شهدت الأونة الأخيرة نشاطًا إيرانيًا ملحوظًا – عبر العديد من الأذرع – داخل القارة الإفريقية، وهو ما كشفته التقارير الإعلامية والاستخباراتية الواردة من بعض عواصم القارة، الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات عن هذا النشاط في هذا التوقيت تحديدًا.

صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، كشفت في تقرير لها، الإثنين 15 فبراير/شباط 2020، عن تنشيط طهران لإحدى خلاياها النائمة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، لافتة إلى أنها "تعمل من أجل استهداف مصالح أمريكية وإسرائيلية انتقاما لمقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني".

الصحيفة أوضحت أن التحرك الإيراني لتنشيط تلك الخلية المكونة من عشرات الأفراد بدأ الخريف الماضي بعد التعثر الذي شاب الاتفاق النووي بعد انسحاب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وكان يهدف ابتداء إلى جمع معلومات استخباراتية عن سفارتي الولايات المتحدة و"إسرائيل" بجانب الإمارات فيما بعد.

الأعوام الثلاثة الماضية تحديدًا تناقلت العديد من التقارير هرولة إيرانية لتوسيع دائرة النفوذ داخل إفريقيا، لاسيما منطقة القرن وغرب القارة، تحقيقًا للعديد من الأسباب السياسية والاقتصادية والأمنية، وهو التحرك الذي أثار استخبارات العديد من خصوم إيران في المنطقة.

بين الاتهام والنفي

اعتقلت السلطات الإثيوبية أول أمس 15 شخصًا بتهمة التخابر والتخطيط لتنفيذ عمليات استخباراتية داخل البلاد، لكن دون أن تحدد الجهة التي تقف ورائهم، إلا أن مسؤولين أمريكيين اتهموا إيران بالضلوع خلف هذه الخلية، وهو ما جاء على لسان مدير المخابرات في قيادة البنتاغون لإفريقيا، الأدميرال هايدي ك.بيرج، الذي أضاف أن "العقل المدبر لهذه المؤامرة الفاشلة، المدعو أحمد إسماعيل، اعتقل في السويد".

بيرج وحسبما نقلت عنه الصحيفة الأمريكية أشار إلى أن إثيوبيا والسويد تعاونتا معًا من أجل إحباط تلك المؤامرة التي كانت تستهدف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الدولة الإفريقية، إضافة إلى السفارة الإماراتية هناك، انتقامًا لمقتل العالم النووي محسن زاده ومن قبله سليماني.

وكانت صحيفة "تليغراف" البريطانية قد نشرت تقريرًا في 24 يونيو/حزيران الماضي كشفت فيه عن بناء طهران لشبكات استخباراتية سرية داخل القارة الإفريقية لمهاجمة أهداف أمريكية وأوروبية، ويندرج ذلك تحت مخطط طهران لتمديد نطاق عملياتها حول العالم.

تكثيف إيران لتحركاتها الاستخباراتية داخل إفريقيا في هذا التوقيت يحمل رسالة إلى إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي يفكر جليًا في العودة إلى الاتفاق النووي

وفي الجهة المقابلة، نفت طهران على لسان المتحدثة باسم السفارة الإيرانية في أديس أبابا تلك الاتهامات، لافتة إلى أن "هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، وقد أثارتها فقط وسائل إعلام خبيثة"، هذا في الوقت الذي لم توجه فيه الشرطة الإثيوبية أي اتهامات رسمية للمشتبه بهم حتى كتابة هذه السطور.

يذكر أنها ليست المرة الأولى التي تواجه فيها إيران اتهامات دعم خلايا للقيام بأعمال استخباراتية أو عدوانية داخل إفريقيا، فسابقة أعمالها مليئة بالعديد من النماذج، أبرزها ما حدث في 2010 حين ضبطت قوات الأمن النيجيرية عام  كميات كبيرة من الأسلحة إيرانية الصنع من بينها قاذفات صواريخ، كانت موجهة لدعم مليشيا انفصالية سنغالية تتمركز في غامبيا.

كذك في فبراير/ شباط 2013، حين ألقت القوات النيجرية القبض على ثلاثة من عناصر "حزب الله" في نيجيريا، كانوا يختبئون في منزل يمتلكه القنصل اللبناني في سيراليون، وتبين فيما بعد أنهم كانوا يخططون لمهاجة أهداف غربية بجانب عدد من الشخصيات منها السفير السعودي في نيجريا.

تمديد النفوذ

نقلة نوعية، رأسية وأفقية، شهدها النفوذ الإيراني داخل إفريقيا خلال العقد الأخير على وجه التحديد، حيث اتسعت الرقعة لتتجاوز النطاق الجغرافي لشرق القارة، وهي الساحة التقليدية المفضلة للنشاط الإيراني إفريقيًا، لتصل إلى نقاط بعيدة أخرى، في الوسط والشرق وأحيانًا الجنوب.

علاوة على ذلك انتهجت طهران سياسة جديدة في التعامل مع الدول الإفريقية تتعلق بالتقارب مع بعض العواصم التي كانت تعاني من خصومة في العلاقات معها، مستندة في ذلك إلى القاعدة البرغماتية الميكافيللية، وهو ما كان يرفضه الإيرانيون قبل ذلك، غير أن التطورات والتحديات الأخيرة أجبرتها على التخلي عن بعض الثوابت القديمة.

والقارئ لخارطة النفوذ الإيراني داخل إفريقيا مؤخرًا يجد أنها اتسعت بشكل كبير لتبلغ سواحل الأطلنطي في أقصى غرب القارة، لكن من يدقق النظر يلاحظ أن معظم الدول التي تسقط في شباك التوغل الإيراني تعاني من هشاشة سياسية وأمنية واضحة، مهدت الطريق أمام نظام الملالي ليعمق حضوره القاري.

تغير ملامح خارطة النفوذ داخل إفريقيا كانت دافعًا قويًا لطهران لتعزيز تحركاتها لتعويض ما فقدته خلال الفترة الماضية

طهران نجحت كذلك في استغلال انتشار التنظيمات المتطرفة في بعض دول إفريقيا لتعزيز نشاطها هناك، بما يجنبها المسائلة الدولية ويصعب معه توجيه اتهامات مباشرة لها بممارسة أي أنشطة إرهابية في ظل تفشي خارطة التنظيمات البعيدة عن السيطرة الأمنية الرسمية لتلك الدول، الأمر الذي يجعل الإيرانيين يمارسون نشاطهم بأريحية كاملة.

تغير ملامح خارطة النفوذ داخل إفريقيا كانت دافعًا قويًا لطهران لتعزيز تحركاتها لتعويض ما فقدته خلال الفترة الماضية، لاسيما في السودان والقرن الإفريقي، فالتغيرات السياسية التي شهدتها تلك الدول قزمت من الوجود الإيراني لصالح خصومها السياسيين وعلى رأسهم الإمارات و"إسرائيل"، خاصة بعد اتفاق أبراهام الأخير مع السلطة الانتقالية في الخرطوم.

الضغط على بايدن

فريق ذهب إلى أن تكثيف إيران لتحركاتها الاستخباراتية داخل إفريقيا في هذا التوقيت يحمل رسالة إلى إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي يفكر جليًا في العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2018 الذي انسحب منه ترامب، وهي الفرصة السانحة أمام الإيرانيين للحصول على أكبر قدر من المكاسب.

تعلم طهران جيدًا حرص واشنطن على المصالح الإسرائيلية، سواء داخل الأراضي المحتلة أو خارجها، هذا بجانب مصالح أمريكا ذاتها إفريقيًا، والتي تتعرض لتهديدات كبيرة بسبب تعدد القوى الدولية اللاعبة في الساحة الإفريقية والتي سحبت البساط من تحت النفوذ الأمريكي في كثير من المناطق، وعلى رأس تلك القوى الصين وروسيا.

ومن هنا فإن تهديد المصالح الأمريكية وحلفاءها في إفريقيا ورقة ضغط تحاول طهران استخدامها لحث إدارة بايدن على الإسراع لإحياء الاتفاق مرة أخرى في ظل ما يشهده البيت الأبيض من انقسام بشأن أدوات التعاطي مع ملف الاتفاق النووي، والذي يمثل صداعًا للإدارة الديمقراطية الجديدة.

وفي المجمل، فإن التطورات المتسارعة الأخيرة وتفاقم الأوضاع المضطربة في عموم القارة الإفريقية ربما يجعل من الساحة الإفريقية ساحة بديلة لإيران لتحقيق مكاسب نوعية، ما يرجح أن تشهد القارة أنشطة إيرانية خطرة في المستقبل القريب تتطلب المراقبة الدقيقة لها، بعيدًا عن الأبعاد والأهداف الأخرى.