مع التطورات الكثيرة التي شهدتها الثورة السورية منذ انطلاقتها عام 2011 وحتى يومنا هذا على مختلف الأصعدة، ظهرت الكثير من التحديات والصعوبات التي أثرت على بنية المجتمع السوري ككل داخل سوريا وخارجها، وعلى مجريات الأحداث في المشهد السوري بشكل عام.

إضافة إلى التأثير الكبير والواضح لبعض الدول والجهات الإقليمية في القضية السورية من جهة، وظهور العديد من الجهات المعارضة الفاعلة والمؤثرة على المستوى المحلي من جهة أخرى، لتشكل هذه التحديات البيئة الخصبة والمحفزة لظهور العديد من مراكز الأبحاث السورية.

هذه المراكز ركّزت في أعمالها وأبحاثها على تلك التغييرات، كما أنها عملت على إصدار استطلاعات الرأي وتزويد وسائل الإعلام بخرائط سيطرة الأطراف كافة على الأراضي السورية، بالإضافة إلى عقد مؤتمرات وندوات واستضافة شخصيات كبيرة لتكوين حالة معرفية أكبر لدى السوريين.

وربما كانت تركيا البلد الذي يضم أكبر عدد من مراكز الأبحاث، مثل مركز جسور ومركز عمران ومركز حرمون وكذلك مركز الحوار السوري وكلها تعمل في المجال ذاته باتجاهات مختلفة ورؤى تخص كل مركز على حدة.

نقف في هذا التقرير على عمل هذه المراكز وأهمية وجودها في المشهد السوري وما الأثر الذي أحدثته وما مستقبلها، مستفيدين من قصة مركزي جسور وعمران على وجه التحديد.

النشأة والتأسيس

انطلقت فكرة مركز "عمران للدراسات الإستراتيجية " من الحاجة والضرورة الملحة لوجود خلية تفكير إستراتيجي حقيقية للثورة السورية، وهذا بحسب وصف معن طلاع مدير البحوث في مركز عمران في حديثه لـ"نون بوست"، والذي يقول بأن مركزهم "مهتم بتفكيك المشهد السياسي وترشيد صنع القرار داخل قوى الثورة والمعارضة، عبر توصيف المشهد ورسم السيناريوهات الخاصة به وطريق مسيره وطرح واختيار البدائل الممكنة".

يركز طلاع في الحديث المطول الذي أجريناه معه على إيمانهم بضرورة إعادة الاعتبار لمراكز الأبحاث ودورها الرائد في رفد صناع القرار بجملة من الخيارات والتحليلات عبر إطلاق برامج بحثية متعلقة بضرورات المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني، سعيًا منه إلى أن يكون خزانًا معرفيًا تتراكم فيه المعرفة حيال كل قضية من قضايا المجتمع السوري على الأصعدة كافة، كل هذه البوادر دفعت القائمين على المركز أن يخطوا نحو الخطوات الأولى التنظيمية وأن يعلنوا ولادة المركز نهاية عام 2013 في تركيا.

انطلقت فكرة جسور للدراسات عام 2015، وبدأ العمل به بشكل رسمي في الشهر الأول عام 2016

وفي ذات السياق البحثي يبرز مركز جسور للدراسات كمؤسسة تعني بالشأن السوري وتحليله وإصدار قراءات مستمرة بما يخص السياسة والاقتصاد والمجتمع، كما يجري ندوات ومحاضرات، إضافة إلى احتضانهم مجموعة من الباحثين الذين يدلون بآرائهم فيما يخص القضية السورية على الشاشات التليفزيونية، كل تلك الأنشطة يتحدث عنها محمد سرميني مؤسس ومدير مركز جسور للدراسات لـ"نون بوست".

انطلقت فكرة جسور للدراسات عام 2015، وبدأ العمل به بشكل رسمي في الشهر الأول عام 2016، ويتطلّع وفقًا للقائمين عليه إلى أن يكون المرجعية المعتمدة وطنيًا وإقليميًا فيما يتعلق بشؤون المنطقة بأبعادها المختلفة، وهو الأمر الذي يضعه على المحك أمام فئته المستهدفة، كما يسعى المركز بحسب سرميني إلى الارتقاء بمستوى الوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي في سوريا والمنطقة، وتحقيق الجودة الشاملة في المادة التي يقدمها والطرح ونوعية الموضوعات، بالإضافة إلى تسهيل الوصول إلى المعلومة، ومتابعة التطورات بأساليب ووسائل متنوعة.

الأعمال والنشاطات

يهدف مركز عمران من خلال عمله إلى دعم آليات اتخاذ القرار واقتراح إستراتيجيات خاصة بالشأن السوري، وتقديم توصيات لأصحاب القرار من خلال اقتراح حلول وخيارات تتميز بالموضوعية والدقة، بالإضافة إلى إصدار مخرجات علمية تشخص بدقة وعمق كل المشاكل والصعوبات التي تواجه سوريا والمنطقة وتستشرف البدائل والمآلات، وذلك بلغات متعددة بهدف تسهيل التفاعل مع السياق الدولي والإسهام في تحقيق التراكم المعرفي الذي يخدم القضية السورية وفقاً لما ذكره الطلاع.

ووفقًا له، فإن أعمال المركز تتركز في إطارين أساسيين هما: المخرجات والنشاطات، ومساحات اهتمام المركز، والأولى تكون عادة عبارة عن التقارير الدورية الإعلامية والعسكرية والمدنية والسياسية، بالإضافة إلى رصد المخرجات العلمية لأهم مراكز الأبحاث في العالم التي تهتم بالشأن السوري،، بالإضافة إلى العمل على تقديم دراسات بحثية مفصلة في محاور متعددة وإنتاج خرائط متعلقة بتحليل المعلومات وربطها بأطر شاملة وتقديمها على شكل خرائط توضيحية، والقيام باستطلاعات رأي وجمع معلومات ميدانية.

وتتنوع المجالات التي يقدمها مركز جسور للدراسات بحسب ما رواه لنا السرميني بداية من الدراسات والأبحاث التي تشكل صلب عمل المركز وتتنوع بين الدراسات والتقارير التحليلية والمعلوماتية وتقارير الموقف والتحليلات القصيرة عبر أشكال مختلفة، إضافة إلى تقديم برامج لإعداد الباحثين، وأخرى لتطوير مهارات التحليل السياسي.

الأهمية والفائدة المرجوة

يقول مدير البحوث في مركز عمران: "المشهد السوري اليوم بات معقدًا وذا كم هائل من التركيب سواء على خريطة الفاعلين وتعقيد مصالحهم، أم على مستوى الأزمات التي تركبت في المشهد السوري ككل، وإننا نحاول من خلال عملنا التأكيد على محور رئيسي وهو إعادة تموضع مراكز الأبحاث السورية - في الداخل والخارج - في تموضعها العلمي المستقل والحقيقي لتعود فائدتها على المجتمع السوري دون أدلجة، وليس كما حاول نظام البعث في سياسته المعتمدة على تغييب عمل هذه المراكز أو حصرها في سياق تابع للسلطة وتنتج إنتاجاتها العلمية بحيث لا تزعج النظام من جهة وتخدم تربية النظام من جهة أخرى".  

مراكز الأبحاث تساهم في أمر أساسي وهو إثارة النقاش بشأن القضايا الإشكالية التي تواجه المجتمع وتسعى للبحث عن تصورات لمستقبلها

كما يضيف مدير مركز جسور للدراسات أنه مع تعقّد المشهد السوري في السنوات الأخيرة، نتيجة لتدخل فاعلين خارجيين كثر، وتعدد الفاعلين المحليين، أصبح إدراك وفهم المشهد الحاليّ عسيرًا على السوريين أنفسهم، ناهيك بالمتابعين من خارج المشهد، كما أصبح استشراف المستقبل، حتى القريب منه، مهمة شاقة حتى على الخبراء، وتستدعي هذه العوامل مجتمعة وجود عدد كبير من المراكز البحثية المختصة بالشأن السوري من جوانبه كافة، بما يساعد في إيضاح الصورة الملتبسة الحاليّة وفي توقع السيناريوهات المستقبلية للمشهد.

ويضيف سرميني "بالمجمل فإن مراكز الأبحاث تمثل أحد مظاهر تطور المجتمعات ونموها، حيث يلاحظ انتشار هذه بشكل كبير في الدول الصناعية، خاصة الولايات المتحدة وأوروبا".

يتابع السرميني "مراكز الأبحاث تختلف في المناهج التي تعتمدها في الوصول إلى توصيف المشهد وأبعاده، وفي استشراف المستقبل، لكن يمكن القول بصورة عامة إن مراكز الأبحاث تساهم في أمر أساسي وهو إثارة النقاش بشأن القضايا الإشكالية التي تواجه المجتمع"، وتسعى للبحث عن تصورات لمستقبلها، وفي بعض الأحيان اقتراح حلول لها، من خلال إشراك أكبر قدر من الفاعلين والخبراء في الحوارات والمشاورات التي يقوم بها قبيل تقديم أي تحليل.

يدرك مركز عمران وفقًا لطلاع أن "مسير أي عملية ناجحة تهدف إلى بناء دولة يخضع إلى مسارين مهمين: أولًا المسار العلمي التقني والتطبيقي وثانيًا العلوم الاجتماعية، وهذان المساران هما الكفيلان بإنتاج وبناء الدولة من جديد".

في حين يرى السرميني أنه "ينبغي التأكيد على أن القضية السورية لم تعد قضية محلية، سواء من حيث الفاعلين أم التأثير، أي أن توصيف المشهد السوري ومحاولة استشراقه لم تعد ممكنة دون فهم تجاذبات القوى في المنطقة والعالم، وبالتالي فإنّ هذه الدراسة لم تعد شأنًا سوريًا خالصًا".

المساهمة في رفع الوعي السياسي

يقول مدير البحوث في مركز عمران: "المركز لا يكتفي في إنتاجه للعمل البحثي على روتين الدورة الإنتاجية النموذجية بدءًا من المقترح وحتى النشر، بل إنه يولي اهتمامًا كبيرًا في مرحلة ما بعد النشر محاولًا إيصال أهم النتائج لكل شرائح المجتمع عبر أدوات متعددة كالمحاضرات والندوات".

"في ذات السياق يعمل مركز جسور على تقديم ملخصات مركزة في مجال التحليل السياسي إلى القارئ العادي، بحيث لا يكون هذا التحليل خطابًا يتداوله المختصون فيما بينهم فحسب، حيث تمكن المركز في السنوات السابقة من الوصول إلى جمهور عريض من السوريين الذين لم يعتادوا قراءة مخرجات مراكز البحث، وغدت مخرجاتنا مطلوبة من القارئ العادي جنبًا إلى جنب مع القارئ المختص" وفقًا للسرميني.

حلول وخطط مستقبلية للسياسيين السوريين

في سؤالنا عن مساهمة مراكز الأبحاث في وضع حلول وخطط مستقبلية للسياسيين السوريين يجيب الطلاع "بدأت مراكز الأبحاث في الآونة الأخيرة في الخروج من مساحة العمل المختصة بالسياسة فقط إلى مساحات أوسع على كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، وتحاول من خلال عملها قراءة التحديات والاستحقاقات القادمة".

يضرب الطلاع مثالًا على إحدى الفرضيات التي يستند إليها مركز عمران في عملية بحثه ويعتبرها من أهم الإشكاليات التي كانت في سوريا قبل الثورة وأحد أهم أسباب انتفاضة الشعب السوري على النظام المجرم وهي الملف الأمني، حيث يعمل مركز عمران منذ نهاية عام 2014 على إنتاج مجموعة من الدراسات التي تفكك هذا القطاع وما يحتويه من غموض محاولًا أن يضع يده على أهم ثغرات الموجودة في هذا السياق لتقديم رؤية مستقبلية متعلقة بأجهزة الأمن في المستقبل كيف يجب أن تكون وما تستلزمه من إصلاحات دستورية وقانونية.

مراكز الأبحاث والدراسات هي الإنجاز الحضاري الذي يعكس مدى اهتمام الشعوب والدول بالعلم والمعرفة وتسخيرها لتقديم الخطط والتوصيات التي تسهم في رسم آفاق المستقبل

ويضيف الطلاع "وفي ذات السياق تم دراسة المؤسسة العسكرية، وكل هذه التحولات التي مرت بها، وتقدم هذه الخلاصات ضمن ورش عمل مع الفاعلين الرئيسيين سواء السياسيين الوطنيين السوريين أم حتى الفاعلين في المشهد الإقليمي والدولي، وقدم المركز مقاربات تنفيذية تجاوب عن سؤال كيف الذي ينطلق من سؤال ماذا يريد السوريون، وكيف يجب أن يكون هذا التغيير سواء في الملف الأمني أو فيما يطرحه مركز عمران اليوم بنفس الأدوات فيما يتعلق بموضع الحكم في سوريا".

سوريا المستقبل

لا شك أن إعادة بناء سوريا بعد سنوات من الحرب والدمار، وسلسلة من التدخلات الأجنبية التي ساهمت في تغيير بنية المجتمع والدولة السورية تتطلب جهدًا فكريًا وبحثيًا في كل جوانب الحياة، ابتداءً من السياسة والاقتصاد، وليس انتهاءً بالشأن الاجتماعي والديني والثقافي، لكي تتمكن مراكز الأبحاث السورية من تحقيق تأثير ملموس على المجتمع والفاعلين، فينبغي أن تعمل هذه المراكز على الاقتراب أكثر من الجمهور، سواء من حيث الاهتمامات أم اللغة، وأن تتجاوز الخطاب النخبوي السائد لدى كثير من مراكز الأبحاث العربية، بالإضافة إلى أنها بحاجة إلى أن توسّع دائرة علاقاتها وتواصلاتها، بحيث تقترب أكثر من الفاعلين والمؤثرين في الأحداث، ولا تكتفي بنقاشات الأكاديميين وتحليلاتهم"، وفقًا لما ذكره سرميني مدير مركز جسور للدراسات.

ويرى مدير مركز البحوث في مركز عمران أن أهمية مراكز الأبحاث في مستقبل سوريا هي "أهمية متراكبة يمكن وضعها في ثلاث مسارات، حيث يرتبط المسار الأول بالأمانة العلمية التي هي دافع ليكون هناك قدر من الموضوعية والعلمية في مخرجاتها، فيما ارتبط المسار الثاني بأهمية وجود الشرط الوطني والمحافظة عليه حاضرًا على الأجندة وهو من أكبر التحديات التي تشهدها مراكز الأبحاث وخاصة في ظل وجود عدة مراكز أجنبية تهتم بالشأن السوري".

أما المسار الثالث فهو متعلق بالتحديات التي تشهدها مراكز الأبحاث على المستوى الداخلي في مختلف الأصعدة الاقتصادية والموارد البشرية والمالية، حيث يجب أن تكون هذه الجهات وطنية مستقلة تدعم هذا المسار لأن هذه المراكز هي التي تحاول في المستقبل رسم كل السيناريوهات والخيارات والبدائل الوطنية الضامنة لعودة سوريا.

ختامًا فإن مراكز الأبحاث والدراسات هي الإنجاز الحضاري الذي يعكس مدى اهتمام الشعوب والدول بالعلم والمعرفة وتسخيرها لتقديم الخطط والتوصيات التي تسهم في رسم آفاق المستقبل، كما أصبحت أحد أهم دلالات تطور الدول على مختلف أصعدتها، وغدت سلاحًا له وزنه وكلمته، فهل ستنجح مراكز الأبحاث السورية في المهمة الأصعب والأكثر إلحاحًا وتقدم مخزونًا علميًا ومعرفيًا يسهم بشكل حقيقي في بناء رؤية جاهزة للتنفيذ وصولًا لسوريا الجديدة؟