هوت أسعار النفط العالمية على مدار الأيام القليلة الماضية إلى أدنى مستوياتها على مدار أربعة أعوام.

الانخفاض الحاد بدأ منذ بداية شهر يونيو الماضي، فتراجعت من نحو 110 دولارات للبرميل، إلى أقل من 84 دولارًا في أكتوبر الجاري، بنسبة انخفاض خلال هذه الفترة تتجاوز 20%، حسب وكالة الطاقة الدولية، وهو معدل مؤثر في موازنات الدول النفطية، التي كانت تؤكد دائمًا أن 100 دولار للبرميل سعر عادل ومقبول.

والغريب أن هذا الانخفاض يحدث في ظل ظروف إقليمية وعالمية تدعو إلى ارتفاع أسعار النفط وليس انخفاضه، فالمنطقة العربية تعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، فكل من العراق وليبيا يعيشان حروبًا أهلية، والخليج يعيش هلع "داعش" وأحلام المشروع الإيراني التي أصبحت واقعًا على الأرض.

وعلى الصعيد الدولي، لاتزال الأزمة الروسية مع الغرب وأمريكا قائمة ولا يلوح في الأفق حل قريب لها، كما أعلنت إيران أنها لن تكون بديلاً لروسيا في إمداد الغرب بالنفط والغاز، ولكن لأن سوق الطاقة هو لعبة الكبار، فإن مؤشر الأسعار على ما يبدو تحركه، أمور أخرى لا يعلمها إلا الكبار، وإن تبارى المحللون في تفسير أسباب الصعود والهبوط،
العديد من المحللين أشاروا إلى السعودية باعتبارها أحد اللاعبين الرئيسيين في سوق النفط العالمي.

فقد أكدت رويترز يوم الإثنين أن مسئولين سعوديين أطلعوا متعاملين في أسواق النفط في نيويورك على سياسة المملكة الأسبوع الماضي وأوضحوا أن السعودية مستعدة لتقبل فترة من انخفاض الأسعار - ربما حتى 80 دولارًا للبرميل - من أجل الحفاظ على حصتها في السوق.

"ديبورا جوردون" مديرة برنامج الطاقة والمناخ في وقفية كارنيجي للأبحاث نشرت عددًا من التغريدات على حسابها على موقع تويتر أمس.

تقول جوردون إن هناك أربعة أسباب منطقية للسعودية لدعمها هبوط أسعار النفط:

  • الأول هو مساعدة  اقتصاد الصين والاتحاد الأوروبي في استعادة العافية؛ وبهذا تكسب الرياض أصدقاء جدد، وأيضًا تعيد النشاط للطلب على النفط.

  • الثاني هو  التأثير سلبًا على روسيا، وهي المنافس الحقيقي للسعودية في مجال النفط، رغم الصعود الأمريكي الكبير.

  • الثالث هو تذكير منظمة أوبيك بمن المسؤول! السعودية هي الأقوى في هذه المعادلة.

  • الرابع هو إبطاء الصعود السريع للنفط الصخري في الولايات المتحدة، حيث إن هبوط أسعار النفط سيجعله منافسًا للنفط الصخري الذي قد يُعد رخيصًا مقارنة بأسعار النفط السابقة

هذا التفسير الأخير يروق للبعض، إذ يرى "مازن السديري" رئيس قسم الأبحاث في شركة الاستثمار كابيتال السعودية، أن رفع السعودية لإنتاجها يرجع إلى أسباب اقتصادية بحتة ولا علاقة لها بالسياسة وهذه سياستها منذ أكثر من عقد، وقال: "ما يحكم السعودية هو تحقيق الاستقرار الاقتصادي بالأساس، كون النفط أهم مصدر للدخل لديها".

وذكر السديري أن هدف السعودية من رفع الإنتاج هو إخراج الغاز الصخري من السوق، نظرًا لأن تكلفته مرتفعة وبالأسعار الحالية سيصبح الاستثمار به غير مربح؛ وبالتالي سيقل معدلات الاستثمار به.

صحيفة الرياض السعودية أشارت إلى الأمر ذاته مؤكدة أن "استمرار الإنتاج السعودي على معدلاته الحالية ربما يقلل من حماس شركات غربية للاستثمار في تقنية (التكسير الهيدروليكي) التي تعتمد على تفتيت الصخور باستخدام سوائل لاستخراج احتياطات من النفط والغاز يصعب الوصول إليها، وهذا بالتأكيد هدف للسعودية".

 جريدة "التايمز" البريطانية توافق على ذلك، إذ كتبت قبل ثلاثة أيام أن السعودية تريد خفض الأسعار حتى تجعل من استخراج النفط الصخري أمرًا غير مجدٍ اقتصاديًا، بما يدفع الأمريكيين في النهاية إلى العودة لاستيراد النفط من المملكة.

جريدة "فايننشال تايمز" البريطانية لم تر في الأمر مؤامرة، لكنها أرجعت الهبوط في أسعار النفط إلى السبب ذاته، وهو الطفرة التي تشهدها الولايات المتحدة في إنتاج النفط الصخري، وهو ما مكَّن الأمريكيين من الاعتماد على إنتاجهم المحلي بشكل أكبر والاستغناء عن النفط المستورد من الخارج؛ وهو ما أدى بالضرورة إلى تراجع الطلب العالمي على النفط، إذ أن الولايات المتحدة هي أكبر مستهلك للنفط في العالم.

"آندريو هولاند" أحد محللي الطاقة من واشنطن كتب يقول إن الأمر قد يكون "مؤامرة" بين الولايات المتحدة والسعودية للضغط على إيران.

في الحقيقة يبدو هذا الرأي الأخير منطقيًا بالنسبة للعديد من المتابعين والمحللين أيضًا، فقد عزا خبراء اقتصاديون انخفاض أسعار البترول إلى عدة أسباب من بينها استمرار الإنتاج المرتفع واستمرار المنحى الصعودي للدولار، معتبرين أن المملكة العربية السعودية تزيد من إنتاج النفط كوسيلة ضغط على إيران، التي تحاول زيادة إنتاجها لتغطية العجز الحاصل في اقتصادها.

ويرى خبراء أن إيران لن تتمكن من التغلب على السعودية في هذا الصدد، بل سيدفعها انخفاض الاسعار إلى تليين مواقفها في النهاية.

وانعكس الانخفاض الملحوظ في أسعار البترول في الآونة الأخيرة، بشكل سلبي على
الاقتصاد الإيراني الذي يعاني بالأصل من وطأة العقوبات الدولية المفروضة عليه، فيما يربط البعض انخفاض الأسعار إلى المنافسة بين المملكة العربية السعودية وإيران.

وأفاد الخبير الإيراني "مير جوانفادر" أن السعودية تحاول إلحاق الضرر بالاقتصاد والقوة العسكرية الإيرانية، من خلال خفض أسعار البترول، مشيرًا إلى أن الحرس الثوري الإيراني الذي يدعم مجموعات مسلحة معادية للسعودية في سوريا والعراق ولبنان، يملك حصة في قطاع النفط الإيراني.

وأوضح رئيس نادي البوسفور وجمعية المصادر العالمية "محمد أوغوتجو"، أن انخفاض أسعار البترول وجه ضربة لقطاع الصناعات الهيدركربونية التي كان الإيرانيون يحاولون دعمها بالتكنولوجيا، بعد أن تأثرت إلى حد كبير بالعقوبات المفروضة، مشيرًا إلى أن تزامن انخفاض أسعار البترول مع ازدياد التوتر الجيوبولوتيكي في المنطقة، وتقدم تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، عمّق آلام الاقتصاد الإيراني؛ وهذا قد يدفع إيران لأن تتحول من قوة تريد النفوذ في المنطقة إلى بلد معتدل، وفق قوله.

وقال رئيس مركز السياسات النفطية والتوقعات الاستراتيجية الدكتور" راشد أبانمي"، إن السعودية تتعمد خفض أسعار النفط عالميًا، للضغط على موارد كلٍ من روسيا وإيران، وذكر أبانمي أن التكلفة الاقتصادية على كلٍ من روسيا وإيران جراء خفض أسعار النفط أكبر كثيرًا من تكلفته على دول الخليج.

وذكر تحليل أعده "جون ألين جاي" ، مؤلف كتاب "الحرب مع إيران: العواقب السياسية والعسكرية والاقتصادية"، أن الرئيس الإيراني" حسن روحاني" يشعر بعدم الارتياح إزاء انخفاض أسعار النفط الحالي، حيث وعد إبان حملته الانتخابية بتحقيق الازدهار الاقتصادي وخفض التضخم، وأن تكون إيران واحدة من أكبر 10 اقتصادات في العالم خلال 30 عامًا.

وأشار التحليل الذي نشرته مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية، إلى أن إيران وضعت ميزانية العام الحالي على أساس أن سعر النفط 100 دولار للبرميل، وصادرات النفط 1.5 مليون برميل يوميًا، وتفاءلت بعد أن وصلت أسعار النفط ذروتها في يونيو الماضي، عند 113 دولارًا للبرميل.
وأضاف التحليل، أن تراجع سعر النفط يزيد من تكلفة الفرصة البديلة في حالة عدم التوصل إلى اتفاق؛ لأن هذا يقل نفوذ إيران على طاولة المفاوضات، ومن وجهة نظر المتفائلين، فمن المرجح التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي وأن يكون مناسبًا للغرب.

التأثير سيطول الدول العربية بالطبع، لكن صحيفة الرياض كتبت أن "متوسط سعر النفط الخام يتراوح بين 80-85 دولارًا للبرميل، وهذا قد يكون مقبولاً للدول العربية لكنه سيؤثر كثيرًا على إيران وفينزويلا - التي وجهت دعوة عاجلة لأوبك لتحديد أسباب زعزعة استقرار الأسعار والبحث عن إجراءات تصحيحية -".

لكن لا يتوقع خبراء الطاقة أن تسير السعودية في اتجاه خفض الإنتاج لتثبيت الأسعار أو عكس هبوطها، إذ إنه على الرغم من أن الأسواق العالمية التي تستهلك حوالي 90 مليون برميل في اليوم، لديها مليون برميل زائد عن حاجتها، إلا أن ذلك قد يتغير بسهولة إذا هاجم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) العاصمة العراقية بغداد وهدد حقول النفط في جنوب العراق، أو إذا جددت الميليشيات فجأة حصارها لموانئ النفط في ليبيا.

لكن على الرغم من البُعد السياسي الواضح في انخفاض أسعار النفط العالمية، ومن الدور السعودي الظاهر، إلا أن "السعودية يجب أن تقلق"، هذا ما قاله الأمير السعودي الوليد بن طلال.

وقال الأمير الوليد في رسالة مفتوحة إلى وزير البترول السعودي، علي النعيمي، ووزراء آخرين: "نود أن نعبر عن دهشتنا واستغرابنا بل واستنكارنا لتصريحات نقلت عن النعيمي وتهدف إلى التقليل أو التهوين من الآثار السلبية الكبيرة التي ستلحق بميزانية واقتصاد المملكة العربية السعودية من جراء التراجع الكبير في أسعار النفط".

وأكد في الرسالة التي نشرت على حسابه بموقع تويتر أن ميزانية المملكة لعامي 2014 و2015 قد تتكبد خسائر تقدر قيمتها بمليارات الريالات.

وحسبما قالت صحيفة العربي الجديد في تقرير لها، ففي ظل الدعوة لإلغاء الدعم في الدول الخليجية، لا بد أن نأخذ في الاعتبار أن هذه الخطوة ستكون مؤثرة بشكل كبير على العاملين الأجانب في هذه الدول وخاصة العمالة العربية؛ مما سيؤثر سلبًا على دخولهم، وبالتالي تحويلاتهم لبلدانهم.

قد تعوض برامج الحماية الاجتماعية في بلدان الخليج مواطنيها ضد خطوة تخفيف أو إلغاء الدعم على الأجل الطويل، ولكن العاملين العرب من غير مواطني دول الخليج سوف يتأثرون سلبًا.
وقد تستفيد الحكومات في ظل انخفاض أسعار النفط، حيث تستطيع أن تخفف من عجز موازناتها الناتج عن الدعم المقدم للمنتجات البترولية؛ وبالتالي ستكون مدفوعاتها للواردات البترولية أقل.
أما ما يتعلق بالمواطنين، فلن يجدوا ثمرة لانخفاض أسعار النفط في مستوى معيشتهم، فالحكومات لن تقوم بناء على هذا التخفيض بتقليل أسعار المنتجات البترولية أو أن تتمهل في تنفيذ برامج رفع الدعم عن المنتجات البترولية، فهي تنتظر هذه اللحظة التي تتخلص فيها من دعم الوقود، وتشجعها على هذا البرامج التي التزمت بها مع صندوق النقد الدولي.

وفي ضوء تأثير انخفاض أسعار النفط على موازنات الدول النفطية، فمن المنتظر أن يتم التراجع عن تنفيذ بعض المشروعات أو تأجيلها في الأجل القصير؛ مما يخفف من الطلب على العمالة من الدول العربية غير النفطية.

وسيؤثر انخفاض أسعار النفط بشكل سريع على ارتفاع معدلات البطالة العربية وتكريس حالة الركود؛ وهو ما يعني مزيدًا من حدة الفقر في الدول العربية غير النفطية، وحتى في السعودية أكبر دولة نفطية، فإن المؤشرات تدل على ارتفاع معدلات الفقر بها، حيث تختلف التقديرات غير الرسمية للفقر هناك ما بين 25% و30%.

المصدر: نون بوست + صحف ووكالات