جاءت المفردات الخطابية التي تحدّث بها المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، أثناء إحيائه ذكرى احتجاجات أهالي مدينة قُم ضد نظام الشاه عام 1978، لتُثيرَ العديد من الأسئلة والاستفسارات حول المغزى الرئيسي منها.

فرغم عدم تطرُّقه الواضح لمباحثات إحياء الاتفاق النووي الجارية بين إيران والقوى الكبرى في فيينا، إلا أنه أشار صراحة إلى مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة، حيث قال في معرض حديثه إن التفاوض في فترةٍ ما لا يعني الاستسلام للعدو، ولن نستسلم بعد الآن؛ هذا التحول الخطابي حظيَ بتغطية مهمة من قبل العديد من الصحف الإيرانية، أبرزها صحيفة "كيهان" المقرَّبة من خامنئي، والتي أفردت تغطية خاصة لخطاب خامنئي الأخير.

وفي السياق ذاته، عاد خامنئي للتذكير مرة أخرى بالعديد من المفردات المهمة، ومنها المقاومة الثقافية للحرب الناعمة التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، فضلًا عن تأكيده على فكرة المرونة البطولية التي تعني التفاوض من منطلق القوة لا الضعف، مؤكّدًا فكرة أن عدم الاستسلام لعدو مستكبر ومتغطرس هو أحد مبادئ الثورة.

هذه الدلالات تعطي توصيفًا واضحًا لحالة إيرانية بدأت تحظى باهتمام العديد من المتابعين، وهي في إمكانية عودة المفاوضات السرّية المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، في إعادة لسيناريو المفاوضات السرّية التي حصلت أثناء الحرب العراقية الإيرانية، عندما كانت إيران بحاجة للسلاح والصواريخ.

فبينما كانت جماهير الثورة في إيران ترفع شعار الموت لأمريكا، أعطى القائد الأعلى للثورة الإسلامية الخميني الضوء الأخضر لبدء المفاوضات، أدارها من الجانب الأمريكي رئيس الاستخبارات المركزية روبرت ماكفارلين، وعن الجانب الإيراني علي أكبر هاشمي رفسنجاني، فيما عُرف آنذاك بفضيحة "إيران كونترا".

البُعد البراغماتي للخطاب الديني الإيراني

لا يخفى على أحد أن "فقه الضرورة" الذي اعتمدته إيران بعد عام 1979، هو الوجه الآخر للبراغماتية السياسية ببُعدها الديني، والذي أتاحَ لها هامش مناورة سياسية في العديد من المنعطفات التاريخية التي مرَّت بها المنطقة.

كما أباح لها تجاوز العديد من المحظورات السياسية التي حدّدها خطابها السياسي، سواء على مستوى العلاقة من التنظيمات المتطرفة كتنظيم القاعدة وحركة شباب المجاهدين الصومالية، أو على مستوى العلاقة مع الدول التي تعتبرها كافرة وملحدة كروسيا والصين وكوريا الشمالية.

هذه البراغماتية جعلتها لا تواجه ذلك الحرج عندما تتحدث عن إمكانية الوصول إلى تفاهمات واضحة مع إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وعلى ما يبدو أنها لا تواجه الحرج في الجلوس مع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، إذا كان الهدف النهائي هو رفع العقوبات والحفاظ على النفوذ الإقليمي.

التحديات الكبيرة التي تواجهها إيران اليوم، جعلتها تعيدُ النظر في العديد من الحسابات الإقليمية خلال الفترة الماضية.

خطاب خامنئي الأخير جاء بعد جملة من التطورات الإقليمية المهمة، حيث أشارت عدة مصادر إخبارية إلى أن وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، طرحَ خلال زيارته التي قامَ بها إلى طهران مؤخرًا، مبادرة لاستضافة مباحثات سرّية مباشرة بين الإيرانيين والأمريكيين، بهدف "تسوية الخلافات والعُقد" التي لن تُحلّ عبر التفاوض غير المباشر في فيينا.

وحصل حسين على وعد من الرئيس الإيراني إبراهيم باستئذان المرشد للقيام بهذه الخطوة، التي تذكّرنا بمفاوضات سرّية استضافتها سلطنة عُمان بين الجانبَين الإيراني والأمريكي قبيل توقيع الاتفاق النووي عام 2015، وتجدرُ الإشار إلى أن حديث خامنئي حول إمكانية التفاوض جاء بعد ساعات من تصريح كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري كني، بأن "الخلافات في مفاوضات رفع العقوبات المفروضة على إيران آخذة في التراجع".

تخفيف التوترات الدبلوماسية

وفي هذا الإطار، قدّمت إيران العديد من رسائل التطمين للإدارة الأمريكية، وهي رسائل تأتي كجزء من تحرُّك إيراني شامل على الصعيد الخارجي، حيث نجحت بتنظيم لقاء جمعَ زعيم المقاومة الأفغانية أحمد مسعود مع أمير خان تقي وزير خارجية حكومة طالبان، وهو ما يشير إلى تحرُّك إيراني تمهيدي للاعتراف بطالبان، وعزمها تسليم السفارة الأفغانية إلى ممثّلي طالبان.

وعلى الجانب الآخر، لم تمارسْ إيران دورها المعهود في إدارة ملف توزيع المناصب العراقية، فهي لم تحاول عرقلة عملية انتخاب رئاسة مجلس النواب رغم اعتراض حلفائها، كما أنها بدأت بإعادة تموضع جديد في العراق، لا يجعلها بحالة صِدام مباشر مع الولايات المتحدة.

إن التحديات الكبيرة التي تواجهها إيران اليوم، جعلتها تعيدُ النظر في العديد من الحسابات الإقليمية خلال الفترة الماضية، وكانت أولى بوادر هذا التحول في التقارب مع تركيا والإمارات، والحوار مع السعودية، وتخفيف التوترات في العراق.

ورغم الخطاب التصعيدي الذي جاء على لسان قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني في ذكرى اغتيال سليماني، إلا إنه حتى اللحظة لم يتحقّق شيء من هذا التصعيد، ما يعني أن إيران تحاول الحفاظ على قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة، ولا تريد الذهاب بعيدًا في سياسات حافة الهاوية، لأنها تدرك جيدًا أن استمرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على هذا النحو في الداخل الإيراني، يعني إمكانية أن يواجه نظام خامنئي السيناريو ذاته الذي يحصل في كازاخستان، رغم توفُّر العديد من المسارات الداعمة لحدوث ذلك.