قد تتعرض الأوطان والشعوب لكوارث طبيعية لكن يبقى أخطرها على الكائنات الحية الجفاف بما قد ينتج عنه من أثار سلبية على غرار المس بالأمن الغذائي للمواطن الذي قد يصل لدرجة المجاعة إضافة للتصحر، ويعد نقص المياه هو السبب الرئيسي لتعرض منطقة معينة للجفاف.

تونس رغم أنها من الدول المصنفة ضمن الدول الجافة حسب تصنيف التحالف العالمي للأراضي الجافة، تبقى مقارنة ببقية الدول العربية والإفريقية من الأقطار غير المعلوم عنها التعرض المتواتر للجفاف وقد يؤكد تسميتها بالخضراء ذلك.

إلا أنه ومنذ أكثر من سنة تعالت أصوات الخبراء منبهة لأزمة المياه، تزامن هذا التنبيه مع قطع الماء لمدة طويلة عن عدة مناطق ريفية وأيضًا مع انخفاض نسب المياه في السدود الكبرى بالبلاد على غرار سد نبهانة وسد سليانة، ظواهر قال عنها رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري السيد عبد المجيد الزار خلال ندوة صحفية عقدها نهاية الأسبوع الماضي: "سيكون لها انعكاسات سلبية على الإنتاج الفلاحي في البلاد خلال الموسم القادم"، كما  أشار إلى أن مخزون السدود تراجع في أواخر شهر أوت 2016 بـ 451 مليون م³.

الأزمة متواصلة وانعكاساتها تتجلى يومًا بعد يوم والتعليقات حولها مختلفة بين من يعتبرها أزمة عادية ومرحلية عاشتها البلاد في مرات سابقة وهي نتيجة طبيعية للتغيرات المناخية في المنطقة  وبين من يعتبرها أزمة عويصة قد تكون مآلاتها كارثية خاصة على المستوى الصحي ومستوى الأمن الغذائي، إلى حد التنبيه من أن ينتج عن هذه الأزمة مجاعة في أفق سنة 2030 كالتي حلت بعدة دول إفريقية منذ سنوات مات على إثرها ربع مليون شخص.

قد يكون في الرأي الأخير مبالغة لكن التنبه لخطر الجفاف ضروري خاصة والمؤشرات على أرض الواقع تؤكد ذلك.

الأسباب 

بالعودة لآراء الخبراء في المجال نجد أن من أهم أسباب هذا المشكل هو ندرة الأمطار، حيث تراجعت نسبة نقص الأمطار هذا العام 28%؛ مما جعل وزارة الشؤون الدينية تراسل منظوريها في الولايات بطلب حث الأئمة الخطباء لإقامة صلاة استسقاء بكل الجهات.

سبب آخر يعود للعاملين في مجال الفلاحة واستغلالهم المفرط للمياه، حيث بلغ معدل استهلاك القطاع الفلاحي للماء 3600 مليون مترمكعب، وهو معدل في ازدياد خاصة بعد التوجه النسبي من قبل الدولة لهذا القطاع والتعويل عليه للنهوض باقتصاد للبلاد من خلال التشجيع على الاستثمار فيه وما نتج عنه من انتشار مكثف وعشوائي للآبار الجوفية واعتماد أساليب بدائية في الري.

السياحة أيضًا من القطاعات المستهلكة للمياه خاصة في تعبئة المسابح.

الاستغلال السيء من قبل المواطن للمياه في الاستعمال المنزلي أيضًا من مسببات هذه الأزمة، استغلال سيء قوبل ببعض السياسات الخاطئة من قبل الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه اقتصرت على رفع سعر المياه وبعض البلاغات التحسيسية الموسمية على غرار البلاغ الأخير المتعلق بطلب ترشيد استهلاك المياه خلال عيد الأضحى.

أيضًا من أسباب أزمة المياه في تونس الاستغلال السيء للأراضي الفلاحية وتمدد البناءات على حساب الأشجار والنباتات تنقص بسببه عملية التبخر وبالتالي تنقص نسبة الأمطار وتؤثر سلبًا في مخزون المياه الجوفية.

الحلول 

يقول القدامى تنتفي العلل بزوال مسبباتها، لكن مثل هذه الأزمات تستوجب بدائلاً إضافية إلى معالجة أسبابها عل أهمهما الاشتغال الجدي والسريع على تركيز محطات لتحلية المياه جديدة للأربع محطات الموجودة إضافة إلى الاشتغال على مشاريع معالجة وتثمين المياه المستعملة إنشاءً وتطويرًا. 

إجراءات أخرى على الدولة القيام بها خاصة في ترشيد استهلاك المياه من خلال الحملات التوعوية والتحسيسية المتواصلة والناجعة لتنبيه السكان لجدية خطر الجفاف إضافة إلى إجراءات تطوير آليات مراقبة طرق الري وحفر الآبار والقضاء على الفساد الحاصل في جمعيات المياه من خلال إعادة هيكلتها ومراقبة شكل تسييرها.

تطوير شبكات المياه أيضًا من عوامل تخطي هذه الأزمة، حيث أعلن البنك الدولي سابقًا تقديمه تمويل بقيمة ستة وعشرين مليون دولار من أجل ذلك، لكن لم نر تقدمًا واضحًا وعمليًا في هذا الإجراء وقد يعود ذلك لبيروقراطية الإدارة التونسية.

العمل البحثي والعلمي من خلال فتح حوار وطني لأجل رسم سياسة عمومية في استغلال الموارد المائية تتماشى مع التغيرات المناخية التي تمر بها المنطقة حل في المدى المتوسط أيضًا، إضافة إلى الاستفادة من النجاحات العلمية المتعلقة بقدرة النباتات على مقاومة الجفاف.

حلول قد تسمح بتخطي الأزمة أو التخفيف من وطأتها لكن تبقى رهينة إرادة سياسية في التطبيق، ووعي شعبي بقبولها وتفعيلها استشرافًا لمخاطر متعلقة بحياته وبحقوق الأجيال القادمة في الموارد المائية والعيش الكريم.