الاحتجاجات في مدينة "فيرغسون" بولاية "ميزوري" الأمريكية مازالت مستمرة بعد تفاقم أزمة مقتل شاب أمريكي من أصل أفريقي على يد ضابط بالشرطة الأمريكية دون سبب سوى الاشتباه، مع ترويج رواية كاذبة عن حمل الشاب لسلاح وهو ما تم نفيه بعد ذلك من قبل أسرة الشاب.

ما زاد الأمر احتدامًا هو القرار الصادر عن هيئة المحلفين بالولاية والذي يقضي بعدم توجيه الاتهامات للشرطي لعدم كفاية الأدلة؛ الأمر الذي زادت معه التظاهرات الرافضة لهذا القرار وزادت معه أيضًا حدة قمع الشرطة الأمريكية لتلك التظاهرات المطالبة بمحاكمة الشرطي الذي تسبب في مقتل الشاب الأمريكي ذي الأصول الأفريقية، في تطور جديد يعطى القضية بعدًا عنصريًا خطيرًا داخل الولايات المتحدة.

وصلت حدة مواجهة المتحجين للحد الذي جعل وكالة الأناضول التركية للأنباء أن ترسل 3 من المراسلين الحربيين المختصين إلى الولايات المتحدة لتغطية الأحداث التي تقع في مدينة فيرغسون بعد ازديادها وتوسعها، جاء ذلك في تغريدة للمدير العام للوكالة "كمال أز تورك" على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، هذا وقد اُعتقل أحد مراسلي وكالة الأناضول للأنباء أثناء تغطية الاحتجاجات في وقتٍ سابق في مشهد قمعي غير مسبوق.

لم يتوقف الحدث عند هذا الحد بل إن وسائل الإعلام اكتشفت وجهًا آخر لم تألفه بالولايات المتحدة بخصوص أمور الحريات والتظاهرات، وأن مشاهد الكر والفر بين الشرطة والمتظاهرين لم يعتدها البعض إلا في دول العالم الثالث في الآوانة الأخيرة، ولكنها كانت حاضرة وبقوة في هذه الحادثة.

الأمر الذي دعى منظمة العفو الدولية لإصدار بيانات تطالب فيها الشرطة الأمريكية بإنهاء العنف الذي تمارسه تجاه المحتجين، مع توجه المنظمة لإرسال لجنة مراقبين إلى الولايات المتحدة لأول مرة في التاريخ.

كذلك قامت لجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة بانتقاد العنف الذي تمارسه قوات الشرطة تجاه التظاهرات الرافضة لقرارهيئة المحلفين بتبرئة الضابط المتهم بواقعة القتل؛ ما دفع والد الضحية الأمريكي للذهاب إلى الأمم المتحدة  لتقديم شكوى بشأن مقتل ابنه على يد أحد أفراد الشرطة.

فتحت هذا القضية نقاشًا واسعًا كشف الستار عن شعور بعض الأمريكيين السود بالتمييز الممارس تجاههم في نوع من العنصرية الممارسة من قبل بعض البيض، وأن الأمر الذي اعتقدت الولايات المتحدة أنها فارقته إلى الأبد واتضح أنه مازال رمادًا من تحته نار ستشتعل في أي وقت، فالاضطرابات الحالية أخذت منحنى عرقي استدعى مزيدًا من العنف بواسطة الشرطة لإنهاء الاحتجاجات؛ مما اضطر الولاية لإعلان الأحكام العرفية بالمدينة، وهو الأمر الذي لم يمتثل له عدد من المحتجين الذي يمثل أغلبيتهم أمريكيون من ذوي أصول أفريقية وهم الغالبية في هذه المقاطعة.
 
تحدث ناشطون أمريكيون عن هذا الأمر باستياء شديد منتقدين تصريحات الحكومة الأمريكية بأن هذه "حالة فردية" لا تستدعي التضخيم، كذلك أكدوا أن الحكومة تخشى المناقشة المجتمعية لأمر العنصرية التي تجتاح المجتمع الأمريكي، كما تقف موقف المشاهد الدافن رأسه في الرمال في ظل الحديث عن واحة الحرية العالمية، والأشياء من هذا القبيل التي تُصدر للعالم كنوع من البروباجاندا غير الحقيقية على أرض الواقع.

يؤكد شباب أمريكيين من ذوي البشرة السمراء من أصول أفريقية أن الشرطة تتعامل معهم كمشبوهين دائمًا ومتهمين ويتم تفتيشهم دون غيرهم لمجرد لونه الأسود؛ الأمر الذي يستدعي وقفات جادة أمام الحكومة التي لا تعير ذلك اهتمامًا.

تستدعي صورة الاحتجاجات في فيرغسون هذه الأيام تاريخ الزعيم الأمريكي "مارتن لوثر كينج" في العام 1963 حينما طالب بمحاربة العنصرية في الولايات المتحدة؛ الأمر الذي نتج عنه قانونًا يساوي بين الأمريكيين في جميع الحقوق المدنية دون تفرقة، ما جعل الاغتيال قدر "مارتن لوثر كينج" وبقيت العنصرية موجودة إلى يومنا هذا في المجتمع الأمريكي.

تاريخ العنصرية الممارسة من الشرطة الأمريكية لا يُنكر، ولا تقوم وسائل الإعلام بالدور الكافي في كشفه وتسليط الضوء عليه لأسباب غير مفهمومة، ففي تسعينيات القرن الماضي جرت نسخة من أحداث "فيرغسون" ولكن في "لوس أنجلوس" هذه المرة حين تعرض أحد المواطنين من ذوي الأصول الأفريقية للتعذيب على يد رجال الشرطة بالمدينة، وقد تم تسريب مقطع فيديو بهذه الحالة؛ الأمر الذي دعى الحكومة لتقديم المتهمين في الحادثة للقضاء الذي أفرج عنهم؛ ما تسبب في اندلاع أعمال شغب كبيرة.

لم تنته الحوادث عند هذا الحد، فقبل ولاية الرئيس الأول صاحب البشرة السوداء، قتلت دورية حراسة من الشرطة شابًا من نفس لونه لمجرد الاشتباه به، فلم تكن صورة انتخاب رئيس أسود بأمريكا إلا دعاية كاذبة لواقع عنصري داخل الولايات المتحدة، هذا الواقع مارسه البعض ضد الرئيس نفسه أثناء حملته الانتخابية بعد أن ظهرت مجسمات كارتونية تسخر من شكل الرئيس ولون بشرته.

وبعدها في عام 2010 كانت إحدى حوداث العنصرية بعد مقتل شاب أسود على أيدي رجال الشرطة؛ ما أثار غضب المواطنين الذين خرجوا في احتجاجات بالشوارع؛ ما استدعى الشرطة لارتكاب جرائم أخرى بحقهم، وقد علق الرئيس أوباما على هذه الحوداث أيضًا بقوله: "كان من الممكن أن أكون في مثل موقف هذا الشاب المقتول منذ بضعة سنوات".

تذهب التقديرات إلى أن هناك أكثر من 800 جماعة تدافع عن تمييز البيض عن السود في أمريكا وبها أعضاء يقدرون بمئات الآلاف، فالانتخابات كل عام في أمريكا تفضح الرواسب العنصرية في الولايات المتحدة، كما أن الاحتجاجات أيضًا تُظهر الوجه القبيح للشرطة في البلد الذي يطلق على نفسه واحة الديمقراطية.

إننا في حاجة إلى التريث والتأني قبل الحكم على أنظمة الحكم الغربية عن طريق ما يُروج عنها، فالتجاوزات موجودة وانتهاك حقوق الإنسان موجود؛ الأمر الذي يستدعي انتقاد النموذج الغربي أيضًا الذي يجعل من حقوق الإنسان مجرد سلعة دعائية وفقط لصورة قبيحة في الداخل لا تريد الحكومات الغربية أن تظهرها، فالطبيعي أن كوارث حقوق الإنسان في المجتمعات النامية تكون بهذا الحجم الكبير الذي نراه نظرًا لعوامل ليست محل نقاش الآن، لكن من غير الطبيعي أن تدّعي دول حماية حقوق الأقليات في حين أنها تدهسهم ولكن دون أن يلفت ذلك نظر أحد، فالآلة الإعلامية تركز فقط على انتهاكات حقوق الإنسان في "فنزويلا"، ولكن ما يحدث في "ميزوري" ما هو إلا حادثة فردية من وجهة النظر الأمريكية.

لذلك على الجميع إعادة تعريف الالتزام بحقوق الإنسان وقواعد المساواة ومدى تطبيق القانون في هذا الصدد، بحيث لا نكتفي بتشريع القوانين التي تجرم التمييز العنصري والتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان، دون النظر إلى مدى تطبيق هذه القوانين من عدمها، مع فتح ملفات حقوق الإنسان في جميع دول العالم دون استثناء، وعدم قصر الأمر إعلاميًا على الدول الفقيرة النامية والتي تدعم أنظمة حكمها القمعية الدول الغربية الكبرى بالمناسبة، ثم يأتي العويل على حقوق الإنسان بعد ذلك في مشهد عبثي بامتياز يجعل من هذه الشعارات سلعة تجارية لا أكثر، فالحوادث العنصرية والقمعية في أمريكا تفتح ملفات التعذيب في سجون تُشرف عليها الإدارة الأمريكية، كذلك تفتح المجال للحديث عن دعم الولايات المتحدة لأنظمة تمارس القمع والعنصرية تجاه شعوبها ويتم مساعدة هذه الأنظمة بغض الطرف عن تلك الممارسات؛ مما يجعل للولايات المتحدة وجهًا آخر لا نعرفه.