لا يزال منصب رئاسة الوزراء من حصة المكون الشيعي في عراق المحاصصة، حتى بعد التغيرات الحاصلة والضغط الجماهيري في بغداد ومدن الجنوب بضرورة نبذ مبدأ المحاصصة الطائفية والذهاب إلى اختيار شخصية مستقلة تقود حكومة مؤقتة لاجراء انتخابات مبكرة، فهو جزء من علاقات القوة بين المكونات ولن تتخلى عنه القوى الشيعية مهما حصل.

تفكك البيت الشيعي

كان عراب الميليشيات قاسم سليماني ينسج خيوط التحالفات - ترغيبًا وترهيبًا - ويربط عُقد القوى الشيعية بتوازنات حرجة ومتناقضة في بعض الأحيان، بحيث يشكل كتلة صلبة داخل البيت الشيعي للاعتماد عليها وقت الأزمات، خاصة في مرحلة تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة، إلا أن تداعيات مقتله مع وقع الاحتجاجات فككت الكثير من الأواصر حتى داخل الكتلة الواحدة.

فقد اختلف التيار الصدري مع من تحالف معه سابقًا (الحزب الشيوعي) على وقع تقلبات مواقف الصدر، كما خف التنسيق بين تيار الحكمة وائتلاف النصر من جهة، وازدادت الخلافات بين تيار الحكمة والمجلس الإسلامي الأعلى من جهة أخرى، فائتلاف الفتح الذي كان يوحده أبو مهدي المهندس، دبت بين قواه السياسية الخلافات ولم يحافظ على تماسكه جراء انفراد قيادته بقرار دعم كابينة علاوي دون الرجوع إليهم، مما دفع كتلة صادقون التابعة لعصائب أهل الحق لتبني موقف مغاير آنذاك، بالإضافة لأعضاء الائتلاف من المجلس الإسلامي الأعلى إلى كتلة عطاء إلى سند، ولم تبق إلا كتلة بدر بزعامة هادي العامري مؤيدة لكابينة علاوي ووقف مع الصدر زعيم التيار الصدري الداعم لسائرون.

من جهة أخرى، كتلة دولة القانون بزعامة نوري المالكي على خلاف مع التيار الصدري والنصر وهي قريبة إلى بدر التي تقود ائتلاف الفتح.

إن قوة وتماسك وبنية التحالفات التي كانت سابقًا ظاهرة وأدت لنتائج سياسية مهمة على مستوى السلطة والزعامة، اتضح أنها أوهن من بيت العنكبوت وتوحدها المكاسب السياسية وترويض قاسم سليماني وترغيبه وترهيبه، ومن هنا يأتي عدم التوافق والاتفاق على مرشح من الممكن أن يقود حكومة ترضي جميع الأطراف خاصة بعد الفشل في تمرير كابينة علاوي وتعقد المهمة والظروف والمعطيات بشكل أكبر.

الاستنجاد بشامخاني!

بعد عجز الكتل والأحزب داخل البيت الشيعي على التفاهم والاتفاق على شخصية توافقية وفشل إسماعيل قآني نائب قاسم سليماني في أداء دوره، قام الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شامخاني بزيارة إلى بغداد استغرقت يوم واحد تركزت على إجراءات تشكيل الحكومة واللقاء بأبرز المعنيين بأزمة تسمية رئيس الوزراء المقبل والتذكير بتنفيذ قرار إخراج القوات الأمريكية والتحالف الدولي من العراق والمضي بخطوات تنفيذ الاتفاقية الصينية التي تعتبر أداةً من أدوات الالتفاف على العقوبات الأمريكية على إيران.

إن فشل كورثراني مع قآني مع مقتدى الصدر وعجز أي زعيم محلي عن تنفيذ مهمة توحيد الصفوف خلق الحاجة للعودة إلى إيران لرسم مسارات تلك القوى والأحزاب التي لم تعتد الاعتماد على ذاتها في رسم مسار اختيار رئيس لحكومة لطالما كانت تتشكل وفق خطة الجنرال سليماني ولمساته.

من جهة أخرى، رفع تحالف الفتح دعوى قضائية ضد رئيس الجمهورية بتهمة خرق الدستور (المهلة الدستورية وعدم تحديد الكتلة الأكبر) بالتزامن مع زيارة شامخاني، مما قد تُفسر أنها نوع من الضغط على برهم صالح للموافقة على المرشحين الذين يرفضهم.

صورة

خيارات القوى والأحزاب

تتشكل الحكومات العراقية منذ العام 2010 في مفاوضات الساعات الأخيرة وبكابينة غير مكتملة، وتكتمل لاحقًا وبالتقسيط المريح، والحكومة القادمة ليست أقل تعقيدًا من سابقاتها إنما طرأت على معطياتها تغيرات كبيرة عقدتها بشكل أكبر، لكن هناك خيارات قد تتبلور في الأيام القادمة بشكل كامل بعد زيارة شامخاني:

الإبقاء على الوضع الراهن

إن حالة الفراغ الإداري والانسداد السياسي تخدم القوى والأحزاب المتحاصصة والمسيطرة على الوزارات، فحالة الفراغ السياسي والإداري تخفف - إن لم تلغ - عمل الأجهزة الرقابية الضعيفة أساسًا، وتفتح شهية الفاسدين لتوقيع العقود والصفقات، لذا يفضل بعضها الاستمرار على حالة حكومة تصريف الأعمال حتى لو انتهكت المدد الدستورية التي ستنتهي في 17 من مارس الحاليّ المحددة بـ15 يومًا من تاريخ اعتذار علاوي عن تشكيل كابينته حسب المادة 76 من الدستور.

فالحكومة ليست في حالة تصريف الأعمال فقط، إنما ابتدع رئيس الوزراء ما سماه "الغياب الطوعي" عن أداء مهامه - إلا مهام القائد العام للقوات المسلحة - لكي يتجاوز وعده الذي قطعه على نفسه بترك المنصب مع انتهاء المدة المحددة للتصويت على كابينة علاوي في 2 من مارس الماضي، فما فعله كان للحيلولة دون انتقال صلاحياته لرئيس الجمهورية الكردي التي أكدها الدستور في المادة 81 في حالة خلو المنصب، فهو غائب غيابًا طوعيًا واحتفظ بسلطته من أجل تخفيف الضغط على الكتل والأحزاب لتتباطئ في اختيار مرشح بديل عنه طمعًا بالعودة إلى منصبه.

صورة

إعادة تكليف عبد المهدي

هناك حراك من قوى سياسية ليست من داخل البيت الشيعي فحسب تحاول إعادة تكليف عادل عبد المهدي، وهي جزء من التي مررته سابقًا في البرلمان بذات الخلطة التي صاغها سليماني، فالقوى السياسية التي تتشاور لإعادته (كتلة تحالف القوى السني والحزب الديمقراطي الكردستاني ودولة القانون وائتلاف الفتح) لا تلتفت لشروط المحتجين ولا للصفات التي وضعوها لرئيس الوزراء القادم، إنما تريد الاحتفاظ بذات الأعراف السابقة في تشكيل الحكومات العراقية خاصة مبدأ المحاصصة، لكن ذلك سيصطدم بالمرجعية التي طلبت رسميًا من عبد المهدي الاستقالة ولم تكن استقالته بناءً على طلب المتظاهرين.

من جهة أخرى، سيعترض رئيس الجمهورية برهم صالح والتيار الصدري، كون مقتدى الصدر نعته بالفاشل وهو لا يميل لمعارضة توجهات المرجعية ومن الصعب إعادة عبد المهدي إلا إذا أراد الصدر تسجيل تناقض جديد في سجل التناقضات والتخبط الذي بدأ يتسع منذ اندلاع الاحتجاجات.

أما شعبيًا فسيصطدم بالرأي العام والمحتجين الذين يطالبوا بمحاكمة قتلة المتظاهرين بالتعاون مع ما يصفوها بـ"حكومة القناصة" التي كان يرأسها عبد المهدي، فقد طالب بعضهم بمحاكمته كونه القائد العام للقوات المسلحة.

الحكومة المؤقتة والانتخابات المبكرة

تحاول القوى السياسية تشكيل حكومة دائمة تكمل الفترة المتبقية من الدورة البرلمانية إلى 2022 لأن أي حكومة مؤقتة تنحصر مهمتها في إجراء انتخابات مبكرة ستعني عدم الحصول على المكاسب والمنافع والصفقات الكبيرة من كعكة السلطة لحين إجراء انتخابات دائمة، ناهيك عن السعي لوضع العراقيل أمام إكمال قانون الانتخابات الذي يراوح مكانه ويحتاج لإكمال الجداول الملحقة وتحديد الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد لكل دائرة وترسيم حدود هذه الدوائر، ليتسنى للمفوضية اتخاذ الإجراءات اللوجستية والفنية والتحضير للانتخابات وتحديد موعد لها، فهم يماطلون ليقترب موعد الانتخابات الطبيعية لتكون في موعدها دون حل البرلمان أو تشكيل حكومة مؤقتة والدخول في مسار جديد فيه مخاطر على مصالحهم.

الكتل والأحزاب السياسية تخشى الانتخابات المبكرة والإشراف الدولي، بسبب زيادة وعي الجماهير وضياع ما وصفت حينها بـ"الفرصة الأخيرة" لهذه الكتل والأحزاب بعد تشكيل حكومة عبد المهدي 2018، فهي تخشى خسارتها لمقاعدها وعدم قدرتها على التزوير والإشراف الدولي والمشاركة الواسعة تحت ضغط الجماهير التي قد تنتج حزبًا سياسيًا يعبر عن مطالب المحتجين مع بروز قيادات سياسية منافسة وأخرى غير مؤدلجة داخل البيت الشيعي المنقسم.