وزير الخارجية السابق بوريس جونسون مع نظيره السعودي عادل الجبير في اجتماع مجموعة العشرين في الأرجنتين في 21 أيار/مايو 2018.

ترجمة وتحرير: نون بوست

يمكن للمرء أن يتابع التغطية الإعلامية للسباق الانتخابي لتعيين رئيس الخارجية البريطاني المقبل، لكنه لن يكون ملما بتورط جيريمي هنت وبوريس جونسون في الحرب في اليمن. ولعل الأمر اللافت للنظر هو أن مدى إغفال وسائل الإعلام لمساهمة وزيري الخارجية البريطانيين يبدو مخيفًا بحق. وفي فترة اضطلاع كل منهما بمهامه في الحكومة البريطانية، لعب الرجلان دوراً رئيسياً في خلق أسوأ كارثة إنسانية في العالم، فضلا عن تمكين قوات التحالف الذي تقوده السعودية من ارتكاب جرائم قتل بلا هوادة في حق المواطنين.

ومع اقتراب المسابقة السياسية للمحافظين من نهايتها، بات من غير المجدي تسليط الضوء على الذنب الذي اقترفه كبار الوزراء البريطانيون، فضلا عن دراسة البعد الأوسع لعلاقات المملكة المتحدة مع الممالك العربية الخليجية، لاسيما وأن بريطانيا على مشارف فترة يضطلع خلالها جونسون بمنصب قيادي ومستقبل غير واضح بعد اقتراب الخروج من الاتحاد البريطاني.

يتقاسم رؤساء الوزراء البريطانيين عبء هذه الوفيات لأن بلادهم تعتبر الجهة الميسرة الرئيسية للحرب التي تشنها السعودية

يعتبر التحالف الذي تقوده السعودية مسؤولا عن عشرات آلاف الوفيات في اليمن منذ اندلاع فتيل الحرب منذ حوالي أربع سنوات. ويقول الخبراء الذين يرفعون تقاريرهم إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن القصف يستهدف المدنيين بشكل واسع، ناهيك عن كون الحصار سببا مباشرا للأزمة الإنسانية التي طالت الملايين من الأشخاص. ومن جهتها، تقدر منظمة "أنقذوا الأطفال" عدد الوفيات بين صفوف الأطفال في اليمن بسبب الجوع والأمراض التي يمكن الوقاية منها بحوالي 85 ألف.

جهة ميسرة رئيسية

يتقاسم رؤساء الوزراء البريطانيين عبء هذه الوفيات لأن بلادهم تعتبر الجهة الميسرة الرئيسية للحرب التي تشنها السعودية. والجدير بالذكر أن الطائرات البريطانية تشكل حوالي نصف سلاح الجو السعودي، كما أنها لا تعمل دون الدعم التي توفره المملكة المتحدة. ويشمل هذا الدعم توفير القطع والمكونات والصيانة، فضلا عن تجديد مخزون القنابل والصواريخ التي تقصف أفقر بلد في الشرق الأوسط على مدار السنوات الأربع الماضية.

مشاركة بريطانيا في حرب اليمن هي نتاج علاقة متعددة الجوانب مع تلك الأنظمة التي نشأت منذ أيام الإمبراطورية

بشكل عام، تتسم علاقات المملكة المتحدة مع المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج العربية بأهمية تتجاوز مجرد الأرباح المنجرة عن مبيعات الأسلحة. وحيال هذا الشأن، صرح وزير الخارجية البريطاني في 2015، فيليب هاموند، أن بلاده "ستدعم السعودية بكل طريقة عملية دون الانخراط في القتال". ولقد كان هذا الدعم بلا هوادة منذ ذلك الحين، كما أنه استمر في عهد هنت وجونسون دون مراعاة التكلفة البشرية.

يمكن القول إن مشاركة بريطانيا في حرب اليمن هي نتاج علاقة متعددة الجوانب مع تلك الأنظمة التي نشأت منذ أيام الإمبراطورية. أما بالنسبة للأنظمة الاستبدادية في شبه الجزيرة العربية، فإنها ليست نتاج ثقافة المنطقة، بل نتاج العمليات الاجتماعية والاقتصادية التي تدخل فيها البريطانيون والأمريكيون بعدهم، لترسيخ وتوطيد الحكم الملكي في فترات متفرقة على مدار القرنين الماضي والحالي. وفي العصر الحديث، دعمت ثروة الخليج النفطية الأسر الحاكمة وأبقت القوى الغربية ملتزمة ببقائها.

فائض تجاري قيم

يعكس العجز التجاري المستمر والمتنامي في بريطانيا الثروة السيادية الهائلة المتراكمة من فوائض الحساب الجاري لحلفائها الخليجيين. علاوة على ذلك، يلعب الاستثمار القادم من الخليج، وخاصة من المملكة العربية السعودية، دورًا رئيسيًا في تمويل هذا العجز ودفع الجنيه الإسترليني الذي يضعف باستمرار إلى الاستقرار.

تقابل شهية بريطانيا واقتصادها الموسع لرأس المال الخليجي رغبة هذه النخب الخليجية بتعزيز علاقاتها مع حلفائها الشماليين العالميين خاصة في أعقاب ثورات الربيع العربي. ويجب أن يُنظَر إلى إنقاذ قطر لبنك باركليز من الإفلاس سنة 2008، إلى جانب أي عدد من الاستثمارات البارزة مثل الاستحواذ على نادي مانشستر سيتي وبرج شارد في لندن، على أنها جزء من السياق الأوسع نطاقًا.

في الوقت ذاته، تشكل دول الخليج الست مجتمعة سوق الصادرات البريطانية الرائدة نحو الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية، حيث تدير فائضًا تجاريًا نادرًا وقيما. ويقلل هذا الفارق من العجز التجاري البريطاني في السوق العالمية بشكل كبير. وفي هذا الصدد، يعد العجز التجاري البريطاني من الأعراض المباشرة للتحول الاقتصادي الذي اتخذته رئيسة الوزراء الراحلة مارغريت تاتشر، والذي تم تعميمه وتوحيده بين الحلفاء. ولعل أبرز مظاهر هذا التوجه الجديد انخفاض الصناعات الموجهة للتصدير لصالح قطاع الخدمات.

المتظاهرون خارج محكمة الاستئناف بعد أن قضت المحكمة بأن مبيعات الأسلحة البريطانية للسعوديين غير قانونية في 20 حزيران/يونيو 2019.

بمعنى آخر، تطورت رأسمالية "السوق الحرة" البريطانية إلى حد ما في ظل علاقة تكافلية برعاية الأنظمة الخليجية الاستبدادية. والجدير بالذكر أن الاستثمارات الخليجية لا تتدفق إلى المملكة المتحدة بسبب نظامها المالي الرائد والقادر على معالجة الاستثمارات والتعامل معها وحسب، بل لأن النخب الخليجية تدرك أن البلد الأوروبي يعد من القوى الكبرى القليلة القادرة على ضمان بقاءها.

انهيار امبراطوري

يعتبر هذا العامل مناسبا بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بمبيعات الأسلحة. أما بالنسبة للهدف الرئيسي للمملكة المتحدة، فإنه يتلخص في الحفاظ على مكانتها كقوة عالمية من الصف الثاني بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك على الرغم من تراجع قوة امبراطوريتها السابقة، والتي كانت تعتمد على قدرتها النادرة على إبراز القوة العسكرية على أساس عابر للقارات. ويتطلب مثل هذا النوع من الاستعراض صناعة أسلحة محلية قوية، والتي أصبحت تعتمد بدورها على طلبات التصدير الرئيسية بشكل متزايد.

الجدير بالذكر أن طلبات الحصول على الأسلحة البريطانية بدأت تتضاءل عقب نهاية الحرب الباردة، باستثناء دول الخليج التي مثلث وجهة لحوالي نصف هذه الصادرات منذ ذلك الحين. لذلك، تساعد هذه المبيعات بريطانيا على التمسك بمكانتها كقوة عالمية من الدرجة الثانية والقادرة على الاستمرار في توفير الدعم إلى منطقة الخليج دفاعًا عن حلفائها من الأنظمة الملكية.

لطالما ركز وزراء الخارجية البريطانيون المؤيدون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على الدول الخليجية باعتبارها جزء من إعادة توجيه العلاقات الاقتصادية الخارجية البريطانية المأمولة بعيدًا عن الاتحاد الأوروبي، لكن الرهان ليس واعدًا

يمكن لنا القول إن العنف الذي تنتهجه الممالك الخليجية هو عنف تقترفه بريطانيا أيضا، لاسيما وأن صادرات طائرات تايفون المقاتلة تستخدم في قصف اليمن وتمثل جزءًا من علاقة أوسع للتعاون العسكري. ويشمل هذا التعاون تسليح القوات العسكرية الخليجية التي تنتهك حقوق الإنسان في اليمن. وإن لم يكن ذلك كافيا، كان دعم بريطانيا الفعلي لسحق حركة سلمية وواسعة النطاق في البحرين سنة 2011 مثالاً رائعًا على قوة التزامها بعلاقاتها مع النظام الإقليمي المحافظ.

دور دنيء

لطالما ركز وزراء الخارجية البريطانيون المؤيدون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على الدول الخليجية باعتبارها جزء من إعادة توجيه العلاقات الاقتصادية الخارجية البريطانية المأمولة بعيدًا عن الاتحاد الأوروبي، لكن الرهان ليس واعدًا. لقد تلاشت الطفرة التي لحقت أسعار النفط منذ مطلع الألفية خلال السنوات الأخيرة الماضية، كما أن عروض البترودولار قد تتوقف تماما في حال انهار الطلب على الوقود الأحفوري نظير جدية دول العالم في التعامل مع تغير المناخ. وبذلك، سيتم القضاء على الأساس الكامل للعلاقة بين بريطانيا ودول الخليج.

إن تصاعد الغضب الشعبي بسبب حرب اليمن ومقتل جمال خاشقجي قد يجعل هذه العلاقات غير قابلة للاستمرار من الناحية السياسية تحت أي ظرف. ومن المرجح أن يستمر دور بريطانيا التاريخي الغامض في منطقة الخليج لفترة أطول، لكن لا وجود لشيء مضمون في الوقت الحالي.

المصدر: ميدل إيست آي