فتحت تركيا أكثر من جبهة عدائية على نفسها في آن واحد مؤخرًا بداية من اندلاع الثورة السورية وتداعياتها على مدار السنوات الماضية بتدخل قوى إقليمية ودولية، ثم أحداث الربيع العربي والتغيرات اللاحقة عليه، كل تلك الأمور وغيرها أدخلت على السياسة الخارجية التركية مستجدات عدة، وتحولت استراتيجيتها من تفصير المشاكل، إلى خوض صراعات حامية الوطيس في الإقليم.

أبرز هذه الصراعات كانت مع النظام الوليد في مصر بعد أحداث الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو عام 2013، والتي أطاح فيها وزير الدفاع آنذاك والرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي بالرئيس السابق محمد مرسي، وهو ما رفضت تركيا الاعتراف به حتى اللحظة، ووصفته بـ"الانقلاب على الديمقراطية"، وهو ما أدخل العلاقة بين البلدين في منحنى صدامي.

كذلك كانت حادثة إسقاط المقاتلة الروسية من طراز سوخوي – 24 من قبل طائرات تركية من طراز إف - 16، بعد تحذير طياريْها مرات عدة بأنهما ينتهكان المجال الجوي التركي، وهي علامة فارقة أخرى في فتح جبهة صراع خارجية بين موسكو وأنقرة على خلفية سابقة من تباين لوجهات النظر في سوريا، ومنذ ذلك الحين دخلت الدولتين في إطار تصعيدي على المستوى السياسي والاقتصادي، ناهيك عن المشكلة الرئيسية القائمة بين تركيا والنظام السوري الحالي الذي لم يسقط سريعًا كما راهنت أنقرة من قبل، وكذلك الوضع مع الجارتين إيران والعراق ومشكلة إسرائيل الممتدة.

احتمالية تغير التوجهات التركية

وسط هذه الجبهات والخلافات الحادة المتصاعدة بين تركيا وجيرانها في الاتحاد الأوروبي، وكذلك الخلاف مع واشنطن حول مستجدات الوضع في سوريا، يبدو أن تركيا وجدت نفسها في خضم مشكلات دولية عليها التخلص من بعض ما أثقل كاهلها من تلك المشكلات ولو على المستوى التكتيكي، بعد أن كانت معتمدة على استراتيجية المواجهة الندية وعدم التراجع.

يمكن قراءة هذا بوضوح في تصريحات نشرتها صحيفة حريات التركية على لسان نعمان كورتولموش نائب رئيس الوزراء التركي الذي أكد أن إصلاح العلاقات مع روسيا والعراق وسوريا ومصر سيعود على أنقرة بعوائد تجارية قيمتها 36 مليار دولار، مضيفًا أنه لا يرى مانعًا في عودة العلاقات الروسية إلى سابق عهدها.

هذه النظرة البرجماتية الاقتصادية متغولة حاليًا داخل قطاع كبير من النظام الحاكم في تركيا، والذي يرى ضرورة التخلص من أعباء السياسة سريعًا لئلا تؤثر على الأوضاع الاقتصادية، فهذا القطاع ينظر إلى مصر باعتبارها سوق كبير مستورد للبضائع التركية خسرته أنقرة على خلفية السياسة، وكذلك ينظر هؤلاء إلى حجم التبادل التجاري بين تركيا وكلا من روسيا وإيران.

هذه النظرة ذاتها هي التي انتصرت في النهاية على السياسة فيما يتعلق بمسألة عودة العلاقات مع إسرائيل بعد قطيعة دامت قرابة 6 سنوات، مارس فيها الاقتصاديون الأتراك ضغوطًا شتى على الحكومة التركية لاستئناف العلاقات في أسرع وقت، وهو ما قد كان بعد الإعلان عن قرب التوصل لاتفاق بين الجانبين من أجل إنهاء تلك المشكلة، بعدها سيبدأ الطرفان في شراكات تجارية عملاقة مؤجلة، أهمها فيما يبدو مشروع تصدير الغاز الإسرائيلي عبر تركيا.

كان كورتولموش قد طالب باتخاذ خطوات جديدة إزاء سوريا وروسيا دون أن يشير إلى المطالب التركية السابقة حول ضرورة إزاحة الرئيس السوري بشار الأسد من الحكم، وهو تراجع خطابي تركي ملحوظ، بل قال إن تركيا ستؤيد أي عملية تتضمن كافة الأطراف.

ويبدو إنه نظرًا للظروف الراهنة التي تمر بها تركيا فإنها لا تمتلك أي بديل آخر أو رفاهية الاختيار بعيدًا عن ذلك، فربما عليها إصلاح العلاقات بوتيرة سريعة مع روسيا ثم بوتيرة أقل مع النظام السوري ولو من خلال دعم حل سياسي من خلال المجموعة الدولية وهو خيار اتخذته تركيا بالفعل بعد فشلها في رسم مسار آخر بمساعدة السعودية، بعد أن فضلت الولايات المتحدة وروسيا أن يستأثرا بهذا الدور في القضية السورية.

 كما أن تركيا من الممكن أن تستغل التقارب مع روسيا في محاولة لصناعة جبهة ترفض الاعتراف بالتحركات الكردية الرامية لتكوين دويلة كردية في الشمال السوري، خاصة وأنه من المعلوم لدى الأتراك الدعم الامريكي الروسي المشترك لأكراد سورية، وقوات سوريا الديمقراطية بالتحديد التي تقترب يومًا بعد يوم من إعلان حكم ذاتي مستقل في المناطق الكردية السورية الشمالية الممتدة على طول الحدود الجنوبية التركية.

هذا التحول في تصريحات نائب رئيس الوزراء التركي لا يبعد كثيرًا عما برز من مبادرة إعادة العلاقات مع روسيا في تحول لافت في أحدث تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حين قال عن حادثة إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر من العام الماضي، أن هذا الحادث خطأ في التقدير من الطيار التركي، ويجب ألا يفسد العلاقات بين البلدين الشخصية والحكومية، وقد رأى مراقبون في هذا التراجع  مقدمة لتقديم الاعتذار الذي تطالب به موسكو، بعد أن كان أردوغان متمسكًا بأن ما فعلته تركيا كان صوابًا مهددًا بفعله مرة أخرى إذا اخترقت أي طائرات المجال الجوي التركي.

وأما على الصعيد المصري فالتقارب التركي مع دول الخليج وبالتحديد المملكة العربية السعودية، وإعادة العلاقات مع دولة الإمارات، باعتبارهما أبرز داعمين للنظام المصري، ويمكن من خلالهما انفاذ أي صيغة مصالحة بحدودها الدنيا، خاصة مع أحاديث وزير الخارجية التركي الأكثر مرونة منذ وقت طويل فيما يتعلق بالوضع في مصر، لكن الأمر لا نستطيع مقارنته بالوضع مع روسيا، إذن الأولويات لدى تركيا تختلف فيما يتعلق بالجانبين، فأهمية روسيا في المجال الحيوي التركي لا تُقارن بأهمية الدولة المصرية بوضعها الحالي وهو ما عبر عنه وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو في زيارته الأخيرة للإمارات.  

الخلافات مع أوروبا تُلقي بظلالها

مع ازدياد حدة المواجهة مع الاتحاد الأوروبي ربما تحتاج تركيا للتخلص من أعباء أخرى لتساعدها في هذه المواجهة التي ربما تمتد لوقت طويل، وذلك بعدما أكد وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو في تصريحات تليفيزيونية إن بلاده ستضطر لتعليق اتفاقها مع الاتحاد الأوروبي بشأن وقف تدفق المهاجرين إليه، إذا لم يتم التوصل لاتفاق بشأن السماح للأتراك بالسفر إلى دوله دون تأشيرة.

وكذلك بعد الضغط الألماني الذي تتعرض له تركيا المتمثل في إقرار البرلمان الألماني اعتبار مذبحة الأرمن في العام 1915 على أيدي القوات العثمانية إبادة جماعية، وهو الأمر الذي يمكن أن تنهار معاه اتفاقية وقف تدفق المهاجرين، ما سيزيد من الصراع المشتعل مع أوروبا، والذي تفضل تركيا أن تخوضه ربما دون وجود مشكلة في العلاقات مع روسيا.