بموازاة صراع الخليج المتصاعد بين طهران والغرب، تسعى الإمارات ربما للسير على حبال إيران دون أن تسقط، فثمة خطوة جديدة ولافتة في التقارب الإيراني الإماراتي محورها أمن مياه مشتركة تموج بالتوترات، وفي حين يبدو سير الإمارات في اتجاه معاكس مع جارتها الخليجية السعودية، حيث التباينات بين الجارتين أوضح من أي وقت مضى، فإنها لا تبدو في مسعاها مكترثة كثيرًا لمشكلاتها القديمة مع إيران ولا للتناقض لدعاوى شيطنة مَنْ يتعامل معها. 

تحول مفاجئ في الموقف الإماراتي تجاه إيران

تسعى الإمارات بشكل لافت نحو خفض التوتر مع إيران، ويشير إلى ذلك الخطوات الإماراتية المتسارعة تجاه الموقف من إيران، حيث كشفت وسائل الإعلام الإيرانية مؤخرًا زيارة مفاجئة لوفد إماراتي إلى العاصمة الإيرانية طهران لحضور الاجتماع المشترك لقيادات خفر السواحل الإماراتية والإيرانية بعد توقف دام 6 سنوات.   

في التفاصيل الواردة، التقى قائد خفر السواحل الإماراتي العميد محمد علي مصلح الأحبابي الذي ترأس الوفد العسكري، نظيره الإيراني العميد قاسم رضائي في طهران، في اجتماع هو الأول من نوعه منذ 11 من أغسطس/آب 2013، كانت الاجتماعات المشتركة لخفر السواحل بين البلدين بدأت عام 2009، وانتظمت بشكل سنوي، ثم توقفت بشكل كامل بعد الاجتماع الخامس، لتعود بشكل مفاجئ في الظروف الحاليّة المشحونة بالتوتر. 

تعكس التصريحات الثنائية والبيان المشترك جميعًا تحولاً ملحوظًا في الموقف الإماراتي الذي بات يرى في التنسيق والتواصل مع إيران ضامنًا لسلامة الملاحة في مياه الخليج وبحر عُمان

قد تكون هذه العودة المفاجئة أمرًا طبيعيًا في الظروف العادية بحسب محللين، ولكنها ليست كذلك في ظروف استثنائية كالتي تمر بها المنطقة حاليًّا، ومع ذلك اُعتبر الاجتماع السادس في هذا التوقيت الدقيق منسجمًا مع ما وُصف قبل أسبوعين على لسان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في مقابلة تليفزيونية، بأنه "شيء ما يجري في الكواليس بين أبو ظبي وطهران". 

الخارجية الإيرانية من جهتها كشفت عن الزيارة وأهدافها دون تحديد موعد الاجتماع المقرر، وأعلنت أن 7 من قادة خفر السواحل الإماراتي وصلوا لبحث التعاون الحدودي، والحد من التنقل غير الشرعي بين البلدين، وسبل سفر مواطنيهما، بالإضافة إلى تسهيل وتسريع تبادل المعلومات بين البلدين.

وحملت الصورة المتداولة التي أبرزتها وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) للأحبابي ونظيره الإيراني وهما يتصافحان، ترحيب الأول في تصريحاته بتنمية العلاقات الحدودية بين البلدين، مؤكدًا أن تعزيز العلاقات مع إيران بإمكانه ضمان أمن المياه الخليجية، وأرجع دوافع ذلك التقارب إلى تدخل بعض الدول - التي لم يحددها - في الخطوط الملاحية الأولى، وهو ما يستدعي بحسب قوله تحسين العلاقات لإرساء الأمن في الخليج وبحر عمان. 

قوات خفر السواحل الإماراتية

وعلى غير عادة المسؤولين الإماراتيين، امتدح العميد الأحبابي سياسة إيران في إدارة المسألة الحدودية، قائلاً: "إيران رائدة في مكافحة تهريب المخدرات، ونحن بوصفنا خفر السواحل الإماراتي نثمن إجراءات الجمهورية الإسلامية في هذا الخصوص"، وواصل الثناء بقوله: "الأمن الذي تنعم به الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في ضوء حدودها المشتركة والممتدة بمساحة أكثر من 8 آلاف كيلومتر يدل على أسلوبها الصحيح في إدارة مناطقها الحدودية". 

وتؤكد إيران على لسان قائد خفر سواحلها أمام نظيره الإماراتي أن "حماية" منطقة الخليج الإستراتيجية وبحر عمان ينبغي أن تعود لشعوبها، وألا نسمح لسائر الدول أن تمسّ أمننا الإقليمي، وأن بلاده لا تسمح لسائر الدول أن تمس أمنها الإقليمي. 

لم تتباعد اللقاءات مجددًا على ما يبدو كما يقول القائد الأمني الإيراني، بل جرى حديثٌ عن لقاءين سنويًا في طهران وأبو ظبي، بالإضافة إلى لقاءات ميدانية في المناطق الحدودية بين قادة البلدين "لاحتواء المشاكل الحدودية والعمل على حلها"، فضلاً عن خطوط اتصال ساخنة هاتفيًا وميدانيًا. 

تأتي القناعة الإماراتية المتماهية مع إيران بشأن أمن هذه المنطقة في سياق عزوف غربي ملحوظ بشأن تشكيل تحالف عسكري وقوة أوروبية مشتركة بشَّرت بها بريطانيا بمعزل عن مقترح واشنطن

وفي بيان مشترك، اتفقت إيران والإمارات على ضرورة بحث سبل توسيع العلاقات الدبلوماسية، لتعكس التصريحات الثنائية والبيان المشترك جميعًا تحولاً ملحوظًا في الموقف الإماراتي الذي بات يرى في التنسيق والتواصل مع إيران ضامنًا لسلامة الملاحة في مياه الخليج وبحر عُمان بعد توترات طبعت المشهد في الأخير على مدى الأسابيع الفائتة.    

وتأتي القناعة الإماراتية المتماهية مع إيران بشأن أمن هذه المنطقة في سياق عزوف غربي ملحوظ بشأن تشكيل تحالف عسكري وقوة أوروبية مشتركة بشَّرت بها بريطانيا بمعزل عن مقترح واشنطن، لتوفير ممر آمن لطواقم السفن والناقلات عبر مضيق هرمز، وذلك بعد أيام من احتجاز الحرس الثوري الإيراني لناقلتها "ستينا إمبيرو" التي ترفع العلم البريطاني في بحر عُمان عند مدخل مضيق هرمز. 

خطوات إماراتية في اتجاه معاكس مع السعودية

بات الخليج وبحر عُمان تحديدًا مصدر إزعاج دولي على وقع تصاعد الأحداث مؤخرًا، بدءًا من تعرض ناقلات النفط والتجارة لما وُصف بـ"هجوم تخريبي" قرب ميناء الفجيرة الإماراتي، مرورًا بما تُعرف بـ"حرب الناقلات" بين إيران وبريطانيا، وليس انتهاءً باستمرار التحشيد العسكري الأمريكي في الخليج، حيث القوات الأمريكية في السعودية، يقابلها تعزيز الوجود البريطاني العسكري أيضًا بدعوى حماية الشحن التجاري والممرات المائية الإستراتيجية قبالة سواحل إيران واليمن.   

 لم يكن لقاء قيادات خفر السواحل الإيراني الإماراتي في طهران الاجتماع الوحيد كما يؤكد مسؤولون إيرانيون بعد أن بدأت الإمارات تتخذ سياسات جديدة في المنطقة

وتزيد لغة التهديد والوعيد في مياه الخليج من التضييق على مرور ناقلات النفط والسفن التجارية عبر مضيق هرمز، ويستمر هذه الوضع مع إعلان شركة "بي بي" البريطانية إحدى أهم شركات البترول الخاصة في العالم عن إيقاف رحلات سفنها عن مضيق هرمز منذ بدء أزمة الناقلات بين لندن وطهران، هنا، ترمي الإمارات الكرة في الملعب الإيراني باعتبار أن لندن استبقت طهران بإشعال فتيل الأزمة بين البلدين. 

في ضوء هذه التوترات المتصاعدة، لم يكن لقاء قيادات خفر السواحل الإيراني الإماراتي في طهران الاجتماع الوحيد كما يؤكد مسؤولون إيرانيون بعد أن بدأت الإمارات تتخذ سياسات جديدة في المنطقة، فهذا الوفد الأمني الإماراتي هو الثاني الذي يزور طهران في غضون أسبوعين، رغم التوترات المتصاعدة بالخليج على وقع أزمات الناقلات والتصعيد الأمريكي ضد طهران.   

وعلى عكس رغبات الرياض، يلتئم خفر السواحل الإماراتية والإيرانية في طهران، في وقت أشار فيه أكثر من مسؤول إيراني، خلال الفترة الأخيرة، إلى أن دولة الإمارات ترسل وفودًا تحمل رسائل إيجابية إلى إيران، لحل التوتر بين البلدين. وفي هذا السياق، أعلن مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدفاعية حسين دهقان، الأسبوع الماضي، في مقابلة تليفزيونية، أن الإمارات أوفدت "أشخاصًا إلى إيران يتحدثون عن السلام"، عازيًا سبب ذلك إلى "فشلها في المنطقة".

تتصاعد التوترات في مياه الخليخ على وقع أزمات الناقلات والتصعيد الأمريكي ضد طهران

وفي إشارة إلى التحولات الإماراتية المتسارعة، عقد وفد عسكري إماراتي رفيع المستوى - قبل هذا الاجتماع - لقاءات مع مسؤولين إيرانيين في طهران بحسب ما كشفه المستشار السابق في وزارة الدفاع الإيرانية أمير موسوي، وكانت الرسائل الإيرانية واضحة وصريحة للجانب الإماراتي، وتضمنت تذكيرًا بحالات تشير إلى أن الإمارات أصبحت مركزًا ومقرًا لاستهداف الأمن القومي الإيراني.

كثرت الزيارات الإماراتية إلى طهران إذًا بعد تحذيرات واتهامات كانت قد وجهتها الأخيرة إلى أبو ظبي على خلفية تصنيفها إيرانيًا "كوكر للتجسس الأمريكي"، بعد اعتراف أفراد شبكة تجسس تعمل لصالح وكالة الاستخبارات الأمريكية "CIA" أنهم تلقوا تعليماتهم الخاصة بمهام عملهم المخابراتية داخل أحد فنادق دبي، وسبق ذلك أحداث "جلوبال هوك" طائرة التجسس الأمريكية المسيَّرة التي أسقطتها إيران، التي أقلعت من الأراضي الإماراتية.  

تبدو رغبة الإمارات للتقارب جامحةً لدرجة أن تُنسي ساسة أبو ظبي جزرهم الثلاثة (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) المتنازع عليها بين أبو ظبي وطهران

في ضوء هذه الزيارات المتكررة، تتكشف ملامح سياسات أبو ظبي الجديدة منذ فترة، فقد تجسدت مؤخرًا في تقليص أبو ظبي لوجودها العسكري في اليمن، حيث تواجه الحوثيين الذين يُوصفون بـ"ذراع إيران في الجنوب"، وهو ما أثار تساؤلات عن علاقة الموضوع بهذه الزيارات، وإذا ما كانت الإمارات تسعى من وراء هذه الخطوة إلى تهدئة الأمور مع إيران. 

يصب هذا كما يظهر في تعميق الفجوة الصامتة بين الإمارات والسعودية، ليس فقط في التعامل مع الملف اليمني الذي اعتمدت فيه الرياض على جارتها أبو ظبي، ولكن أيضًا في قراءة المشهد الأمني الخليجي الراهن، حيث تريد السعودية من حلفائها دائمًا التصعيد ضد إيران.

دوافع التغير في موقف الإمارات تجاه إيران

تضررت الإمارات بشكل مباشر حين اُستهدفت ناقلات في مياهها، لكنها لم توجه الاتهامات إلى إيران على عكس ما صعَّدت الرياض رغم بعد الحوادث عن مياهها. حينها، خلا بيان الخارجية الإماراتية - الصادر في وقت تتعقد فيه الأمور السياسية والأمنية في مياه الخليج العربي - من أي اتهام، لكنه امتلأ بالتحذيرات.     

الإمارات أيضًا فيما يبدو لا تريد إن تفجرت الأوضاع في المنطقة أن ينالها من إيران أو حلفائها أكثر مما نالها في العمق، حين اُستهدف مطار عاصمتها أبو ظبي، ونشر الحوثيون صوره أمام العالم، وسبق ذلك الإعلان قصف مطار دبي الدولي في الإمارات واستهدف مفاعل "براك" النووي في مدينة أبو ظبي، ولكن السلطات الإماراتية نفت ذلك. 

هذا في العلن، لكن للمراقبين رؤية أخرى، مفادها أن الإمارات شعرت بأن عدائها للإيرانيين بات خطرًا عليها، في حين بدا لها أن الصبر الإستراتيجي الذي تحلت به الحكومة الإيرانية بدأ ينفذ، وربما تدرك أبو ظبي أن أي تصعيد بين طهران وواشنطن ستكون هي أول ضحاياه، لذا بدأت بتغيير نهجها. 

الإيرانيون يقرأون التحول الإماراتي كما يبدو من تصريحات مسؤوليهم ومن تحليلات مراقبيهم باعتباره فرصة لتعيد أبو ظبي النظر في سلوكها السياسي المثير للجدل في المنطقة

وتبدو رغبة الإمارات للتقارب جامحةً لدرجة أن تُنسي ساسة أبو ظبي جزرهم الثلاثة (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) المتنازع عليها بين أبو ظبي وطهران، التي تقول الأولى إنها "محتلة" من الثانية منذ نهاية نوفمبر/تشرين الثاني عام 1971، أي قبل يومين من تأسيس دولة الإمارات ونيل استقلالها عن بريطانيا. 

في المقابل، تناست إيران دوافع الإمارات - ومعها السعودية والبحرين ومصر - المعلنة لحصار قطر، فضلاً عن تماهي الموقف الإماراتي مع سياسة الضغط القصوى التي تمارسها واشنطن على طهران، لكنها لم تتناس إعلانها عن مناورات بحرية مشتركة مع روسيا في مياه الخليج ومضيق هرمز في الأشهر المقبلة، وتوقيع اتفاق تعاون عسكري هو الأول من نوعه بين هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية ووزارة الدفاع الروسية.  

لكن الإيرانيين يقرأون التحول الإماراتي كما يبدو من تصريحات مسؤوليهم ومن تحليلات مراقبيهم باعتباره فرصة لتعيد أبو ظبي النظر في سلوكها السياسي المثير للجدل في المنطقة، وعلى خُطى أبو ظبي نحو طهران، ستسير الرياض في الطريق نفسه، برأي الإيرانيين، ويعني هذا أن المعادلة الإقليمية على أبواب متغيرات جذرية، وهذا ما يتردد في أروقة السياسة الإيرانية الآن.