لم يكن اسم فلسطين مطبوعاً على ورقة اقتراع واحدة في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، لكنه كان حاضراً في معركتها من أولها إلى آخرها وهذا الحضور القوي والواضح هو ما يستوقفني اليوم خلال متابعتي للانتخابات الامريكية أكثر من حساب المقاعد وتوزيعها.
تفيد الإسقاطات الصادرة صباح هذا اليوم بأن الديمقراطيين انتزعوا السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب وفي ميشيغان، أعلنت وكالة أسوشيتد برس فوز عبد السيد، الطبيب المولود لأبوين مهاجرين من مصر، بمقعد في مجلس الشيوخ، ليكون أول مسلم يُنتخب لعضويته في تاريخ الولايات المتحدة ولم يكن خطابه ليلة الانتخابات مجاملة انتخابية، فقد هاجم فيه “أيباك” ورفض أن تُستخدم أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في قتل أطفال فلسطين.
وفي ولاية مين، أقرّت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز بهزيمتها أمام تروي جاكسون، الذي يصف ما يجري في غزة بالإبادة ويدعو إلى وقف المساعدات لإسرائيل، وهو وصف تنفيه إسرائيل بشدة وصباح يوم الاقتراع نفسه، قال الرئيس دونالد ترامب لشبكة فوكس نيوز إن المساعدات السنوية لإسرائيل، وقدرها نحو أربعة مليارات دولار، ستتوقف بنهاية هذا العام وتساءل عن سبب تحمّل الجمهوريين هجمات خصوم مثل عبد السيد ما دامت إسرائيل لا تحتاج إليها، ويرى خبراء أن ذلك لن يتم بهذه السرعة، لأن الكونغرس هو من يخصص هذه الأموال.
لو قيل هذا الكلام قبل عقد من الزمن لعُدّ ضرباً من الخيال السياسي، فالقضية التي كانت تُطوى في هوامش السياسة الخارجية الأمريكية صارت سؤالاً يُطرح في الدوائر الانتخابية، وفي قاعات البلديات، وفي حسابات المتبرعين، حتى عدّها تحليل لشبكة CNN شأناً أمريكياً داخلياً!
وفي تقديري أن هذا الأمر يكشف وعياً متنامياً بأن فلسطين ليست ملفاً إقليمياً بعيداً، بل تجلٍّ لواقع يعيشه العالم كله بين سطوة مجموعات الضغط وأدواتها من جهة، ورغبة الشعوب في الانعتاق من جهة أخرى.
ما تقوله الأرقام
نصف الناخبين الأمريكيين تقريباً يرون اليوم أن دعم بلادهم لإسرائيل مفرط، فقد أظهر استطلاع آراء الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع، الذي نشرته شبكة NBC، أن 50% يصفون هذا الدعم بأنه أقوى مما ينبغي، مقابل 37% يرونه مناسباً، ونحو 13% يرونه غير كافٍ.
وترتفع النسبة الأولى إلى 76% بين الناخبين الشباب، وتنخفض إلى 38% بين من بلغوا الخامسة والستين فما فوق، ورأى 63% من الناخبين أن قرار العمل العسكري ضد إيران كان خاطئاً.
ولم يبدأ هذا التحول يوم الاقتراع، إذ سجّل استطلاع أجرته مؤسسة “غالوب” في فبراير/شباط الماضي سابقة منذ بدء قياس اتجاهات التعاطف مع طرفَي الصراع عام 2001، بعدما تقدّم التعاطف مع الفلسطينيين على التعاطف مع الإسرائيليين لأول مرة.
وأظهر الاستطلاع أن 41% من المشاركين يتعاطفون مع الفلسطينيين، مقابل 36% مع الإسرائيليين، مقارنةً بـ33% و46% على التوالي قبل عام. وارتفعت نسبة التعاطف مع الفلسطينيين إلى 65% بين الديمقراطيين، وتجاوزت النصف لأول مرة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا، مسجّلةً 53%، فيما تقدّمت بين الفئة العمرية من 35 إلى 54 عامًا بواقع 46% مقابل 28% للإسرائيليين.
وأيّد 57% قيام دولة فلسطينية، مقابل 28% عارضوا ذلك. ثم جاء استطلاع جامعة كوينيبياك في يونيو ليعزز هذا الاتجاه، إذ قال 48% من الناخبين المسجلين إن بلادهم تدعم إسرائيل أكثر مما ينبغي، وهي أعلى نسبة منذ طرح السؤال أول مرة عام 2017.
غير أن الأمانة تقتضي قراءة هذه الأرقام كاملة، فالفارق بين 41% و36% لا يبلغ حد الدلالة الإحصائية، ودلالته الحقيقية في الاتجاه لا في النسبة، إذ كانت إسرائيل تتقدم بفارق يقارب 43 نقطة في المتوسط بين عامي 2001 و2018. ولا يزال نحو سبعة من كل عشرة جمهوريين أقرب إلى الإسرائيليين، ولا تزال نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل (46% إيجابية) أفضل من نظرتهم إلى الأراضي الفلسطينية (37%).
أما أبلغ ما في هذا كله فهو “الجيل” فالمعركة على الرواية تُحسم، في الغالب، عند الذين سيصوتون خلال خمسين عاماً قادمة، لا عند الذين رسخت قناعاتهم منذ عقود بل إن كثيراً من هؤلاء الشباب لم يتلقوا صورة غزة عبر مذيع يختار لهم الزاوية والعبارة، بل من شاشات هواتفهم مباشرة. وهذا موضع يستحق وقفة ممن يعمل مثلي في الإعلام الرقمي، فحين انكسر احتكار الرواية، انكشف ما كان محجوباً، وصار على القوة السياسية أن تواجه جمهوراً لم يعد ينتظر إذنها كي يرى.
ومع هذا كله، قدّمت غزة، بما دفعته من دماء وأثمان، جرعات من الوعي لا تُنكر فقد خلصت لجنة أممية الشهر الماضي إلى أن إسرائيل تواصل ارتكاب الإبادة في القطاع حتى بعد وقف إطلاق النار، وهي نتيجة وصفتها إسرائيل بأنها جزء من حملة تضليل وليس المهم هنا أن العالم قد اتفق على توصيف واحد، فهو لم يتفق. المهم أن السؤال نفسه لم يعد ممكناً إسكاته في الفضاء الأمريكي العام.
معركة المال والضمير
أوضح ما يجسد هذا الصراع هو ما جرى لمنظمة “أيباك”، إحدى أكثر مجموعات الضغط نفوذاً في واشنطن، فقد صار اسمها نفسه عبئاً على بعض من كانوا يتسابقون إلى رضاها، وهذا تحول لا تكفي الأرقام المالية وحدها لشرحه.
في ميشيغان، أنفقت ذراعها المالية، “مشروع الديمقراطية المتحدة”، أكثر من 30 مليون دولار لإسقاط عبد السيد في الانتخابات التمهيدية، فكان الإنفاق الأكبر لها وكانت خيبتها الأكبر والأعجب أن منافسه الجمهوري مايك روجرز نفسه طلب، بحسب تقارير صحفية، ألا تدير المنظمة حملة لمصلحته، قبل أن يرحب بدعمها لاحقاً. وأعلن مرشحون وسياسيون بارزون قطع صلتهم بأموالها، ومنهم النائب سيث مولتون، كما تعهد بذلك حاكما كاليفورنيا وإلينوي وهما من الأسماء المطروحة لرئاسيات 2028.
وبلغ الأمر ذروته في 21 أكتوبر الماضي، حين أعلنت “أيباك” وقف تزكية المرشحين والتبرع المباشر لهم وأقرّت في رسالتها إلى أعضائها بأن التحديات التي تواجهها ستتعاظم في السنوات المقبلة وهذه جملة لها وزنها حين تصدر عن منظمة قام شعارها طويلاً على أن تأييد إسرائيل سياسة جيدة وانتخابات رابحة.
لكن من يقرأ هذا المشهد على أنه هزيمة نهائية يخدع نفسه فبحسب تحقيق موقع “ذي إنترسبت” أنفقت “أيباك” وذراعها في هذه الدورة على 333 مقعداً من أصل 473 مقعداً جرى التنافس عليها، وبلغ مجموع إنفاقهما المباشر نحو 120 مليون دولار، مقارنة بنحو 95 مليوناً في الدورة السابقة، وظل مرشحوهما يفوزون أكثر بكثير مما يخسرون وقد أسهمت، إلى جانب دعم ترامب، في إقصاء النائب الجمهوري توماس ماسي في الانتخابات التمهيدية بكنتاكي، ودعمت ويسلي بيل حتى هزم كوري بوش في ميزوري.
والأهم أن ما تغير هو الأسلوب أكثر من الهدف فقد ضخّت الذراع المالية 13.1 مليون دولار عبر لجان أخرى، بعضها تأسس قبيل الانتخابات بأسماء لا تدل على أي صلة بإسرائيل، ثم انحل بعد انتهاء مهمته وإن كانت إحدى هذه اللجان ترفض هذا الوصف وتقول إن دعمها لا يتوقف على الموقف من إسرائيل.
والناطق باسم المنظمة نفسها أكد لإذاعة NPR أن الرسالة والاستراتيجية باقيتان، وأن أعضاءها قدموا للمرشحين مباشرة أكثر من 90 مليون دولار في هذه الدورة. ولخّصت لارا فريدمان، رئيسة مؤسسة السلام في الشرق الأوسط، الأمر بعبارة دالة، إذ رأت أن العلامة التجارية للمنظمة صارت مشعة سياسياً.
وهنا درس يعرفه كل من اشتغل بالسمعة الرقمية قد تملك المال كله، وتخسر مع ذلك السمعة التي كان المال يشتريها وحين تصبح السمعة عبئاً، تلجأ المؤسسات إلى التخفي، والتخفي نفسه اعتراف. هذا ما أسميه معارك “كسر العظم” القادمة فليس بين أيدينا طرف منتصر أو خاسر بصورة حاسمة، بل قوة قديمة تعيد تموضعها، وقوة ناشئة ما زالت تفتقر إلى المال والمؤسسة، ويغذيها وعي جيل كامل.
والتمييز هنا واجب أخلاقي ومهني معاً فهذه معركة مع سياسات ومجموعة ضغط، وليست مع يهود أمريكا، الذين لا يصح اختزالهم في موقف واحد، فبحسب استطلاع الخروج، توزع الناخبون اليهود بين 38% يرون دعم إسرائيل مناسباً، و33% يرونه غير كافٍ، و29% يرونه مفرطاً، وهو موقف يختلف عن عموم الناخبين، لكنهم منحوا الديمقراطيين تقدماً بفارق 34 نقطة في انتخابات مجلس النواب بحسب استطلاع لشبكة CNBC.
وفي استطلاع أجرته مؤسسة GBAO في مارس لمصلحة منظمة “جي ستريت” الليبرالية المؤيدة لإسرائيل، عارض 66% من اليهود الأمريكيين إنفاق “أيباك” أموالاً جمعتها من متبرعين جمهوريين في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، وبلغت النسبة 74% بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً.
لكن استطلاعاً آخر في الفترة نفسها أظهر أن 39% منهم ينظرون إلى “أيباك” نظرة إيجابية مقابل 29% نظرة سلبية. ومن أبرز منتقدي الحرب في هذه الدورة مرشحون يهود مثل براد لاندر وسكوت وينر. ومن يخلط بين الأمرين يقدّم لخصمه أثمن هدية.
القدس مرآة الموازين
دائماً ما كنت أقول، في كل محاضرة أو ندوة عن الاستقراء التاريخي، إن القدس عبر التاريخ كانت تجلياً لواقع عالمي، فمن تعلو كلمته في زمانه يسعى إلى بسط يده عليها، إقراراً معنوياً بتفوقه، فالمدينة لم تكن يوماً أغنى مدن الشرق ولا أوفرها موارد، لكن السيطرة عليها وعلى فلسطين من حولها ظلت دليل سيادة وتمدد وقوة.
في العالم القديم، تكشف رسائل تل العمارنة من القرن الرابع عشر قبل الميلاد حاكم أورشليم وهو يستنجد بفرعون مصر، سيده يومذاك ثم جاء الآشوريون، فحاصر سنحاريب المدينة عام 701 ق.م. وفرض عليها الجزية، وإن لم يدخلها، ثم أسقطها نبوخذ نصر البابلي عام 586 ق.م.، وبعده انتقلت إلى الفرس مع قورش، فإلى الفضاء الهلنستي بعد الإسكندر.
وامتد العرف إلى روما، حين دخلها بومبي عام 63 ق.م.، ثم دمرها تيطس عام 70 للميلاد، ثم ألبسها الأباطرة ثوباً مسيحياً منذ قسطنطين، وحين ظفر هرقل بالفرس، لم يكن مصادفة أن يتوجه عام 630م إلى القدس ليعيد إليها الصليب، فقد كان ذلك إعلان النصر الأتم في حرب عالمية بمقاييس عصرها.
وبعد ذلك بسنوات قليلة، تذكر المصادر الإسلامية أن الخليفة عمر بن الخطاب تسلّم مفاتيح المدينة بنفسه، ولم يكتفِ بإرسال قائد من قادته. وكانت تلك الخطوة، بما رافقها من عهد أمان لأهلها، إعلاناً عن ميلاد مركز جديد للعالم ثم سقطت بيد الحملة الصليبية الأولى عام 1099م، فجعل منها الغرب اللاتيني عنوان اندفاعته، ثم استردها صلاح الدين عام 1187م بعد حطين، فكانت تتويجاً لوحدة مصر والشام وحكمها المماليك، قاهرو المغول في عين جالوت، ثم دخلت في السيادة العثمانية مع سليم الأول بين عامي 1516 و1517م، وخلّد سليمان القانوني نفوذ دولته في أسوارها التي ما زالت قائمة إلى اليوم.
وفي 1917م، حين دخلها الجنرال البريطاني إدموند اللنبي، كانت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس تكتب بمشهد واحد نهاية عالم وبداية آخر ثم انتقل ثقل التأثير، في تقديري، إلى واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية، لا بالحكم المباشر هذه المرة، بل برعاية إسرائيل التي احتلت الشطر الشرقي من المدينة عام 1967، وهو احتلال رأت محكمة العدل الدولية عام 2024 أن استمراره غير مشروع وحين اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في ديسمبر 2017، ونقل سفارة بلاده إليها في مايو 2018، بدا الأمر امتداداً حديثاً للعرف القديم، القوة العظمى تسعى إلى أن تقرر بتوقيعها مصير المدينة، ولو خالفتها أغلبية واسعة من دول الأمم المتحدة.
هذا هو ما أعنيه بالمرآة ولا أزعم أنه قانون حتمي كقوانين الطبيعة، فقد حكم القدس أحياناً من لم يكن سيد العالم، وإنما كان سيد إقليمه، وأفلتت من يد قوى عظمى كثيرة لكن النمط يتكرر بما يكفي لكي نسأل السؤال المعاكس: إذا كانت القدس مرآة لموازين العالم، فماذا يعني أن يتصدع الإجماع على مصيرها داخل عاصمة القوة الأولى نفسها؟
الجواب الذي أميل إليه أننا لا نشهد تبدلاً في موقف من قضية خارجية فحسب، بل تململاً داخل البنية نفسها ففي قراءتي، أخذ قطاع متزايد من الوعي الجمعي الأمريكي يدرك أنه ليس حراً بما يكفي، وأن المال السياسي يؤثر في سياسة بلاده الخارجية، بينما يشكو هو من غلاء المعيشة.
لذلك تُخاض اليوم في الغرب معركة حقيقية للتحرر، لها وجهان: وجه فلسطيني، ووجه أمريكي يخص الأمريكي نفسه. وقد علمنا القرآن أن الأيام دول: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]، وتحدث ابن خلدون عن أطوار الدول وأعمارها وأحسب أن التشققات الأولى قلّما تُفهم في أوانها، ولا يتضح معناها إلا بعد حين.
ما لا ينبغي أن نبالغ فيه
الاحتفاء بهذه اللحظة لا يعفينا من الاعتراف بأن قراءتها موضع خلاف حقيقي، وأن كثيراً مما يقال في عالمنا العربي عنها يتجاوز ما تحتمله الوقائع.
أولاً، لم تكن هذه الانتخابات استفتاءً على فلسطين فبحسب استطلاعات الخروج، تصدّر الاقتصاد قضايا الناخبين بنسبة 39%، تلته حالة الديمقراطية بنسبة 32%، بينما لم تتجاوز السياسة الخارجية 4%. ورأى كثيرون في التصويت محاسبة لترامب على الغلاء قبل أي شيء آخر.
وحتى الحرب على إيران عدّها نحو ثلث الناخبين عاملاً حاسماً في تصويتهم، وهي نسبة أقل ممن وضعوا غلاء المعيشة والفساد في المقدمة. وخاض عبد السيد نفسه حملته على الرعاية الصحية الشاملة وفرض الضرائب على الأثرياء إلى جانب موقفه من غزة. والأدق أن نقول إن فلسطين صارت جزءاً من حزمة الغضب، لا سببها الوحيد.
ثانياً، قد لا يكون إنهاء المساعدات تحولاً استراتيجياً كما يبدو، فقد قال ترامب إن القرار جاء باتفاق مع نتنياهو، وكان نتنياهو نفسه قد أعلن رغبته في إنهاء اعتماد إسرائيل على المساعدات الأمريكية بنهاية هذا العقد، وقال السفير مايك هاكابي في يونيو إن المذكرة المقبلة ستنهي المساعدات وتقوم على التجارة.
وفي المقابل، رأى أنشيل بفيفر، كاتب سيرة نتنياهو، في الإعلان المفاجئ إخفاقاً شخصياً لنتنياهو فقد يتغير عنوان العلاقة دون أن يتغير جوهرها، وتبقى إسرائيل مشترية للسلاح الأمريكي وشريكة في الاستخبارات والتقنية.
ثالثاً، للطرف الآخر حججه، ولا يصح أن نغفلها فالمدافعون عن “أيباك” يرون أنها نشاط مدني مشروع، وتقول المنظمة إنها تضم خمسة ملايين عضو يرون التحالف مع إسرائيل سياسة صائبة، وتشير إلى أن أكثر من 215 مرشحاً دعمتهم من الحزبين فازوا بترشيح أحزابهم.
وقال اتحاد اليهودية الإصلاحية في أبريل إن اللغة القاسية المستخدمة ضدها تقارب معاداة السامية، وتقع فيها أحياناً وفي ميشيغان نفسها، عبّر ناخبون يهود عن ألم حقيقي من تعليق لعبد السيد على هجوم استهدف كنيساً، اعتذر عنه لاحقاً. وفي المقابل، وصفه ترامب في تجمع انتخابي بأنه عضو جهادي في جماعة الإخوان المسلمين، ورأى السيناتور بيرني ساندرز أن خصومه يهاجمونه لأنه مسلم، وهذا يذكّرنا بأن الاستقطاب يجرح من الجانبين.
رابعاً، قد يتحول التعاطف إلى انقسام حزبي صلب لا إلى إجماع جديد فالفجوة الواسعة بين الديمقراطيين والجمهوريين تعني أن القضية قد تصبح ورقة في صراع داخلي أمريكي، تعلو وتهبط بتبدل الأغلبيات وقد رفض مجلس النواب في يوليو الماضي تعديلاً قدّمه توماس ماسي لوقف 3.3 مليارات دولار من التمويل العسكري فوراً وأيده 103 من الديمقراطيين البالغ عددهم 212، وعارضه 98، بينما لم يؤيده من الجمهوريين غير ماسي. فالتحول في الرأي العام لا يُترجم تلقائياً إلى تشريع، وإن كان يقترب منه.
هذا كله لا يلغي دلالة ما جرى، لكنه يحفظها في حجمها الصحيح: انعطافة حقيقية في التاريخ، لم تُحسم وجهتها بعد.
هل نعجز أن نكون كتلك الحمامة؟
على كل حال، نحن خارج المعادلة للأسف فلا نحن من يكتب الموازنات في واشنطن، ولا من يملأ صناديق ميشيغان ومين، والذي حرّك هذا الوعي هو دماء أهل غزة وأثمانها الفادحة، لا بياناتنا ولا مؤتمراتنا. ومن الصدق أن نبدأ بهذا الاعتراف، بدل أن ننسب لأنفسنا نصراً لم نصنعه.
لكن الخروج من المعادلة لا يعني الخروج من المسؤولية وقد نبّهنا مالك بن نبي منذ عقود إلى أن العلة ليست في قوة الخصم وحدها، بل في “القابلية للاستعمار” التي تسمح لهذه القوة بأن تستمر وأحسب أن أخطر ما نواجهه اليوم هو أن يتحول شعورنا بالعجز إلى ذريعة للصمت.
تتناقل الذاكرة الشعبية قصة الحمامة التي حملت الماء بمنقارها نحو النار التي أُلقي فيها سيدنا إبراهيم عليه السلام لم تكن تجهل أن قطرتها لن تطفئ ناراً كتلك، لكنها أرادت أن تسجل موقفاً، وأن تكون في الجانب الصحيح من التاريخ.
وهو المعنى ذاته الذي قاله أولئك الذين نهوا عن المنكر في أصحاب السبت حين سُئلوا عن جدوى وعظهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164]. فالمعذرة أولاً، والأثر بعد ذلك على من بيده الأمر.
وماذا تعني قطرة الحمامة في زماننا؟ أظنها أموراً في متناولنا، أولها صدق المعلومة، بأن ننقل الرقم من مصدره ونعترف بما يخالف رغبتنا، فالرواية المدققة أنفذ إلى عقل الغربي من ألف شعار وثانيها صناعة المحتوى، بأن يتعلم شبابنا مخاطبة العالم بلغته، فقد أثبتت غزة أن هاتفاً صادقاً قد يهز ما لم تهزه خطابات طويلة.
وثالثها حفظ السمعة، بأن نفصل بوضوح بين نقد السياسات وكراهية الأديان، فكل انزلاق من الأول إلى الثانية سلاح نقدمه مجاناً لمن يريد إسكاتنا
ورابعها البناء الطويل في مراكز البحث والتدريب والإعلام، بمنطق الحديث: “إنْ قامَتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكمْ فَسِيلةٌ، فإنِ استطاعَ أنْ لا تقومَ حتى يَغرِسَها فلْيغرِسْهَا”.
قد نشهد في الفترة القادمة كثيراً من معارك “كسر العظم”، وقد تتراجع موجة وتعلو أخرى. وقد تخرج أمريكا من هذا الجدل كما دخلته في كثير من سياساتها. لكن التاريخ لا يسأل كل شاهد عن حجم ما غيّره، بقدر ما يسجل أين وقف حين كانت النار مشتعلة.
فإذا كانت القدس قد ظلت عبر القرون مرآة لموازين العالم، فهي أيضاً مرآة لكل واحد منا. فلننظر فيها، ولنسأل أنفسنا سؤالاً واحداً: هل نعجز حقاً أن نكون كتلك الحمامة؟