فجرت الانتقادات المتصاعدة داخل تركيا للقيود المفروضة على ارتداء الحجاب في المدارس الأذربيجانية أزمة واسعة في العلاقات بين أنقرة وباكو، إذ رفضت الأخيرة التدخل في شؤونها، ثم غاب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف عن قمة الدول التركية في أنقرة رغم دعوة أردوغان له، وإقالة مستشاره أوكتاي سارال الذي سبق أن انتقد الإجراءات الأذربيجانية.
ورغم المصالح الأمنية والاقتصادية التي تجمع تركيا وأذربيجان، شهدت علاقاتهما خلافات متكررة حول السياسة الخارجية وحدود التدخل في الشؤون الداخلية، فقد اعتمدت أذربيجان على تركيا لموازنة القوى المحيطة بها والوصول إلى الأسواق وبناء قدراتها العسكرية، فيما وجدت أنقرة في باكو بوابةً إلى القوقاز وآسيا الوسطى وشريكًا في الطاقة والنقل.
سعت باكو إلى تثبيت موقعها كشريك يملك قراراً مستقلاً، حتى مع تفوق أنقرة الاستراتيجي، وظهر هذا التوجه مع صعود حيدر علييف عام 1993، بعد انهيار حكم أبي الفضل إلجي بيك، الذي منح التقارب مع تركيا والهوية التركية موقعاً مركزياً في سياسته، حيث اتجه علييف إلى تنويع علاقات أذربيجان، وابتعد عن حصرية الانتماء إلى تركيا التي طبعت خطاب سلفه، ورغم استمراره في الاستثمار بالشراكة مع تركيا إلا أنه عمد إلى بناء توازنات إقليمية تضمن استمرار حكمه.
في هذا التقرير، نستعرض أبرز الأزمات التي عصفت بالعلاقات بين أنقرة وباكو منذ التسعينيات، وكيف تجاوزها الطرفان، والعوامل والظروف التي دفعت لاحتوائها والحيلولة دون تفاقمها، في محاولة لفهم الأزمة الحالية ومآلاتها.
انقلاب 1995.. اتهامات أذربيجانية تطال مسؤولين أتراكًا
بعد تولي حيدر علييف رئاسة أذربيجان عام 1993، شهدت البلاد محاولة انقلاب ضده في مارس/آذار 1995، واتهم علييف مواطنين ومسؤولين أتراكًا بالمشاركة في التحضير لها، ولكن الرئيس التركي سليمان ديميريل كان قد حذّر علييف من وجود مخطط للانقلاب عليه قبل وقوع المحاولة، وقال علييف لاحقًا إنه فضّل عدم الكشف عن تفاصيل “تورط” أطراف تركية حفاظًا على العلاقات بين البلدين.
حافظ الرئيسان على اتصالاتهما، فيما واصلت الحكومتان التفاوض على النفط والتعاون العسكري خلال الأسابيع التالية للمحاولة، وفي أبريل/نيسان 1995، استقبل علييف رئيسة الوزراء التركية تانسو تشيلر، بعد أقل من شهر على فشل الانقلاب، ووقّع الطرفان خلال الزيارة اتفاقًا لزيادة حصة شركة النفط التركية في تطوير حقول بحر قزوين، وبحثا مسارات تصدير النفط والقروض والتعاون العسكري، في ظل تنامي العلاقات العسكرية بين روسيا وأرمينيا.
فضيحة “سوسورلوك”.. تسريبات تركية تهز حكم علييف
أثار نشر الحكومة التركية مقتطفات من تقرير “سوسورلوك” مطلع عام 1998 أزمة بين أنقرة وباكو، والذي كان يبحث في صلات مسؤولين سياسيين وأمنيين أتراك بعالم الجريمة، وذلك بناء على طلب رئيس الوزراء التركي مسعود يلماز.
أثارت تسريبات التقربر غضب علييف بعدما طالت عائلته ومسؤولين أذربيجانيين، إذ تضمنت مزاعم بشأن ديون قمار مترتبة على نجله في تركيا، واتهامات لوزير الخارجية حسن حسنوف بالمشاركة في تحويل دار ضيافة دبلوماسية ممولة من تركيا إلى فندق “أوروبا” الذي يضم كازينو.
أقال علييف وزيره إثر القضية، وهدد بإلغاء زيارة مقررة إلى تركيا، معتبرًا التحقيق مساسًا بسمعة بلاده وعائلته، وحمل احتجاجه أيضًا رسالة برفض التدخل التركي في الشؤون الداخلية أو دعم معارضيه قبيل الانتخابات الرئاسية.
تدخل سليمان ديميريل لإقناعه بالمضي في الزيارة، فيما تنصّل يلماز من نتائج التحقيق المتعلقة بأذربيجان، وقال إن المزاعم التي طالت عائلة علييف استندت إلى مصادر غير موثوقة، وساعد تشكيك يلماز في هذه المزاعم على تهدئة اعتراض علييف وإتمام الزيارة.
ومجددًا، كانت المصالح النفطية عاملًا مهمًا في احتواء الخلاف بين الطرفين، فقد أرادت أنقرة تمرير خط باكو–جيهان عبر أراضيها لتعزيز مكانتها الإقليمية ودورها في تصدير نفط بحر قزوين، فيما احتاجت باكو إلى تأمين وصول نفطها إلى الأسواق بشروط مجزية، ولكن ظل مسار الخط وكلفته ورسوم العبور محل تفاوض.
أزمة قبرص.. حسابات باكو تخذل أنقرة
انتظرت أنقرة دعم أذربيجان في تحركاتها عام 2004 لتخفيف عزلة القبارصة الأتراك، لكن معظم أعضاء الوفد الأذربيجاني غابوا عن التصويت المتعلق بمشاركة ممثلين عن القبارصة الأتراك في أعمال الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا ولجانها، ما أثار غضب الوفد التركي من الموقف الأذربيجاني، رغم أن الجمعية البرلمانية أقرت في قرارها النهائي إشراك ممثلين منتخبين عن القبارصة الأتراك في أعمالها ضمن الوفد القبرصي، وإن كان بصيغة مختلفة عما طالبت به أنقرة.
وقال رئيس الوفد الأذربيجاني إن الغياب كان متعمدًا، خشية أن يشكّل تمثيل القبارصة الأتراك سابقة تستفيد منها سلطات قره باغ الانفصالية للمطالبة بتمثيل دولي مماثل.
ساهمت الخطوات العملية التي اتخذتها باكو لتوسيع علاقاتها بشمال قبرص في تخفيف حدة التوتر بين البلدين إثر الحادثة، فقد أعلن علييف خلال محادثاته مع أردوغان في يونيو/حزيران 2005 ترتيبات لتسيير رحلات جوية مباشرة إلى شمال قبرص، إضافة إلى قبول جوازات سفر القبارصة الأتراك.
كما زار برلمانيون أذربيجانيون شمال الجزيرة، في خطوات دعمت مساعي تخفيف عزلة القبارصة الأتراك، مع استمرار تحفظها على الاعتراف الرسمي بشمال قبرص.
أرمينيا.. تطبيع يفجّر أزمة ثقة
تحتل السياسات الخارجية لكل من تركيا وأذربيجان مساحة واسعة في الخلافات والتباينات بين البلدين، ففي عام 2009، فجّر مسار التطبيع التركي الأرمني الخلاف مع باكو مجددًا، إذ سعت حكومة أردوغان إلى تحسين علاقاتها الإقليمية وفتح الحدود مع أرمينيا، فيما خشيت باكو أن تفقد ورقة ضغط على يريفان قبل التوصل إلى تسوية بشأن قره باغ وانسحاب القوات الأرمنية من الأراضي الأذربيجانية.
وكانت تركيا قد أغلقت حدودها البرية مع أرمينيا عام 1993، عقب احتلال كلبجار على حدود إقليم قره باغ، وأبقتها مغلقة تضامنًا مع أذربيجان.
زار أردوغان باكو في مايو/أيار 2009، وربط فتح الحدود مع أرمينيا بإنهاء الاحتلال الأرمني للأراضي الأذربيجانية، وأكد أمام البرلمان أن أنقرة ستتحرك بالتوافق مع الأذربيجانيين.
رحّب علييف بهذه التعهدات، لكن توقيع وزيري خارجية تركيا وأرمينيا بروتوكولي زيورخ في أكتوبر/تشرين الأول 2009 أعاد المخاوف من تقدم مسار التطبيع بمعزل عن مصير قره باغ.
وتعمقت التوترات بين البلدين بعد أيام من توقيع البروتوكولين، حين منعت السلطات التركية إدخال الأعلام الأذربيجانية إلى ملعب استضاف مباراة بين تركيا وأرمينيا في بورصة، واكتسبت الحادثة حساسية إضافية لأن المباراة جاءت في سياق التقارب الذي تعترض عليه باكو، فيما رفع معارضو التطبيع أعلام أذربيجان قرب الملعب، واستدعت الخارجية الأذربيجانية القائم بالأعمال التركي للاحتجاج على ما عدّته إساءة إلى علم بلادها.
ردًا على ذلك، أزالت السلطات المحلية في باكو أعلامًا تركية من مواقع عدة، بينها مقبرة الجنود الأتراك، وبرر مسؤولون أذربيجانيون الإجراء بالقواعد المنظمة لرفع أعلام الدول الأجنبية، وقدمت أنقرة مذكرة احتجاج على إنزال العلم التركي أمام مقر المستشارية الدينية التركية.
وزار وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو باكو في الشهر نفسه، وأكد الطرفان أن كلًا منهما لا يتعامل مع علم الآخر باعتباره علم دولة أجنبية، وتعهدت أنقرة بمحاسبة المسؤولين عن الإساءة إلى العلم الأذربيجاني في بورصة، فيما أعادت باكو رفع الأعلام التركية في المقبرة يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول، في خطوة رحبت بها الخارجية التركية.
الغاز.. صراع الأسعار والنفوذ
بدأت مفاوضات أسعار الغاز عام 2008، ثم زاد الخلاف بشأن التطبيع مع أرمينيا من تعقيدها. وأظهرت اتفاقات باكو مع روسيا وإيران سعيها إلى إيجاد خيارات إضافية لتصدير الغاز، واستخدامها كورقة ضغط على أنقرة في مفاوضات الأسعار.
اختلف الطرفان حول ما إذا كانت تركيا ستكتفي بدور بلد العبور، أم ستحصل على حق إعادة بيع الغاز في الأسواق الأوروبية، وهو ما كان سيحدد ما إذا كانت أنقرة ستحصل على رسوم العبور وحدها، أم ستجني أرباحًا إضافية من إعادة بيع الغاز.
وأقرّ وزير الطاقة التركي تانر يلدز في مارس/آذار 2010 بتوقف المحادثات، مشيرًا إلى أن المشكلة الأساسية كانت سياسية، بعدما أدى تراجع الثقة بين البلدين إلى صعوبة فصل الخلاف التجاري عن الحسابات الإقليمية.
واحتاجت باكو إلى السوق التركية وممرات العبور لإيصال غازها إلى أوروبا، فيما احتاجت أنقرة إلى الإمدادات الأذربيجانية لتلبية جزء من طلبها المحلي وتعزيز موقعها في نقل غاز بحر قزوين إلى الأسواق الأوروبية، فضلًا عن اكتساب ورقة تفاوضية في علاقاتها مع روسيا، أحد مورديها الرئيسيين للغاز.
وفي السابع من يونيو/حزيران 2010، وقّع وزيرا الطاقة وممثلو شركتي “بوتاش” و”سوكار” في إسطنبول تفاهمات بشأن بيع الغاز ونقله، بحضور علييف وأردوغان، ووافقت أنقرة على تعديل سعر الغاز وفق ظروف السوق، وتسوية الفروق المستحقة منذ عام 2008، كما اتفق الطرفان على رسوم العبور.
وقال مسؤول في وزارة الطاقة التركية إن السعر الجديد سيظل أقل من سعر الغاز الروسي، ما يفسر حرص أنقرة على استمرار الشراء رغم قبولها زيادة الأسعار، وواصل الطرفان التفاوض بشأن تفاصيل بيع الغاز وعبوره وتسعير الإمدادات المستقبلية.
وعززت أنقرة وباكو التنسيق بينهما بعد أزمات عامي 2009 و2010، فوقّعتا اتفاق الشراكة الاستراتيجية في أغسطس/آب 2010، وأنشأتا مجلس التعاون رفيع المستوى في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، وأضافت الاجتماعات الدورية إطارًا مؤسسيًا للتنسيق، إلى جانب الاتصالات الرئاسية التي أدت دورًا بارزًا في تسوية الأزمات السابقة.
وفي عام 2021، رفع إعلان شوشة، الذي جاء بعد حرب قره باغ عام 2020، العلاقات إلى مستوى التحالف، وجمع بين التشاور والمساعدة الأمنية ومبادئ السيادة وعدم التدخل واستقلال السياسة الخارجية.
يعيد التوتر الحالي اختبار هذا التوازن، إذ يتداخل السجال حول قيود الحجاب في المدارس الأذربيجانية مع تباين أوسع في المواقف تجاه إسرائيل، التي تحافظ باكو على شراكتها معها في ظل تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية، حيث تواجه أذربيجان وشركة “سوكار” انتقادات واتهامات بسبب النفط المتجه إلى إسرائيل عبر ميناء جيهان التركي، فيما سبق أن أكدت “سوكار تركيا” أنها تبيع النفط لشركات تجارية ولا تتحكم في وجهته النهائية.
وتمنح المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة الحكومتين دوافع لاحتواء الخلاف، كما حدث في الأزمات السابقة، فيما يبقى التوصل إلى تفاهمات تراعي استقلال قرار كل طرف شرطًا للحفاظ على الشراكة في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية.