حين نتحدث عن الشرق الأوسط ودوره في العلاقات بالقوى الكبرى، تتبادر لأذهاننا عادة أسماء البلدان الأبرز في الصراعات الدائرة الآن، مثل تركيا وإيران ومصر ودول الخليج، والقوى الكبرى الأكثر نفوذًا بالمنطقة، مثل الولايات المتحدة وروسيا وربما يتطرق حديثنا للصين، بيد أنه بعيدًا عن قلب المنطقة المشتعل، وبالاتجاه ناحية أقصى الشرق، تقبع واحدة من الدول العربية ذات الدور المهم والهادئ في آن، وهي سلطنة عُمان صاحبة الدور الدبلوماسي المحوري في مفاوضات الغرب مع إيران، وهي ليست فقط على علاقة جيدة بإيران على عكس معظم دول مجلس التعاون الخليجي، وبعيدة عن تأييد مغامرات السعودية في اليمن، بل إن التباعد بينها وبين الرياض يشمل جنوب آسيا حيث الصراع التقليدي بين الهند وباكستان.

تأييد باكستان على طول الخط ضد الهند هي سياسة قديمة لدول الخليج، أولًا بحكم وجود باكستان والخليج معًا في التحالف الأمريكي أثناء الحرب الباردة، بالمقارنة مع نظام عبد الناصر في مصر وحكومة نهرو في الهند واللتين التزمتا رسميًا سياسة عدم الانحياز، وانحازتا فعليًا ناحية الاتحاد السوفيتي، وثانيًا بحُكم الملف الأفغاني، والذي دعم فيه الخليج بقوة المجموعات الجهادية في الثمانينيات وصاعدًا إلى جانب باكستان، في حين تحفظت إيران لأسباب مذهبية واضحة لتقترب من الموقف الهندي، وهي محاور لا تزال تشكل الصراع في أفغانستان.

على العكس من كافة دول الخليج، لا تلتزم عُمان على الإطلاق بخط السياسة الخليجية التقليدية، والسبب الرئيسي هو علاقاتها التاريخية والمتجذرة بالهند لقرون، وهي علاقة ازدادت ترسخًا مع الاستعمار البريطاني الذي تمركز بشكل قوي في عُمان بالقُرب من وجوده في الهند وشكّل بالتالي علاقات الطرفين الاقتصادية والعسكرية معًا، والتي وصلت لاستخدام عُمان لعُملة "الروبي" الهندية حتى ستينيات القرن الماضي، أضف لذلك بالطبع الثقافية العُمانية الإباضية في معظمها، والتي تبتعد عامة عن الصراعات المذهبية السنية الشيعية سواء في المشرق أو أفغانستان، وتلتزم خطًا أكثر حيادية وتوازنًا من بقية دول الخليج، وهي أسباب أدت كلها لنشوء تحالف هادئ بين عُمان بموقعها المميز على البحر العربي والخليج الفارسي ومضيق هرمز، والهند كقوة آسيوية صاعدة خلف الصين مباشرة.

التحالف العربي الأقدم

طابع بريد هندي صدر أيام الاستعمار البريطاني، وكتب عليه اسم سلالة آل بو سعيد ليكون صالحًا للاستخدام في عُمان

قبل حوالي ستة أشهر تحركت سُفن تابعة للبحرية الهندية مع نظيرتها العُمانية في رحلة رمزية من العاصمة مسقط إلى مدينة كوتشي بولاية كيرالا الهندية المطلة على البحر العربي، وهي رحلة أتت احتفالًا بالذكرى الستين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في العصر الحديث، وكذلك بتاريخ طويل من العلاقات التجارية بين الشاطئ الغربي للهند وشواطئ عُمان التي امتدت إمبراطوريتها في السابق تحت حُكم سلالة آل بو سعيد لتشمل أجزاءً من شرق أفريقيا علاوة على دولة الإمارات اليوم، وهي سلالة لا تزال تحكم البلاد إلى اليوم.

ليس غريبًا إذن أن يعج الفريق الوطني العُماني لرياضة الكريكت بالكثير من الهنود، وهي رياضة ورثتها دول جنوب آسيا عن الاستعمار البريطاني أصلًا (توقفت في مصر مثلًا منذ الحرب العالمية الثانية)، آخرهم قائد الفريق نفسه أجاي لالشيتا، والذي حصل على شارة القيادة قبل أسابيع، بيد أن العلاقة الوطيدة بين الهند وعُمان لا تقتصر على تلك الرمزيات، فهناك علاقة عسكرية هي الأقوى بين عُمان وأي بلد آخر، كان آخرها زيارة ضخمة منذ أيام بقيادة وزير الدفاع الهندي مانوهار باريكار، ووفد من العسكريين وبعض المسؤولين بوزارة الدفاع وبالشركات الهندية في مجال الدفاع، حيث تم توقيع أربع مذكرات تفاهم مع الجانب العماني، وهي واحدة من أكبر الزيارات التي قام بها باريكار، في إشارة واضحة لأهمية عُمان بالنسبة لإستراتيجية الهند في المحيط الهندي والبحر العربي الذي تشاركه بالأساس مع باكستان.

شملت المذكرات الأربع مذكرة بخصوص التعاون بين وزارتي دفاع البلدين، ومذكرة لتعزيز التعاون بين قوات خفر السواحل العمانية والهندية لوقف الجرائم المختلفة في البحر، ومذكرة للتعاون البحري بشكل عام بين حكومتي البلدين، واتفاقية بين سلاح الجو السلطاني العُماني والقوات الجوية الهندية لتبادل المعلومات حول أمن الطيران، هذا بالإضافة لمناقشة الطرفين إمكانية بناء منشآت للصناعة العسكرية من جانب الهند على الأراضي العُمانية، وعقد صفقات جديدة لتصدير السلاح الهندي لعُمان، علمًا بأن الجيش العُماني يمتلك الكثير من السلاح العُماني، أكثره رمزية ربما البندقية الرئيسية لضباط الجيش والتي تستوردها مسقط من الهند.

العلاقات البحرية الوطيدة تشمل تدريبات عسكرية تجري كل عامين كان آخرها عام 2015، وهي تدريبات تتم منذ العام 1993، وخلقت فعليًا تحالفًا عسكريًا قويًا جعل من القوات العُمانية الأكثر كفاءة في التعاون مع الهند وتشغيل قواتها معها بشكل مشترك لأداء مهام مختلفة، على غرار ما تقوم به الولايات المتحدة مع حلفائها في حلف الناتو ودول الخليج، ناهيك عن تبلور تلك العلاقة بشكل أكبر خلال العقد المنصرم أثناء رئاسة وزراء مانموهان سينغ في الهند، والذي حصل على حق استخدام السفن العسكرية الهندية للموانئ العُمانية، ودشّن كذلك تدريبات كل عامين بين سلاحي الجو أيضًا لأول مرة، حيث جرت أول مناورات جوية بينهما عام 2009 ثم عام 2011.

أهداف الإستراتيجية الهندية

تهدف الهند بشكل عام للاستفادة من وجود ظهير قوي في المحيط الهندي وقريب لها جغرافيًا مثل عُمان، لا سيما في احتواء النفوذ الصيني المتزايد في المحيط، والذي يتجسد في العلاقات القوية بين الصين وباكستان كما هو متوقع، وكذلك بنشاطات الصين الإنشائية والتجارية والعسكرية في سريلانكا الواقعة جنوبي الهند مباشرة، ومع دول متعددة منها ميانمار (بورما) أحد حلفاء الصين إقليميًا وتايلاند ودول أخرى بالساحل الشرقي للقارة الأفريقية، وللمفارقة فإن الهند تنسج علاقاتها حاليًا مع الدول التي استعمرها البريطانيون سابقًا لتعزيز موقعها بالنظر لامتلك تلك الدول وجيوشها أنظمة مشتركة موروثة من البريطانيين، وأبرزها إندونيسيا المتوجسة من تنامي النفوذ الصيني هي الأخرى، وكينيا وتنزانيا.

تمتلك الهند أيضًا علاقات وطيدة مع إيران وتقوم بمناورات وتدريبات عسكرية مشتركة مع الجيش الإيراني بين الحين والآخر فيما يمكن اعتباره محور ثلاثي في البحر العربي بين الهند وإيران وعُمان، مقابل المحور الباكستاني الخليجي المدعوم أمريكيًا حتى الآن، وهو محور شهدت معه الهند تزايد استثماراتها وتجارتها في إيران، ومحاولة تدشين مشروع لخط الغاز بينها وبين إيران يمر تحت الماء عبر عُمان بدلًا من مروره عبر باكستان بشكل يجعلها عُرضة للضغوط الباكستانية بين الحين والآخر.

بشكل عام فإن باكستان تشكل اليوم مشاكل عدة للهند، ليس لقدرتها على المنافسة العسكرية والاقتصادية بنفسها، وهي قدرة تتضائل مع الوقت بينما تنمو قدرات الهند الصاعدة بشكل واضح، ولكن بما تتيحه للصين بموقعها المطل على أفغانستان مباشرة وعلى المحيط الهندي في آن، وهو موقع يفيد الصين في مشروعيها الرئيسيين في آسيا؛ مشروع طريق الحرير البري المار عبر آسيا الوسطى ومن ثم برًا إلى أوروبا والشرق الأوسط، والهند بالطبع محجوبة عن آسيا الوسطى برًا لإقليم كشمير الباكستاني؛ ومشروع عَقد اللآلئ String of Pearls، عبر المحيط الهندي انطلاقًا من موانئ الصين الشرقية وصولًا للبحرين الأحمر والمتوسط، وهي نطاق النفوذ الهندي التقليدي الذي تسعى الهند لتدشين تحالفها الخاص فيه لاحتواء الصين.

عُمان على ما يبدو إذن هي أقدم البلاد التي ضمتها الهند لتحالفها الخاص بالمحيط الهندي، وهي كنز ثمين ليس فقط في المحيط الهندي، ولكن في البحر العربي أيضًا حيث المنافسة مع باكستان، وفي مضيق هرمز المهم لتجارة النفط، والذي يزداد الطلب عليه بينما ينمو اقتصاد الهند بشكل أسرع من نظيره الصيني في العقود المقبلة.