شهدت الأيام الأخيرة تصريحات جديدة على الساحة التركية تتمثل بما صرح به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من أن "الصومال دعا تركيا للتنقيب عن النفط في مياهه"، ودون أي تفاصيل أخرى قال أردوغان: "تركيا ستتخذ خطوات في ضوء الدعوة الصومالية"، وتأتي هذه الدعوة الصومالية بعد شهور من إبرام أنقرة لاتفاقية مع حكومة الوفاق الليبية في العاصمة طرابلس، وتابع أردوغان "هناك عرض من الصومال. يقولون: هناك نفط في مياهنا وأنتم تقومون بهذه العمليات مع ليبيا وبوسعكم القيام بها هنا أيضًا".

هذه الدعوة للتنقيب عن النفط في الصومال، تأتي بعد اهتمام تركي واضح في العديد من المجالات اللوجستية والصحية والخدمية في هذا البلد العربي الإفريقي الفقير، ولم تكن أنقرة الأولى المهتمة في هذا الجانب أو المدعوة إليه، بل سبقتها كثيرٌ من الدول وعُقدت الكثير من المؤتمرات التي اهتمت بهذه الثروة المفترض وجودها في الصومال ومدنه كون الصومال يقع في جغرافيا مهمة من خريطة العالم متمركزًا على أهم البحار ومطلًا على المضائق والممرات.

يمتاز موقع الصومال ببعد إستراتيجي مهم فهو يشرف على خليج عدن والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يعد واحدًا من أهم طرق التجارة العالمية. في هذا التقرير نلقي نظرةً على الصراع الموجود على ثروات النفط الموجودة في هذا البلد وتاريخ التنقيب والشركات التي حاولت الدخول وكيف تتسابق الدول للحضور في هذه المنطقة.

تاريخ التنقيب وصراع الدول

كان أول اكتشاف للنفط في الصومال على يد البريطانيين الذين كانوا يحكمون البلاد عام 1912 حيث أعلنت سلطة المحمية البريطانية اكتشاف تسربات طبيعية زيتية من تركيب صخري، بيد أن الأزمات المتلاحقة وبدء الحرب العالمية الأولى جعل البريطانيين يأجلون موضوع التنقيب عن النفط هناك، وفي عام 1918 صدر تقرير عن الحقل القريب من مدينة بربرة وكانت عاصمة المحمية البريطانية آنذاك، وأكدت التقارير وجود المادة الخام للنفط في مناطق مختلفة من البلاد، ليتسابق كلٌ من الإنجليز والإيطاليين إلى البحث والاستكشاف عن موارد الطاقة.

عام 1925 أرسل الباحث الإيطالي جويسيبي ستيفاني تقريرًا لحكومته عما تحتويه البلاد من طاقة، ليصدر المجلس الإيطالي للبحوث تقريرًا مرفقًا بالخرائط الجيولوجية للمستعمرة الإيطالية في الصومال، ليحتدم التنافس مع بريطانيا بعد إصدارها كتابًا عن جيولوجيا الصومال ومستحاثاته في إطار السعي للسيطرة على ثروات البلاد.

قاوم الإنجليز محاولات الولايات المتحدة للدخول إلى الصومال للتنقيب عن النفط في الخمسينيات، فبذل البريطانيون جهدًا كبيرًا من أجل ذلك فقاموا بالتنقيب والاستكشاف النفطي، بالتزامن مع محاولات إيطالية خجولة لمجاراة ذلك المسعى، وأسست بريطانيا شركة صوماليلاند للتنقيب عن النفط المحدودة في الوقت الذي أصدر فيه الباحثان أزارولي وميرلا الخريطة الجيولوجية للصومال وإثيوبيا، فيما حفرت شركة سنكلير بئرين تجريبيين جنوب البلاد.

استقل إقليمان صوماليان من أصل 5 أقاليم وهما القابعان تحت الاحتلال البريطاني والإيطالي مع بداية الستينيات، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الدراسات والبحوث عن وجود الطاقة ومواردها، ليتم تأسيس شركة سنكلير الصومال التي بدأت بأعمال حفر استكشافية لبعض الآبار، ودخلت حينها أيضًا شركة غلف Gulf مجال العمل، ليتوالى صدور التقارير المبشرة بمخزونات نفطية كبيرة.

في 1972 دخلت الصين على خط المنافسة وأصدر باحثون صينيون مسحًا وبحثًا جيولوجيًا عن الفحم والنفط في الصومال، تزامنًا مع ذلك انضم الصومال إلى الجامعة العربية واتسعت آفاق العمل مع الدول العربية، وباتفاق شراكة مع العراق تم إنشاء مصفاة للنفط، وبدأت البلاد بتكرير الخام العراقي وتصدير فائض الوقود لدول الجوار.

أصبحت الدوائر الغربية مهتمة بعودة الصوماليين للوسط الإقليمي نتيجةً لوجود عامل نفطي مهم، حيث أُعلن أن الصومال والأقاليم الصومالية في كينيا وإثيوبيا عبارة عن بحيرات نفط

إلا أنه وفي عام 1977 اندلعت الحرب الصومالية الإثيوبية، وخسر الصومال الحرب على يد حلف وارسو الذي يتزعمه الاتحاد السوفييتي حينها، وتم إجلاء الخبراء الروس وتصفية الوجود العسكري السوفييتي في البلاد، ليحل الأمريكان محلهم في القاعدة البحرية في الساحل الشمالي بمدينة بربرة، وهنا تحول النظام الصومالي إلى حليف لأمريكا، الأمر الذي أدى إلى زيادة وتيرة أعمال التنقيب من شركات غربية، لتكثر الشركات المتعاقدة في أعمال الاستكشاف، وقُسمت البلاد إلى قطاعات تنقيب (Blocks)، غطت مجمل برها والرصيف القاري التابع له، إلا أن النظام الحاكم في الصومال الذي كان يتلقى الدعم من السوفييت كان تحوله إلى تلقي الدعم الأمريكي مطيحًا له، خاصةً أن الدعم الأمريكي لم يكن بقوة دعم الحلف الشرقي وهو ما عجل بتآكل قوة النظام وازدياد المعارضة له.

بدأ الصراع المسلح في الصومال في الثمانينيات، إلا أن الشركات الغربية للتنقيب لم تتوقف عن رصد ما يحصل في البلاد، وتشير تقارير شركة شيفرون الأمريكية إلى أن "القوات الحكومية تفتعل التفجيرات في مواقع التنقيب، بدلًا من حمايتها، بغرض الحصول على دعم من الحكومة المركزية، العاجزة عن سداد الرواتب"، وتضيف تقارير الشركة أن "قوات المتمردين ترسل باستمرار رسائل تطمين للشركات العاملة، عبر زيارات سرية لمواقع التنقيب، باعتبار أن النفط ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها وعلى الأعمال المتعلقة بها، وتقديم الضمانات بعدم المساس بالمعدات أوالعاملين الأجانب، وأن الهدف النهائي عدم تمكين النظام من الاستمرار ومنعه وضع يده على تلك الثروة".

اضطرت شركات التنقيب الأجنبية كلها إلى إعلان توقف أعمالها سنة 1990م، إلا أن شركة كونوكو الأمريكية أبقت وجودًا في مقرها الرئيسي، فحافظت الشركة على وجود واضح لها وأسست شبكة اتصال مع العناصر الجديدة التي برزت في حالة الفوضى التي تلت هروب قائد النظام حينها وأعمال النهب والصراع السياسي الذي قاد لانهيار الدولة تمامًا، وتحول مقر الشركة الأمريكية إلى سفارة للولايات المتحدة، ورأس جسر للإعداد لنزول القوات الأمريكية التي شكلت معظم القوة العسكرية التي نزلت إلى البلاد بغطاء أممي، عبر الحملة التي أطلق عليها "إعادة الأمل" وذلك في 1992، إلا أن الانسحاب الأمريكي بعد سنوات أتاح الفرصة للحكومة الفرنسية بأن يتم منح امتياز التنقيب في جنوب الصومال لشركات توتال وفينا وإلف لتحل محل شركة أجيب الإيطالية وأموكو الأمريكية سنة 2001.

صورة

110 مليارات برميل

أصبحت الدوائر الغربية مهتمة بعودة الصوماليين للوسط الإقليمي نتيجةً لوجود عامل نفطي مهم، حيث أُعلن أن الصومال والأقاليم الصومالية في كينيا وإثيوبيا عبارة عن بحيرات نفط، وقُدر الاحتياطي النفطي في الصومال بثلاثة أضعاف بلد كنيجيريا أو ما يساوي احتياطي الكويت، وأوردت هيئة الاستخبارات المركزية الأمريكية، أن الصومال دخل عصر الإنتاج النفطي فعليًا منذ عام 2007، وأن الإنتاج اليومي رغم الظروف البدائية يزيد على مئة برميل في اليوم، في غياب للبنية التحتية والاستقرار وبأقل الإمكانات.

عُقد في فبراير/شباط 2019 بالعاصمة البريطانية لندن، مؤتمر لبيع امتيازات التنقيب عن النفط في الشواطئ الصومالية مع كينيا في مثلث بحري تصل مساحته إلى 173 ألف كيلومتر مربع، ويضم 50 حقلًا نفطيًا، ومنحت التراخيص لشركة "إسبيكترام" البريطانية النرويجية، في الوقت الذي تشير فيه الدراسات إلى أن احتياطي النفط الصومالي قد يزيد على احتياطي السعودية، لكن اعترض رؤساء ثلاثة أحزاب صومالية على الصفقة وطالبوا بإلغائها. 

نشرت صحيفة "ناشيونال إنترست" الأمريكية تقريرًا قالت فيه: "الصومال ليس مستعدًا لتطوير النفط ولكن مع توافر إمكانية الوصول إلى الممرات الملاحية والثروة الضخمة غير المستغلة التي قد تصل إلى نحو 110 مليارات برميل فليس من المستغرب أن نرى اندفاع شركات النفط متعددة الجنسيات نحوه"، وذكرت الصحيفة أن "التنقيب عن النفط في الصومال "ليس سرًا"، وتحاول الشركات على اختلاف أنواعها الدخول إلى الصومال مهما كان الإنتاج صغيرًا لوضع موطئ قدم في البلاد التي تتجه الأنظار إليها، إذ إن شركتي رويال داتش شل وإكسون موبيل دفعتا 1.7 مليون دولار لتأجير رقعتين بحريتين لثلاثين عامًا، وقالت وكالة الأنباء الوطنية الصومالية: "الشركتان دفعتا مبلغًا ماليًا يصل إلى 1.7 مليون دولار للدفعة الأولى من عقد الإيجار خلال 30 عامًا للحكومة الفيدرالية".

تعاقدت شركات بترول عالمية مع حكومة الصومال، مثل شركة "جاكا ريسورز" الأسترالية، التي أعلنت في الـ2 من أبريل/نيسان 2012 أنها وقعت اتفاقًا مع شركة "بتروسوما" الصومالية يقضي بحيازتها 50% من حصة الثانية في القطاع النفطي. ومؤخرًا اكتشفت كمية ضخمة من النفط والغاز في إقليم الصومال الغربي "أوغادينيا" وقسمت الحكومة الإثيوبية الخيرات النفطية متمثلةً بـ50% من عائدات النفط تذهب إلى الإقليم المنتج للنفط للصومال الغربي، و50% تتقاسمها الحكومة الاتحادية والأقاليم غير المنتجة للنفط، وبدأ الإنتاج التجريبي للنفط في الصومال الغربي بمعدل 3500 برميل يوميًا ومن المقرر بناء خط أنابيب لنقل النفط في جيبوتي وتقدر قيمة هذه المشاريع بـ9 مليارات دولار، وذلك وفقًا لما أورده حساب "الصومال بالعربي" على تويتر.

تركيا في الصومال

بدأت العلاقات بين الصومال وتركيا بالنمو بعد أول زيارة قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للبلاد عام 2011، وكان وقتها رئيسًا للوزراء، وعقب الزيارة نشطت المؤسسات المدنية التركية هناك، وساهمت تركيا في إعادة إعمار البنية التحتية في الصومال، كمطار مقديشو الدولي والطرق المعبدة، بالإضافة إلى المدارس ودور الرعاية الصحية، فيما تمتلك أنقرة في الصومال أكبر قاعدة عسكرية في الخارج، وتعمل فيها على تدريب العديد من أفراد الجيش الصومالي وقوى الأمن.

وتأتي الدعوة الصومالية هذه الأيام لتركيا بالتنقيب عن النفط استكمالًا لتمتين العلاقات بين البلدين وامتحانًا جديدًا لتركيا في إفريقيا والعالم العربي، إذ إن الصومال قريبةٌ من الدول الخليجية التي يعتبر بعضها أنقرة عدوًا لدودًا ويجب أن لا يكون لها موطئ قدم في الصومال أو في غيره من الدول، في الوقت الذي تحاول فيه تركيا الخروج إلى مناطق غنية بالطاقة لتلبية احتياجاتها كما حصل في ليبيا.