عملها الجغرافي.
في المقابل، أُنشئت القناة الرسمية لشركة “اكتفاء” على تطبيق “تلغرام” في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2024، وبدأت بنشر إعلانات المزادات العلنية لتأجير الأراضي ضمن مشاريعها في 16 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.
البداية من شركة “الخضراء”
لم يعثر نون بوست، في حدود المصادر المفتوحة التي راجعها، على تصريحات رسمية أو وثائق منشورة تعلن تأسيس شركة “اكتفاء” باستثناء صورة ترويجية على قنوات “تلغرام” لشركتي “غراس” و”الخضراء” الزراعيتين تضم عبارة “قريبًا الشركة الرائدة بالقطاع الزراعي”.
في المقابل، تحدثت تقارير إعلامية عن ارتباط الشركات الثلاث، وذهبت بعضها إلى أن “اكتفاء” ظهرت نتيجة دمج “غراس” و”الخضراء”، من دون أن تستند المعلومات المنشورة إلى وثيقة رسمية متاحة تثبت حصول هذا الدمج أو توضح طبيعته القانونية.
وتُظهر مراجعة أرشيف قناة “الشركة الخضراء للاستثمار الزراعي” على تلغرام، التي أُنشئت في 1 يتاير/كانون الثاني 2022، أن الشركة عرّفت نفسها في منشوراتها الأولى بأنها متخصصة في الاستثمار الزراعي وتجارة الحبوب وغربلتها، إضافة إلى الأسمدة والأدوية والبذور الزراعية.
وظهرت في صورة تعريفية باسم مديرها عبد المجيد خطاب، قبل أن يظهر بلال موسى كمدير آخر في فيديو ترويجي نُشر في 23 مايو/أيار 2022 عن تجهيز غربال ثانٍ للحبوب والمحاصيل الزراعية، فيما عرّف فيديو آخر، نُشر في 4 يونيو/حزيران، شخصًا باسم “أبو صلاح” بأنه أحد مستثمري الشركة.
وامتد النشاط الذي روّجت له الشركة إلى استثمار الأراضي الزراعية في مناطق متعددة من شمال سوريا، ففي 13 يوليو/تموز 2022، أعلنت عزمها طرح مزادات لتأجير أو ضمان جزء من “أراضي السليخ” التابعة لها، قبل أن تنشر أول مزاد في 22 يوليو/تموز، وتتوالى لاحقًا إعلانات مزادات لأراضٍ في مناطق مختلفة، لتكشف هذه الإعلانات عن نطاق جغرافي شمل مناطق في إدلب وريف حلب والساحل السوري، وفق المواقع المذكورة في المنشورات.
كما أعادت الشركة في 9 مايو/أيار 2022 نشر رابط قناة “مؤسسة غراس لاستثمار الأشجار المثمرة من زيتون وحمضيات ولوزيات وكافة أنواع الأشجار”، داعيةً إلى متابعتها، في إشارة إلى وجود صلة تواصل معلنة بين القناتين منذ ذلك التاريخ.
وتكشف مراجعة إعلانات المزادات عن حضور متكرر لاسم “غراس للتنمية والاستثمار الزراعي” إلى جانب “الخضراء”، ففي 22 أيلول 2022، نشرت “الخضراء” إعلان مزاد باسم “غراس”.
وخلال الفترة من 1 إلى 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024، اقتصرت منشورات “الخضراء” المرصودة على إعادة نشر محتوى قناة “غراس”.
وفي 22 أكتوبر/تشرين الأول، شاركت القناة إعلان “قريبًا” الخاص بشركة “اكتفاء”، ثم بدأت بإعادة نشر منشوراتها، ليكون آخر منشور مرصود على قناة “الخضراء” في 30 يناير/كانون الأول 2024.
شركة “غراس” للاستثمار الزراعي
أما قناة “غراس للتنمية والاستثمار الزراعي” فأُنشأت على تلغرام في 3 مايو/أيار 2022، وتُظهر منشوراتها أن الشركة كانت تعلن عن نشاطها عبر ثلاثة فروع أو مناطق عمل وصفتها بالشمالية والجنوبية والغربية، لتكشف هذه التسميات عن تقسيم جغرافي معلن لنشاطها، فيما تشير عناوين إعلانات المزادات العلنية إلى وجود مكاتب ومواقع عمل في عدد من مناطق محافظة إدلب.
وفي 31 مايو/أيار 2022، نشرت القناة خبرًا عن مشاركة “مدير مؤسسة غراس” في استعراض مشروع رسالة ماجستير حول الزراعة الحافظة، ضمن يوم حقلي نظمته الإدارة العامة للبحوث العلمية الزراعية بالتعاون مع وزارتي الزراعة والري، والتعليم العالي والبحث العلمي، وجامعة إدلب، في محطة كفريحمول الزراعية.
وحمل البحث عنوان “تأثير نظام الزراعة الحافظة في بعض الخصائص الفيزيائية للتربة وغلة القمح الطري”، وبحسب سجل رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعة إدلب، فإن البحث مسجل باسم باسل السويدان، في اختصاص الهندسة الريفية، بموجب قرار التسجيل رقم 590 الصادر في 9 مايو/أيار 2022، ما يشير إلى أن السويدان تولى إدارة “غراس” في عام 2022، وإن كان منشور الشركة لا يسمي المدير صراحة.
وفي جانب نشاطها الزراعي، نشرت “غراس” إعلانات مزادات علنية لاستثمار أراضٍ في مناطق متعددة، بينها القنية واليعقوبية والجديدة وكفريا والفوعة، وهي بلدات خرج كثير من سكانها الأصليين منها خلال سنوات الثورة، وهو ما يستدعي توضيح وضع هذه الأراضي، والجهات صاحبة الحقوق فيها، والأسس القانونية لاستثمارها.
كما أظهرت منشورات القناة تداخلًا في المحتوى مع قناة “الشركة الخضراء للاستثمار الزراعي”، إذ أعادت “غراس” نشر منشورات للشركة.
وفي 22 أكتوبر/تشرين الأول 2024، شاركت القناة إعلان “قريبًا” الخاص بشركة “اكتفاء”، ثم أعادت نشر منشوراتها لاحقًا.
وكان آخر منشور مرصود على قناة “غراس” بتاريخ 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ويضع هذا التسلسل الزمني نشاط القناة ضمن مرحلة الانتقال إلى الترويج لـ”اكتفاء”، لكنه لا يثبت وحده أن “غراس” اندمجت بها أو أن أصولها أو إدارتها انتقلت إليها قانونيًا.
مواقع مشتركة
تُظهر مراجعة إعلانات المزادات المنشورة باسم شركة “اكتفاء” نمطين من التصنيف: فروعًا تحمل أسماء محافظات ومناطق سورية مختلفة (اكتفاء دمشق، اكتفاء حلب، اكتفاء إدلب)، ومشاريع مرقّمة من “اكتفاء 1” إلى مشاريع أخرى، تُدرج تحت كل منها مزادات تتعلق بضمان محاصيل زراعية وتأجير أراضٍ ومراعٍ وبيوت محمية.
وتشير الإعلانات التي جرت مراجعتها إلى أن ترقيم المشاريع لا يطابق بالضرورة تقسيمًا جغرافيًا حصريًا، إذ تتركز بعض المزادات ضمن مناطق متقاربة، بينما تظهر مناطق أخرى في إعلانات مرتبطة بأكثر من مشروع.
ويُرجّح ذلك أن الأرقام تُستخدم لتصنيف مجموعات من العمليات أو الأصول الزراعية، إلا أن المعلومات المنشورة لا تكفي لتحديد الأساس الإداري أو الجغرافي الذي اعتمدته الشركة في هذا التقسيم.
ولا تسمح هذه المراجعة وحدها بتحديد الحجم الكامل لنشاط الشركة أو نطاق كل مشروع، لكنها تكشف عن اتساع جغرافي في المزادات المعلنة وتنوع في الأصول الزراعية التي تطرحها الشركة للاستثمار.
فيما تكشف مراجعة إعلانات المزادات المنشورة باسم شركتي “الخضراء” و”غراس” عن اختلاف في طبيعة الأنشطة المعلنة لكل منهما، فقد تركزت إعلانات “الخضراء” التي جرت مراجعتها على تضمين الأراضي والمراعي، بما في ذلك أراضي السليخ وأرضيات المحاصيل المخصصة للرعي بعد الحصاد، في حين غلب على إعلانات “غراس” ضمان ثمار الأشجار والمحاصيل الموسمية، مثل الزيتون والتين والجوز والرمان والليمون، إلى جانب بيع الحطب.
كما أظهرت مراجعة الإعلانات أن بعض مزادات “الخضراء” كانت تُجرى في مكاتب تابعة لـ”غراس”، وهو ما يشير إلى تقاطع عملي في المواقع المستخدمة لإجراء المزادات قبل ظهور “اكتفاء” في الإعلانات.
وتُظهر مقارنة هذه الإعلانات بالمزادات المنشورة لاحقًا باسم شركة “اكتفاء” أن الأخيرة تطرح بدورها مزادات تشمل النوعين من الأنشطة، من تضمين الأراضي والمراعي إلى ضمان إنتاج الأشجار المثمرة وبيع الحطب.
ويظهر ذلك في المشاريع المرقّمة التي تشمل، على سبيل المثال، تضمين الأراضي السليخ في مشاريع متعددة، وضمان محاصيل الزيتون والتين والجوز والرمان في مناطق مختلفة.
ويشير هذا التشابه إلى استمرارية في أنماط الاستثمار الزراعي المعلنة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات انتقال عقود أو أصول بعينها من “الخضراء” أو “غراس” إلى “اكتفاء”، أو تحديد العلاقة القانونية بين الشركات الثلاث.
ولم يقتصر التشابه بين إعلانات “الخضراء” و”غراس” و”اكتفاء” على طبيعة المزادات الزراعية، فقد أظهرت مقارنة العناوين التي أمكن رصدها تكرار عدد من المواقع المميزة بين الشركات، من بينها “البيت الأحمر” في قرية كترين، ومعصرة “غراس” عند مفرق عامود في الزرزور، وموقع مكتب حارم الواقع بعد الحاجز بنحو 200 متر.
وتشير هذه المطابقات إلى أن “اكتفاء” استخدمت عناوين تتطابق مع مواقع سبق أن أعلنت “غراس” أو “الخضراء” عن وجود مكاتب لها فيها، ما يعزز احتمال استمرار استخدام جزء من شبكة المكاتب المحلية السابقة.
غير أن أوصاف العناوين المنشورة لا تثبت وحدها انتقال ملكية المكاتب أو إدارتها رسميًا، ولا تحسم ما إذا كان ذلك نتيجة اندماج مؤسسي أو استمرار تشغيلي أو ترتيب آخر.
ويقول صحفي من إدلب مطّلع على تجربة حكم “هيئة تحرير الشام” لنون بوست إن الهيئة اعتمدت على شبكة متداخلة من الشركات والكيانات التجارية، مكّنتها من الإمساك بخيوط قطاعات اقتصادية متعددة والتحكم بمسارات الموارد والاستثمار والتجارة.
ولم تكن هذه البنية مدفوعة باعتبارات اقتصادية فقط، إنما أتاحت أيضًا إبعاد بعض الأنشطة عن الارتباط المباشر بالفصيل، في ظل التصنيف الإرهابي الذي كان مفروضًا عليه وما يترتب عليه من مخاطر على التعاملات المالية والتعاون مع المنظمات المدنية والإنسانية.
وبهذا، أدت الشبكة وظيفة مزدوجة في تأمين الموارد للهيئة، وتوسيع هامش حركتها التجارية في بيئة شديدة الحساسية للعلاقات المالية والمؤسسية، فضلًا عن تحريك النشاط التجاري في المنطقة.
ويضيف أن الخطورة تكمن اليوم في احتمال انتقال هذه التشابكات إلى الاقتصاد السوري الأوسع، مع استمرار نشاط شركات وشخصيات ارتبطت بإدارة الاقتصاد في إدلب في قطاعات الاستثمار والخدمات والأصول العامة.
وإذا لم تُفصل المصالح التجارية عن مواقع القرار العام، ولم تخضع الشركات المرتبطة بها لمعايير واضحة للإفصاح والرقابة، فقد يُعاد إنتاج تركّز النفوذ والاحتكار بصيغ جديدة، بما يحد من المنافسة ويضعف ثقة المستثمرين، بحسب تعبيره.
لذلك، فإن وضوح الملكية الفعلية، ونشر العقود، والرقابة المستقلة على إدارة الأصول العامة، تشكل شروطًا أساسية لمنع انتقال هذه الممارسات إلى بنية الاقتصاد السوري الجديد.


