برز مؤشر جديد على استمرار احتضان منطقة الساحل لبؤر الإرهاب، إذ أصدر معهد الاقتصاد والسلام، يوم 19 آذار/مارس 2026، تقرير مؤشر الإرهاب العالمي، الذي كشف أن منطقة الساحل الأفريقي (تضم مالي، النيجر، تشاد، موريتانيا، وبوركينا فاسو بشكل أساسي) لا تزال تستحوذ على أكثر من نصف ضحايا الإرهاب في العالم، في ظل فراغ أمني متزايد، عقب الانسحاب الفرنسي والغربي شبه الكامل من المنطقة.
ويشكّل هذا الإرهاب تهديدًا على الدول العربية أيضًا، رغم رصد مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2025 أدنى مستويات الهجمات والوفيات منذ 2007، بتراجع 28% في الوفيات و22% في الهجمات، إلا أن هذا التصاعد يخفي تمركزًا حادًا للعنف في دول الساحل المجاورة للدول العربية مثل النيجر الحدودية مع الجزائر.
يسعى هذا المقال إلى تشريح إشكالية محورية: فرغم أن منطقة الساحل باتت من أشد بؤر الإرهاب اشتعالًا على مستوى العالم، يظل التساؤل قائمًا حول طبيعة الخريطة التي ترسمها الجماعات المسلحة لعملياتها في هذه المنطقة، والتداعيات التي أفرزها الانسحاب الغربي منها على تصاعد الفوضى الأمنية ومدّ التطرف.
دلالات مؤشر الإرهاب عن منطقة الساحل الأفريقي
حسب تقرير معهد الاقتصاد والسلام، شهدت منطقة الساحل 51% من وفيات الإرهاب في العالم، وست من عشرة دول الأكثر تضررًا تقع في إفريقيا جنوب الصحراء.
وحذّر ستيف كيلييلا، مؤسس معهد الاقتصاد والسلام، من أن المحركات البنيوية للإرهاب تتعمّق رغم الأرقام المطمئنة، “إذ يرسم 2026 تقاطعًا خطيرًا: انهيار إيراني محتمل يُفرز بيئة للتنظيمات المسلحة، وتردٍّ اقتصادي غربي، وتوظيف متنامٍ للطائرات المسيّرة من قِبَل الجماعات الإرهابية”، حسب كيلييلا.
ويرى محمد تورشين، باحث في الشؤون الإفريقية، في حديثه لـ”نون بوست”، أن دول الساحل هي من أهم الدول التي تعد ظاهرة الإرهاب منتشرة فيها بسبب الفراغ الأمني، وكذلك عدم قدرة الحكومات، لا سيما دول “كونفدرالية دول الساحل” التي تتكون من مالي، وكذلك من النيجر وبوركينا فاسو، من تحقيق السيطرة الكاملة على التراب الوطني.
-
انفجار قرب مطار نيامي في النيجر، أرشيفية
ومن جهته، يرى عزيز احلوى، باحث في الأنثروبولوجيا ومتخصص في قضايا الإرهاب، في حديثه لـ”نون بوست” أن غياب القوة المركزية أو الدولة المركزية يمكّن هذه الجماعات القبلية والإثنية وشبه الإثنية واللغوية أن تكون قادرة على تكوين أُسس كثيرة لاحتضان هذه الفكرة المتطرفة بكل سهولة.
وأضاف احلوى: “بالإضافة لغياب السلطة والدولة والقانون المدني والدستور، هناك تفقير ممنهج موروث من الفترة الاستعمارية الفرنسية للحدود الآن، يكتمل بوجود ديكتاتوريات سياسية أبقت تلك الشعوب في فقر مُدقع والحاجة الماسة للمؤسسات والخدمات الاجتماعية. فغياب هذه الخدمات يمكّن خطاب الجماعات المتطرفة من التأثير بسهولة إلى هذه الفئة الهشة”.
أية خريطة للجماعات المسلحة في منطقة الساحل؟
تُهيمن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة على المشهد في منطقة الساحل، وتتمركز أساسًا في مالي قبل أن تمتد عملياتها إلى بوركينا فاسو والنيجر. وتتنافس على النفوذ ذاته فروع تنظيم داعش في الصحراء الكبرى.
وهناك بعض الجماعات التي لديها مطالب سياسية، وهي “تنسيقية حركات أزواد”، التي لديها رغبة في الاستقلال بإقليم أزواد، وقد وُقّع اتفاق بينها وبين الحكومة المالية، لكن باماكو أعلنت انسحابها منه رسميًا في كانون الثاني/يناير 2024، وكان الاتفاق اسمه “اتفاق الجزائر” وجرى توقيعه عام 2015.
وحسب الباحث تورشين، “هناك حركة أيضًا ذات بُعد سياسي هي “حركة تحرير ماسينا”، التي ينحدر منها مجموعات كبيرة من الفلان (من أكبر المجموعات العرقية في غرب أفريقيا)، وعندما أدركت بأن الحكومة لن تستجيب لمطالبها، لجأت إلى التحالف مع حركة “أنصار الدين” وكذلك إمارة الصحراء. كلهم اجتمعوا وشكلّوا “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، ومن بعد سمّوا أنفسهم أيضًا جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، وبايعوا القاعدة”.
ويضيف تورشين: “هناك مجموعات من داعش، وهي مجموعات متواجدة ولديها انتشار كبير، ولديها تنسيق أيضًا مع جماعة “بوكو حرام” في شمال نيجيريا. هذه المجموعات بينها تنسيق، بما في ذلك الجماعات السياسية، تتشارك العمليات العسكرية في المناطق الشرقية والشمالية، وكذلك الوسطى في كل من مالي وبوركينا فاسو”.
-
مدنيون يعودون إلى منازلهم بعد نزوحهم خلال الاشتباكات بين حركة 23 مارس وجيش الكونغو الديمقراطية (رويترز)
ما الخطر الذي تواجهه الدول العربية في المنطقة؟
من بين أكثر الدول تضررًا بتداعيات الإرهاب في منطقة الساحل هي المغرب، و الجزائر، وتونس، ومصر (عبر بوابة ليبيا) ثم ليبيا التي تشكّل الحلقة الأخطر في هذه المعادلة؛ إذ باتت نقطة عبور رئيسية للأسلحة والمقاتلين والموارد المالية باتجاه عمق الساحل الأفريقي، في ظل فراغ أمني يمنح الجماعات المسلحة فرصة لإعادة التمركز وتوسيع نطاق عملياتها.
والخطر لا يقف عند الحدود الليبية؛ فمنطقة فزّان الصحراوية الشاسعة تحوّلت إلى ملاذ آمن لخلايا داعش والقاعدة في المغرب الإسلامي، التي تستثمر تهريب الأسلحة والاتجار بالبشر لتمويل عملياتها ونقل مقاتليها نحو الساحل.
وحسب الباحث احلوى، رغم خطورة الإرهاب في منطقة الساحل، هناك تحولات سوسيولوجية مهمة وأنثروبولوجية على مستوى الذهنيات عند الشباب العرب وتراجع تجنيدهم، بسبب الخروج من قوقعات دغدغة المشاعر بالخطاب الديني المتطرف، بما فيها المغرب الكبير.
ويفسر الباحث هذا التغير: “أسهم تطور العالم الرقمي وسهولة الوصول إلى المعلومة في تراجع تأثير الخطاب المتطرف خصوصًا خلال آخر السنوات، إذ لم تعد القنوات والمواقع المتطرفة تحتكر مصادر المعلومة كما كانت من قبل، بل أفرز الفضاء الرقمي أشكالًا متعددة من التشكيك في هذه الخطابات، مما أدى إلى إحجام كثير من الشباب عن الانخراط في هذه الحركات”.
غير أن الدول العربية، حسب الباحث تورشين، تواجه خطرًا كبيرًا، لا سيما الدول المجاورة للساحل، خصوصا الدول المغاربية بدءًا من ليبيا مرورًا بالجزائر، وكذلك المغرب.
ويضيف تورشين: “الطبيعي جدًا أن تتسلل تلك الجماعات بشكل أو بآخر لتنفيذ عمليات في العمق المغاربي، الجهادية، سواء كانت داعشية أو قاعدية، لا تحدّها حدود، ويمكن لبعض الشباب أو بعض الجماعات المنتمية لهذه الفكرة الدخول إلى الساحل ومن بعد تلقي تدريباتها، فيمكن أيضًا توظيفها في زعزعة الأمن والاستقرار في بلدان المغرب العربي”.
من يملأ الفراغ الأمني في المنطقة؟
انسحبت فرنسا من مالي وبوركينا فاسو والنيجر تحت ضغط الانقلابات العسكرية المتتالية، ثم أعلنت واشنطن تقليص وجودها العسكري في المنطقة، تاركتَين فراغًا أمنيًا هائلًا.
وقد سارعت روسيا عبر مجموعة فاغنر- التي خلفتها اليوم “أفريقيا كور” تحت إشراف مباشر من وزارة الدفاع الروسية- إلى ملء هذا الفراغ، غير أن سجلها الميداني يكشف، حسب رأي مراقبين، عن نهج قائم على حماية الأنظمة لا على مكافحة الإرهاب.
وقد تجسد الوجود الفرنسي سواء كان في إطار عملية “سيرفال الأولى”، التي أُطلقت في عهد الرئيس فرانسوا هولاند وأسهمت، حسب باريس في محاصرة المسلحين قبل السيطرة على باماكو، وكذلك في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، مع تطور عملية “برخان” التي شملت دول الساحل.
كما أن الانسحاب الفرنسي، وكذلك انسحاب قوات الأمم المتحدة، ترك فراغًا أمنيًا كبيرًا، لا سيما بأن الحكومات والمجالس العسكرية الحاكمة في تلك البلدان كانت تحمل فرنسا مسؤولية الإخفاق والفشل الأمني.
ويرى تورشين بأن الفراغ الأمني قائم حتى الآن، بالرغم من أن دول الساحل استعانت بروسيا، وكذلك استعانت بالخبرات العسكرية لتركيا، لا سيما فيما يتعلق بحصولها على المسيرات القتالية المتطورة، لكن قدرتها على الحد من تنامي ظاهرة الإرهاب ما زالت محدودة، بسبب الحاضنة الاجتماعية للمجموعات الجهادية، و”مشكلات مرتبطة بعدم قدرة الدولة على توفير مشاريع تنموية. فبالتالي هذا يؤكد بأن الإرهاب سيظل حاضرًا”، حسب الباحث.

