ترجمة وتحرير نون بوست

مثّل الانقلاب الفاشل نقطة تحول ليس للمجتمع التركي فقط، ولكن أيضا في العلاقات بين تركيا وبروكسل، فالاتحاد الأوروبي الذي يصور نفسه وصيا على الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، إلا أن استجابته الضعيفة لأخطر هجوم ضد الديمقراطية قد يتعرض له بلد ما كان مخيبا للآمال.

بعد شهر من الانقلاب الدموي، تبينت الحقائق بما يوحي أن الانقلاب كان من تخطيط وتنفيذ أتباع فتح الله غولن، الداعية الإسلامي سابقا والذي أمر أتباعه بتسلل بشكل منتظم داخل مؤسسات الدولة منذ الثمانينات. ترى الأغلبية الساحقة من المجتمع التركي؛ المتدينة أو العلمانية أو المحافظة وحتى الليبرالية، أن أتباع غولن هم من دبّروا للانقلاب، ويرون أيضا ضرورة تسليم غولن، الذي يعيش في ولاية بنسلفانيا، إلى تركيا حتى يقف أمام العدالة.

تعمل مجموعة من المدعين العامين على مدار الساعة من أجل إيضاح أركان القضية. وسيجدون المزيد من المعلومات عن مدبري الانقلاب، ذلك أن التحقيق ما زال مستمرا. وقد اعترف عدد من ضباط الجيش والجنرالات بأنهم أعضاء في منظمة غولن، كما اعترفوا بتلقيهم للأوامر من رؤسائهم في التسلسل الهرمي في المنظمة.

وقد كان للانقلاب الفاشل آثار سياسية كبيرة، ففي تلك الليلة التاريخية وقف المواطنين العزل باختلاف توجهاتهم السياسية ضد الانقلابيين وعرضوا حياتهم للخطر دفاعا عن الديمقراطية. وقد أصيب آلاف من الأشخاص الأبرياء، ولقي حوالي 240 حتفهم على أيدي الإرهابيين في زي العسكري.

كل الأحزاب السياسية نددت الانقلاب وضموا صوتهم دعما للديمقراطية، وعقب الأيام الأولى التي وقع فيها الانقلاب قابل الرئيس رجب طيب أردوغان أبرز قادة المعارضة، الذين شاركوا معا في أكبر مظاهرة عرفها تاريخ البلاد، وكانت رسالتهم الواضحة إلى العالم: تركيا موحدة وأقوى من أي وقت مضى.

لسوء الحظ أن بروكسل، على ما يبدو، غابت عنها روح التضامن. فأول التصريحات التي نطق بها قادة الاتحاد الأوروبي كانت غامضة، وخلقت حالة من الاحتقان بل وعززت نظرية المؤامرة. فعوض أن يندد الاتحاد الأوروبي بصوت واحد الانقلاب ويدعم الحكومة المنتخبة في محاكمة الانقلابيين، إلا أنه اختار أن يهاجم قيادات تركيا بسبب سجنها للانقلابيين العسكريين، لما اقترفته أيديهم.

وافق الناس من مختلف الخلفيات السياسية على ضرورة أخذ الخطوات اللازمة لمنع أتباع غولن أو أي مجموعة أخرى من خرق نظام الدولة، كما أن عملية فصل أتباع غولن عن مؤسسات الدولة لا تختلف كثيرا عن إجراء إعادة توحيد ألمانيا، حيث تم عزل وإيقاف أكثر من نصف مليون من موظفي شرق ألمانيا خلال العملية بسبب علاقاتهم بالنظام القديم. ولكن الاتحاد الأوروبي لم يسعى في دعم ما تقوم به تركيا.

أصيب العديد من الأتراك، من بينهم محامين أعضاء في الاتحاد الأوروبي، بحالة من الإحباط في بروكسل، بسبب ما اعتبروه تغافل قادة أوروبا عن دور تركيا في أمن قارتهم، وأن أوروبا لن تكون في أمان إذا كانت تركيا غير آمنة.

لم يزر ولا رئيس أو قيادي أوروبي تركيا بعد الانقلاب الفاشل ليعبر عن تضامنه، باستثناء وزير الخارجية السويدي، كارل بيلدت، الذي حث الأوروبيين على دعم الديمقراطية التركية، كما لم تتجرأ أي شخصية عامة على طرح الموضوع.

حتى أن بعض الملاحظين حاولوا لفت الأنظار حول جمود أوروبا عبر انتقاد زيارة أردوغان لسانت بيترسبورغ واعتبارها رسالة مشفرة إلى أوروبا. ولكن لو فرضنا أن هذا صحيح، ماذا يمنع القيادات الأوروبية عن زيارة تركيا للتعبير عن تضامنها مع الشعب التركي وبرلمانه ورئيسه وحكومته؟

سمعة أوروبا المدافعة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون على المحك. عبر الجمود الذي واجهت به بروكسل الانقلاب في تركيا، فهي لم تنفر حليفا رئيسيا فحسب ولكنها خانت قيمها ومبادئها.

على بروكسل قلب الوضع الحالي وأن تظهر تعاطفا كبيرا مع الشعب التركي الشجاع الذي وقف أمام الدبابات وطائرات أف16 دفاعا عن الديمقراطية والحرية.

بالإضافة إلى زيارة تركيا للتعبير عن تضامنهم مع الشعب والحكومة الديمقراطية المنتخبة، كان على قادة أوروبا التعاون والتواصل أكثر وبشكل مقرب مع المسئولين الأتراك قبل نشر تصريحات، بعضها مجانب للصواب، لذا عليهم أن يقوموا بواجبهم ويعترفوا بالدمار الذي تسبب به أتباع فتح الله غولن.

كما يجب، تزامنا مع الاتفاق الأوروبي التركي حول المهاجرين؛ وهي قصة نجاح كبيرة يجب أن تحرس، السماح للمواطنين الأتراك السفر في منطقة شانغان بتأشيرة حرة.

تحارب تركيا سابقا وحتى الآن منظمتين إرهابيتين قويتين؛ حزب العمال الكردستاني وتنظيم الدولة، ولكن بعد الانقلاب الذي قاده أتباع فتح الله غولن ضد الحكومة المنتخبة ديمقراطيا بدا واضحا أنها تواجه عدوا ثالثا. ليس من الواقعية أو الأخلاقية أن يُتوقع من تركيا القيام بهذه الحروب بمفردها، ينبغي على الحلفاء الأوروبيين والأمريكيين أن يقدموا يد المساعدة.

ما زالت عضوية الاتحاد الأوروبي بالنسبة لتركيا هدفا استراتيجيا، ولكن رقصة التانغو تتطلب شخصين (يحتاج الشخص إلى يدين ليصفق).

المصدر: بوليتيكو