بشار الأسد

يكاد يكمل النزاع السوري عامه السادس ، وتطالعنا وسائل الإعلام كل يوم على ما لا يمكنه تحمله من ماسي إنسانية ويصدق ذلك تقارير منظمة الأمم المتحدة والتي تعتبر أن النزاع السوري هو اخطر نزاع داخلي في القرن والواحد والعشرين ، ولذا فان الهدف الأساسي الذي يجب التحفز اليه هو مناقشة خيارات التسوية التي تعجل بإنهاء كل تلك الماسي وهذا المقال هو مناقشة لمجموعة من الخيارات بعضها مطروح والبعض الأخر من الممكن أن يكون محل للنقاش مستقبلا.

ديناميكية النزاع السوري

من الناحية الكرونولوجية تضمنت ست سنوات كاملة من النزاع في سوريا العديد من الاحداث ، ولكن ديناميكية النزاع السوري تشير إلى تطورات في اربع جوانب رئيسية :

التطور في طبيعة النزاع : فالنزاع في بدايته كان اقرب إلى ثورة شعبية هدفها إسقاط النظام الحاكم في سوريا ، ثم مع التوسع في استخدام العنف تحول هذا  النزاع إلى حرب أهلية ، ومع الاصطفاف الإقليمي والدولي على الأطراف المحلية أصبح النزاع السوري اقرب ما يكون إلى الحرب الدولية بالوكالة.

التطور في مستوى تفاعلات النزاعات : ففي البداية  كانت كل تفاعلات النزاع مرتبطة بالمستوى الوطني السوري ومع تزايد تدخل الأطراف الإقليمية أصبح المستوى الإقليمي احد المستويات التي يتفاعل النزاع من خلالها ، وجاء التدخل الروسي العسكري المباشر ليضيف المستوى  الدولي ، وبذلك أصبح النزاع السوري نزاعا في غاية التعقيد لان تفاعلاته ترتبط بثلاث مستويات مختلفة .

التطور في الموضوع الرئيسي المرتبط بالنزاع : ففي المرحلة الأولى كان الموضوع الرئيسي المرتبط بالنزاع يتعلق بإسقاط نظام يوسم بالديكتاتورية وإقامة حكم ديمقراطي في سياق ما يسمى بثورات الربيع العربي ، ثم في مرحلة تالية ومع التمدد الذي جسده تنظيم الدولة الإسلامية الى درجة  استحواذه على ما يقارب نصف مساحة الدولة السورية أصبح الموضوع الأساسي المرتبط بالنزاع هو الحرب على الإرهاب ، وفي  المرحلة الراهنة أصبح موضوع وحدة الدولة السورية هو الموضوع الرئيس المرتبط بالنزاع.

التطور في أهداف الأطراف المتنازعة :  ففي مرحلة أولى كانت هدف أطراف النزاع اقرب إلى الطابع الوجودي أي أن كل طرف يسعى إلى إفناء وجود الطرف الأخر ، ففصائل المعارض تسعى إلى إنهاء وجود النظام السوري ، والنظام السوري يسعى إلى إفناء ما يصفهم بمجموعة من التنظيمات الإرهابية ، أما في المرحلة الراهنة فقد أصبحت أهداف أطراف النزاعات تنافسية يبحث من خلالها كل طرف على تسوية مناسبة.

السياق الراهن وتسوية  النزاع السوري

إذا طرحت خيارات لتسوية النزاع السوري في الوقت الراهن فلابد أن تراعي ما استقرت اليه دينامايكة هذا النزاع من حيث أن هذا النزاع أصبح يرتبط بمستويات متعددة ولذا يجب أن تطرح خيارات التسوية على كل الأطراف الموزعة على هذه المستويات بعيدا عن التبسيط الذي يرى أن هذه المستويات تخضع لطبيعة هرمية بحيث أن التسويات التي يطرحها الاطراف الموجودة على المستوى الدولي ستتقبلها الأطراف الإقليمية والمحلية بشكل الي فعلى سبيل المثال  القوى الدولية ليس لها مشكلة مع تقسيم سوريا وان بدرجات متفاوتة اقلها الطرح الروسي المرتبط بفكرة الفيدرالية في حين أن الأطراف الإقليمية الرئيسية تركيا وإيران وبالرغم من تضارب مواقفها اتجاه النزاع السوري فإنهما يشتركان في الرفض المطلق لتقسيم الدولة السورية ، ومن وجهة نظري فان أي تسوية مقبولة يجب ان تكون تحت رعية القوى الإقليمية لأنها الأكثر ارتباطا بآثار النزاع.  

ومن جهة ثانية لابد أن تراعي تسوية النزاع السوري أن الموضوع الرئيسي الذي أصبح مرتبطا بتفاعلات النزاع في السياق الراهن هو وحدة الدولة السورية وقد عبر رئيس المخابرات المركزية في الأيام الأخيرة عن شكوكه فيما إذا كانت سوريا ستبقى دولة موحدة وقد سبقته إلى إبداء ذات الهواجس رئيس المخابرات الفرنسية ، وهذا يعني أن  إيجاد مخرج مناسب لوحدة الدولة السورية سيكون هو المدخل المناسب لتحقيق التسوية ،   ومن ناحية ثالثة فان السياق الراهن يشير غالى انه بالرغم من إصرار الأطراف على خوض النزاع في جانبه العسكري ومع ذلك فان هذا الإصرار يرتبط بأهداف تنافسية أكثر منها وجودية  ، أي أن الأطراف متحفزة لإيجاد تسوية لهذا النزاع ولكن الخلاف هو  مضمون التسوية التي ترضي جميع الأطراف .

خيارات تسوية النزاع في سوريا

من حيث انه يجب مراعاة معطيات السياق الراهن الذي يتفاعل فيه النزاع  في سوريا فانه من الممكن مناقشة إحدى الخيارات التالية كتسوية لهذا النزاع :

الخيار الأول : فيدرالية المناطق الأمنية : هذا التصور طرحته مؤسسة راند  المقربة من وزارة الدفاع الأمريكية فيما سمي بخطة السلام من اجل سوريا في ديسمبر 2015  وهي تتقاطع الى حد ما مع وجهة نظر الرسمية للولايات المتحدة  وهذا الخيار وهو يقوم على  استقرار الأطراف المحلية في المناطق التي تسيطر عليها في الوقت الراهن ويقيم كل منها منطقة آمنة بحدود واضحة تمنع الاحتكاك العسكري  حيث يتم تقسيم الدولة السورية  إلى  ثلاث أقاليم أمنية الأول تحت سيطرة النظام   السوري والثاني تحت سيطرة المعارضة السنية السورية والثالثة تحت سيطرة القوات الكردية وتبقى منطقة رابعة يتم عزل  تنظيم الدولة الإسلامية فيها بهدف تسهيل محاربته .

هذه الخطة في الحقيقية لا تراعي السياق الراهن الذي يتفاعل فيه النزاع السوري وذلك لانها تبقى مثيرة لهواجس  وحدة الدولة السورية من زاويتين أساسين : الأولى أن الفيدرالية نظام يقوم على بنية متفق عليها بين حكومة مركزية ومجموعة من الأقاليم  وسيستصدم هذا الخيار بمدى رضا الأطراف على حجم المساحة المسيطر عليها والتي تتحول وفقا للخطة إلى أقاليم متمايزة وهذا سيؤثر بشكل طبيعية على الاتفاق على البنية الفيدرالية الوطنية ، ومن زاوية ثانية فان هذه الخطة  هي  تصور لإدارة النزاع وليس لتسويته فكون أن هذه الخطة تضمن إنهاء الاحتكاكات العسكرية بين الأطراف المختلفة والتي سستتموقع في الأقاليم الأمنية التي تسيطر عليها فهذا لا يعني بالضرورة ان  إنهاء الصراع العسكري سيؤدي  بشكل  طبيعي إلى الاتفاق على البنية السياسية التي يمكن أن تتعايش فيها كل هذه الأطراف مع بعضها البعض.

خيار الكونفدرالية السورية : هذا الخيار مستمد من التجربة التاريخية  لبعض الدول مثل الولايات المتحدة وسويسرا وهو يقوم على تقبل قيام دويلات صغيرة تعبر كل منها على الأطراف المختلفة للنزاع السوري ثم يتم دمجها في اتحاد كونفديرالي من خلال اتفاقية  دولية ، وهذا الخيار أيضا تبدو عليه بعض الاختلالات فتلك التجارب التاريخية في حد ذاتها سرعان ما تحولت إلى النمط الفيدرالي وتخلت عن الكونفردالية التي عادة لا تنجح إذا كانت الأطراف المشكلة لها دويلات صغيرة ، وبالإضافة إلى ان تحقيق المرحلة الأولى لا يضمن بالضرورة أن تتحقق المرحلة الثانية.

خيار  دولة سورية  الموحدة برعاية إقليمية  : هذا الخيار مستمد من التجربة اللبنانية وهو يعني ضمان مشاركة الأطراف  المتازعة في حكومة وحدة وطنية مع احتفاظها بقدرات عسكرية خاصة كما هو الوضع مع حزب الله في لبنان ومن المعروف أن التوازن الداخلي في لبنان مرتبط بتوازن إقليمي فالأطراف اللبناية لها ولاءات إقليمية لا يمكن إنكارها  ، ومن وجهة نظري فان هذا الخيار الأخير يبدو اقرب إلى مضامين السياق الراهن الذي يتفاعل فيه النزاع السوري فمن جهة  فان هذا الخيار وان يجعل  الدولة السورية رهينة للتوازنات الإقليمية التي من الممكن أن تتعرض للاختلال في أي لحظة فإنه  يضمن في الحد الأدنى وحدة الدولة السورية ، ومن جهة ثانية فان هذا الخيار سيحدث تمايزات  واضحة بين المستويات التي يتفاعل فيها النزاع حيث تكون الأطراف الإقليمية هي الراعية للاستقرار داخل سوريا ،  وأخيرا فان هذا الحل يراعي أن الأطراف لم تعد أهدافها هي إفناء بعضها البعض وإنما الوصول إلى تسوية تضمن وجود الجميع من خلال حكومة وحدة وطنية مع الاتفاق على كيفية  مؤسسات الدولة.